تمبوش والموس


تمبوش والموس

كان الصغار يخافون منها لايذهبون الي منزلها ويركضون عندما تأتي عابره بالطريق المؤدي الي سوق القش بالجنينه.. لا ادري لماذا أطلق عليه هذا الاسم.. فقط هو تجمع للباعة والمشترين وحتي القادمين من محليات المدينه المختلفه.. يحمل بداخله قش للحيوانات وقد استقر علي الأرض وبعض الخضروات والمانجو المتوفر علي طول السنه القادم من بيضه وارارا.. لا يبعد السوق عن وادي كجا حيث جنائن المانجو.. كعادة أهل الجنينه وتمبوش الذهاب اليومي الي السوق لشراء حاجيات الطعام.. لا توجد ثلاجات لحفظ الطعام سوي بأعداد قليله جداً.. او لربما اعتاد الأهالي علي تذوق الطعام الطازج يومياً.. لم تكون هنالك كهرباء متوفره كانت تأتي لساعات قليله وتقطع.. تولد من مولدات الجاز وعندما لا يصل الجاز من الخرطوم تكتسي المدينه الخضراء السواد عدا من بعض الأضواء المبعثره للرتينه او الفانوس في الدكاكين والشوارع للسمر الليلي..واضواء الشموع تتسيد المنازل.. كان لدي تمبوش دكان في منزلها بحي النهضه تفتح ابوابه في الصباح الباكر ويغلق في المساء تتوفر فيه اغلب الإحتياجات اليوميه..يطل على الشارع الترابي ومقابل لمطعم مصطفى الذي يبيع الأطعمة بأسعار معقوله من فول وطعميه واغلب الزبائن من الأطفال..في الاجازة يذهب معظم أولاد الحي الي العمل نهاراً في ورش الحداده والنجاره ومحلات بيع الملابس لكسب المال.. وحتي لا يطلبونه من أهاليهم.. كان لدي تمبوش ولد يدعي إبراهيم وهو من أكثر فتية حي النهضة شقاوتا لايذهب الي العمل مثل باقي الصبية ولا يعمل مع أمه بالدكان.. طول اليوم يتنقل بين بيوت الجيران يلهو ويخرب ان أتيحت له الفرصه.. هو في الخامسه عشرة من عمره ودائم التغيب عن المدرسه واعتادت هي علي زياره المدرسه عدة مرات في الأسبوع وكان مشاغبا حد الإعياء لاساتذته.. وتم فصله من المدرسه… كثر تردده علي مطعم مصطفي طلبا للطعام بالدين يأكل يومياً ويذهب مصطفي الي تمبوش شاكيا وتدفع هي الدين لمصطفى.. كان يأكل ويغسل يديه خارج المطعم ويجري ضاحكاً.. والد ابرهيم كان جزارا بسوق العطرون أكبر اسواق اللحم بالجنينة.. يذهب باكراً الي السلخانه لإحضار اللحم بعربته الصغيره ويعود ليلاً يأكل وينام وحتي في يوم الجمعه يذهب مع اصدقائه للعب الكتشينه ويعود الي البيت في نفس الزمن المعتاد.. وتمبوش تقول برعاية البنت المعاقه زات السبعة اعوام وهي لا تستطيع حتي ان تأكل لوحدها او تقضي حاجتها مشلوله منذ الولاده والولد المشاغب إبراهيم وكل شيء آخر هو علي رأسها..
كانت ليلي كغيرها من الصغار تخشي الذهاب لمنزل تمبوش اشهر سيده تقوم بالحجامه في الحي.. في الإجازات يزدهر عمل تمبوش الحجامي نظير بعض الجنيهات وقليل من السكر والشاي.. تتدافع اليها النسوه يومياً طالبين الحجامعه للأطفال واعتقادهم ان ذلك يقلل من شغبهم اليومي.. كانت تمبوش تقوم بالحجامه مستخدمه الموس ويضمد الجرح بذرات من الرماد.. علي جنبات العينين.. عندما اعياها ابنها إبراهيم صارت تحجمه كل يوم علي وجهه وبطنه ورجليه واصبح جسمه مثل الخرائط واستمرت هي في دفع المال لصاحب المطعم..كانت ليلي الصغيره تلهو مع صديقاتها في حوش بيت جدتها جارة تمبوش عندما لمحت من على البعد اخاها وابن خالها يدخلون من الباب الصغير لبيت جدتها الذي يحوي ثلاثة أسر.. كان الدم يسيل من جنبات اعسنهم ممزوج بالرماد.. لقد كانو عند تمبوش وسالت دموعها.. كانا دائمي الشجار مع الأولاد في الشارع.. سألتهم بماذا يشعرون؟ بلا شيء كان ردهم..خافت ليلي وهددتها امها وقالت بأن مصيرها سيكون مثلهم عند تمبوش إن  لن تسمع الكلمه منها وتصير هادئه.. خافت ليلي من موضوع تمبوش الجدي وتركت البيت وذهبت الي منزل عمتها وظلت هناك لأيام هي خائفة جداً من الحجامه.. لم تعود الي البيت إلا بعد ان وعدتها أمها بعدم حجامتها.. كانت تمبوش تضع الرؤوس علي أرجلها السمينه وهي تمدهم علي فرشه في الأرض وضفائرها السوداء المشبعة بالدهن تكاد تلامس الأرض واسنانها البنية البارزه بائنة ولا تفارقها الابتسامه أثناء الحجامه وأحيانا الضحك وليلى تتنصت عليها بعض المرات من قرب الباب.. من كثرة الحجامه التي تعرض لها إبراهيم من تمبوش امه وضرب السوط في الخلوة بقساوة من ذلك الرجل فقد عقله وهجر البيت وبات ينام على في السوق وعلي الطرقات متسخ الثياب ومقطعه عليه.. واستمرت تمبوش في الحجامه..
————
الكاتبة/ سلمي ابوبكر




اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.