كينياتا في لاهاي .. مناسبة للحب والثورة


كينياتا في لاهاي .. مناسبة للحب والثورة

 بمثوله أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، دشن الرئيس الكيني كنياتا بداية مرحلة جديدة ضد ثقافة الافلات السلطوي من العقوبة. انها ليست مناسبة للتشفي السياسي من البشير. إنها فرصة للعشم بعالم أكثر أمنا وسلاما ومعافاة. وللاستيثاق بان لا احد سوف يهرب من العقاب. لا احد . بما في ذلك عمر حسن احمد البشير. 
      فإذا كان الأخير هو أول رئيس دولة تصدر بحقه مذكرة توقيف من محكمة الجنايات الدولية فإن كينياتا هو أول رئيس يمثل طواعية أمام المحكمة بخصوص اتهامات صدرت بحقه قبل توليه المنصب. ولو تعاملت النخبة المسيطرة على مقاليد الأمور في الخرطوم بشكل مماثل لوفرت على السودانيين الكثير خلال السنوات الخمس الأخيرة. وربما تفادى القطر الافريقي الأكبر مساحة مغبة الانفصال في 2011 وما تلاه من تفاقم في الحروب الأهلية في كلا شطريه وتصاعد في الأزمة السياسية بلغ ذروته في انتفاضة سبتمبر 2013 المجيدة لو تحلى قادته بحد أدنى من المسئولية التي اعتمرها الرئيس الكيني وهو ينشر على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك صورا له في المطار متوجها لهولندا للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.ويكتب  تعليقا على الصور:سافرت صباح اليوم لهولندا لأمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، لقد هبطت الطائرة منذ قليل بمطار سيخبول بامستردام.
      لا زال السودانيون يتجرعون الأمرين في ظل مقترحات حلول سياسية لا تخاطب مشاكلهم هم بقدر ما تخاطب مشاكل نظام يريد أن يحكم ويستمر في الحكم رغم فقدانه كل أهلية سياسية وأخلاقية. وإن المرء ليصاب بحيرة ملؤها الحنق من جراء تواطؤ (جهات دولية وإقليمية وحتى من داخل الطيف السياسي السوداني المعارض نفسه) يحاول التعامل مع نظام البشير بمعزل عن وجوب مثول قادته المطلوبين للمحكمة الجنائية كشرط واجب وأساسي للوصول إلى حل شامل في هذا القطر الذي اثخنته الفتن والفشل والمؤامرات والحروب التي لا مبرر جوهري لها سوى هذا التواطؤ الغريب المريب. 
        مثول الرئيس الكيني أمام المحكمة الجنائية مناسبة جميلة أيضا لإزجاء الشكر الجزيل والحب العميق لكل الذين جعلوا ذلك الانتصار الثمين لضحايا الجرائم السلطوية في كينيا والسودان وسائر بقاع  العالم ممكنا وملموسا. كل الذين سبحوا في إصرار عظيم هائل ومضن ضد تيار الطغيانات المحلية والكوكبية وأحابيلها وحيلها. ولتوجيه هذا الحب وهذا الشكر بشكل أشد خصوصية للفاعلين السودانيين الحقيقيين الذين رهنوا حياتهم وجهدهم مقابل غاية متجردة وسامية تتمثل في الحصول على عدالة معقولة لضحايا الإبادة الجماعية والجرائم الممنهجة الأخرى التي ظل يرتكبها نظام البشير بلا هوادة طيلة ربع قرن من الزمان ضد شعبه الأعزل من كل سند وسلاح. لقد كانت رحلة تحول البشير وقادة حكمه المجرمين من أوغاد محصنين بفعل السلطة المحلية المغصوبة والمستخدمة في القتل والتخريب وحده إلى متهمين ومطلوبين ومطاردين؛ كانت رحلة جد طويلة وجد شاقة ولم يكن من السهولة قطعها لولا وجود أفذاذ آمنوا بحق شعبهم في الحرية والعدالة والانتصاف وقبلوا أن يبذلوا دون هذا الحق كل التضحيات التي لا يشكل الموت في سبيله سوى أيسرها . منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. 
    مثول الرئيس الكيني أمام المحكمة الجنائية مناسبة جميلة أيضا لإزكاء نور الثورة ونارها في كل القلوب والأفئدة السودانية المؤمنة حقا وصدقا أن شعبها ليس حديقة خلفية للظلم ولا ملكا حرا للقتل والتشريد والفشل والتخريب وإهدار المزيد من الفرص والموارد في مماحكات لن يستفيد منها انسانه المستحق لحياة أفضل بكثير جدا من تلك التي يوفرها له نظام البشير ومن لف لفه. الثورة السلمية المتصاعدة يجب أن لا تتوقف قيد ثانية لاجل حوارات مجوفة ممجوجة أو لاجل انتظار انتخابات مزيفة مخجوجة. أي حوار وأي انتخابات هذه التي تصح وتصلح في ظل تحكم الأدوات القمعية لنظام فاقد الأهلية والشرعية ولا يملك سوى عصا الأمن يبرهن بها على وجود بات مشكوك فيه إلى حد كبير. وحتى هذه العصا، يعلم الله وحده إلى أي مدى تقرقرت وصارت لا تكاد تهش أو تنش. فباي مشيئة لا تمتلئ الشوارع الآن بالحقيقة التي تقذف بالبشير إلى لاهاي. طوعا أو كرها ؟
—————
فتحي البحيري




اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.