إقليم دارفور بين الأمس واليوم!


إقليم دارفور بين الأمس واليوم!

ظل المجتمع الدارفورى لعقود مضت عصى على التفتيت نسبة لطريقة العيش المتداخل حيث ينقسم السكان إلى مجموعتين زراعية والغالب الأعم زرقة و رعوية والغالب الأعم يسمون عرب واشك في ذلك نسبة للفرق الشاسع بينهم والعرب أنثروبولوجيا و حتى علميا عبر DNA ثبت أن أصولهم ليست عربية منهم من جاء من غرب إفريقيا و منهم آخرون لا تعلمونهم طريقة عيش المجموعتين أسهمت في تكوين صداقات أسست لعيش آمن مبنى على مصالح دائمة communal bound.
 يوفر المزارع المنتوجات الزراعية خاصة الغلال والراعي الحيوانية بكل أنواعها و لعهد قريب كان يوم السوق في دارفور عبارة عن عيد و لقد شهدت سوق في وسط دارفور في أوائل الثمانينات يتم ذبح أكثر من مائة بقرة و ضعف ذلك العدد من الماعز و الضأن أسبوعيا دون أن يؤثر ذلك على الماشية نسبة لتوفير المجتمع الرعوى لذلك العدد.  أيضاً أسهمت الآلية المحلية المتبعة في فض النزاعات في مجتمعات دارفور حيث تتشابه هذه الآلية على طول الإقليم وعرضه مما سهل فض  النزاع بين الراعي المتحرك والمزارع المستقر حيث أينما يذهب الراعي يعرف ماهى ألاحكام المترتبة عليه في حال اعتدائه على المزارع ظلت الجوديه وهى الآلية المجتمعية التى تحكم نزاعات كل المجتمعات في دارفور دون استثناء و أحكامها مرضية للطرفين نسبة لموافقة الطرفين على الأعضاء مسبقا مما يجعل أحكامها مرضية و ايضا وجود عرف غير مكتوب لكنه منقول شفاهه و هو بمثابة قانون أسس بين الأطراف لعشرات السنين مما يسهل عملية الحكم.اسهمت هجرات المجموعات المختلفة على مر السنين في خلق زيجات ساعدت على تذويب الفوارق بين المجموعات المختلفة و عضضت من لحمة المجتمع. كانت في دارفور تحالفات بين خشوم البيوت وسط القبائل و كانت صيغة التحالف هى (أن الجميع يسل الدية ويعقل الوليه ) وهى تحالفات أسهمت فى تقليل النزاع حيث كل خشم بيت يكون هو الضامن و المدافع عن خشم البيت عند قبيلته. أيضا أسهم النظام الاهلى مع أنه وراثي (هرقلى) فى حفظ السلام بين المجتمع الدارفورى هذا النظام المتوارث أسس لحفظ القوانين الغير مكتوبة حيث يورث نظام الحكم من الناظر او العمده أو الشيخ إلى أحد أبنائه بعد أن يكون صقله أثناء حياته حيث يكون هذا الابن ملازم لأبيه في كل مجالس فض النزاعات مما يكسبه خبرة تجعل منه شخصية كارزميه تحظى بالاحترام من الرعية و الآخرين عند موته يخلف هذا الابن المعد لهذا الدور سلفاً و تكون عملية انتقال السلطة سلسة. كانت المجموعات الرعوية تتحرك في خطوط متعارف عليها بينهم والمزارعين تسمى محليا بالمرحال هذه المراحيل يمنع منعاً باتاً زراعتها من قبل المزارعين و الشيخ هو الضامن لبقاء هذه المراحيل مفتوحة في الخريف مما يقلل الاحتكاك بين الراعي والمزارع، بجانب المراحيل هنالك قوانين تنظم موارد المياه حيث يمنع استخدام الرعاة  الرحل لمصادر المياه خاصة تلك التى تقع بالقرب من التجمعات السكانية من قرى وحلال. إن حركة الرحل من خلال هجرتهم المعروف من الجنوب إلى الشمال في فترة الخريف و من الشمال الى الجنوب في فترة الصيف حيث تضع كل أسرة من الرحل الشمل وهو أغطية منازل الرحل في فترة الخريف عند اسره معينه حليفة لها في القرى حيث لكل مجموعة رحل أصدقاء يضعون عندهم الشمل في رحلتهم إلى الجنوب حيث لا حوجه له في رحلة الجنوب لعدم و جود مطر في تلك الفترة من العام في أثناء وضع الشمل يتزود الرحل بالدخن أو الذرة من الأسرة التى وضعوا عندها الشمل و غالبا ما يكون هنالك غلال مقابل حيوانات أو منتجاتها جزاء من الصفقة هنالك مزارعين في دارفور يمارسون الزراعة و تربية الحيوان فى فترة الصيف يودع بعض المزارعين مواشيهم إلى الرحل في رحلتهم إلى مواقع توفر الماء في فترة الصيف لتصيف معهم وتعود في رحلتهم إلى الشمال في الخريف إلى أصحابها أسهم هذا النمط الحياتي المتوارث في جعل المجموعتين تعيش في أمن وسلام إلى أن تفجرت الأوضاع في دارفور في بداية الألفية الثالثة 
المجتمع الدارفورى بعد الحرب
غيرت الحرب في دارفور نمط حياة السكان رعاه أم مزارعين من خلال تفكيك الآلية التى كانت تحكم عيش هذه المجموعات.  بعد الحرب و انقسام المجموعتين بصورة غير معلنة و الكل ينكرها لكنها موجودة على أرض الواقع رعاه مع النظام و مزارعين مع المعارضة هذا الانقسام الغير معلن باعد بين الطرفين بصورة صارخة و غذى ذلك وجود طفيليه سياسة نشأة من خلال بحث النظام عن أشخاص key persons من الطرفين للتسهيل عملية التحكم في الإقليم متجاهلا الآلية المجتمعية التي كانت تحكم و تسهل عيش المجموعات المختلفه مع بعضها البعض
دور النظام في تدمير النسيج الاجتماعي
عند قيام ثورة الإنقاذ سعت إلى إحداث تغيير في الشخصية السودانية و ذلك من خلال برنامج اسلمة المجتمع تلك الأسلمة الغير مدروسة أنهت النظام الديني الذي كان يسهم في تذكيه المجتمع المحلي و تستجيب لحاجاته الروحية بناء على فهمه البسيط و كان الفكى وهو الفقيه وهو  مرجع هام و أيقونة محلية تمثل النموذج الأخلاقي الذي يقتدى به المجتمع و يمثل ركيزة تضمن سمو  اخلاق المجتمع.  مشروع الأسلمة هذا غيب دور الفكى في المجتمع المحلي و جاء بآخر يقول كلام غير مطابق مع واقعهم المحلي فهذا الآخر يدعو للحرب و مناصرة  إخوانهم في أفغانستان التي لم يسمعو بها من قبل و ما تسمية طورابورا إلى واحدة من  تلك المصطلحات الوافدة على  المجتمع الدارفورى. بدأ النظام في استمالة الإدارة الأهلية لتصبح كلها منظمة تتبع للنظام وهو بذلك افقرها للحياد لتلعب دورها الرائد في المجتمعات المحلية و في بعض الأحيان غير النظام بعض الإدارة الأهلية و جاء شخصيات تفتقر للخبرة كل مؤهلاتها هى الموالاة للنظام أو في بعض الأحيان عدم الاعتراف ببعض رجال الإدارة الأهلية كما حدث في غرب دارفور حيث سعى النظام لدق اسفين بين آل  بيت نظارة عريق معلنة أن من هو على رأس هذه الإدارة العريقة غير متوج ك……  وعلى ذلك قس. أحدثت هذه الأسلمة قيادات منافقه حيث تربت هذه القيادات على نمط معين وفجأة وجدت نفسها في وضع مختلف لكى تعيش عليها أن تظهر مدى تقيدها بالدين  كمنهج حياة وكان المسخ رجل نشاء لايصلى فجأة وجد نفسه كى يعيش و يتماشى مع النظام ان يكون رجل صالح يتردد على المساجد و هو في قرارة نفسه غير مقتنع بما يعمل و من هنا ظهرت قيادات فاسدة على مستوى السودان وليس دارفور فقط  تتمسح باسم الدين وهى بعيده كل البعد عن الدين هذه القيادات هى من يقود دارفور الآن بل كل السودان وهى تحدث كل يوم دمار أكثر على النسيج المجتمعي. خلق النظام في بداياته تنظيمات جديدة كشباب الوطن و اللجان الشعبية من غير قوانين و أخلاقيات مهنة واضحة هذى الأجسام الجديدة سعت سعى جاد لتحل محل النظم المجتمعية الموجودة من قبل وهى لا تملك الخبرة و منسوبيها  أغلبهم من الذين يعيشون صراع داخلي بين شخصيتهم القديمة و الشخصية الدينية الجديدة و هى فى الغالب تدخل في صراع مع القيادات الأهلية و غالبا ما تنتصر نسبة لسندها من النظام و هكذا انزوت القيادات ذات الخبرة في شؤون المجتمع تاركتا المجال للقيادات الجديدة.  أما على صعيد المجتمع المجتمعي أثر النزوح في نظام الإدارة الأهلية وذلك من خلال فقدان قيادات كانت ذات وزن في قراهم الأصلية هذه القيادات جاءت إلى المعسكرات و وجدت نفسها بين ليلة و ضحاها من غير سلطان حتى على رعيتهم هذا الوضع جعل من المجتمعات تجمعات من غير قيادة تتحرك حركة غير منتظمة و ضاعت هيبة الإدارة الأهلية و انفرط عقد المجتمع. عند وصول المجتمعات النازحة إلى المدن وجدت نفسها تتبع نظم تختلف عما طورت عاشت عليه من نظم حكم مجتمعى في مناطقهم الأصلية هذا التحول خلق نوع من الصراع الداخلي بين التمسك بالقيم الموروثة أو الانصياع للقوانين و الأعراف الجديد هذا على مستوى النازحين وهم من الزرقة  المزارعين  اما على صعيد الرعاة فقد تغير نظامهم الاجتماعي و ذلك بتغيير نمط حياتهم حيث استقر بعضهم فى بعض القرى التى هجرها أهلها نتيجة لقصف الطيران الحكومى أو قارات الجنجويد وهم جلهم رعاه هذا الاستقرار جمع الكل في محل واحد و هذا أمر غير مألوف لهم فهم في الغالب رعاه متجولون و فجأة استقروا و لا توجد قيادة لتدير  المجتمع المستقر و بالتالي كثرت النزاعات الداخلية حتى بين المجموعات التى تنتسب لبعض و ظهر جيل جديد من الشباب لا سلطان لأحد عليه جيل يمتهن القتل و كل ماهو محرم   تأثرت المجموعات الرعوية بالقادمين الجدد وهو مصطلح يطلق على مجموعات رعوية قادمة من دول الجوار لا تتبع النظام الأهلي الرعوى المتبع  وهى قادمة من ثقافة أخرى ثقافة أقل ما توصف بأنها لا تراعى الأخلاقيات  الموجودة و السائدة بين المجموعات الرعوية المحلية في دارفور تأثر الشباب المحلى بشباب المجموعات القادمة من دول الجوار حيث الجنس مباح وليس بمشكلة هناك وبدأت سلسلة من جرائم جديدة دخيلة على مجتمع دارفور بل كل السودان  وهي جرائم الاغتصاب حيث لأول مرة تسجل بلاغات بهذه الكثافة في تاريخ السودان حتى حرب الشمال والجنوب لم تسجل فيها حالات اغتصاب كالتي حدثت في دارفور و لم تدول حينها.
سوف تتفاقم مشكلة المجتمع الدارفورى ولن يحل السلام لحين مخاطبة الأزمة المجتمعية وللأسف الكل في المحادثات يتحدث عن قسمة السلطة والثروة و التعويضات دون تطوير أهداف واستراتيجيات مناسبة لإعادة النسيج الاجتماعي في دارفور  وأقول  (أن أصعب النزاعات حلا هو النزاع المجتمعي) حيث يحتاج التصالح أن يمر بعده مراحل وقد تستغرق هذه المراحل عدة سنين فعلى الجميع العمل على وضع استراتيجيات لحل مشكلة دارفور على المستوى المجتمعي اذا أردو لدارفور أن تتعافى حيث إيقاف الحرب وحده لن يحل المشكلة.
————-

بقلم جميل محمود
12 ديسمبر 2015 




اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.