بركة ساكن و”خيانة الرواية” في “الرجل الخراب”


بركة ساكن و”خيانة الرواية” في “الرجل الخراب”

ما هي الرواية؟ سؤال يثير الكثير من القلق! خاصة إذا كان السرد شاغلا إنسانيا لدى الكاتب، يمثل جزءا من حياته بحيث لا يفرز بين موقع التخيل وناصية الواقع.. هل الرواية هي إذن في أعظم تجلياتها رحلة البحث عن "اللارواية"؟.. جائز وممكن ولكن ليس قطعيا!! فكل الدلالات تصبح مفتوحة والقداسة تنهار جدرها وتفض أبكار الحقائق، ساعة يتعلق الأمر بالبحث عن الرواية الجديدة أو السرد الجديد.
هذا الاستفهامات ضرورية للكتابة عن مشروع عبد العزيز بركة ساكن الروائي، بالتحديد عن روايته الجديدة التي ستظهر للنور قريبا، وقد أطلعت على مسودتها "شبه النهائية"، والتي أغوتني بالتوقف عندها، ليس كنص روائي بالشروط الممكنة والمدركة بل كمحاولة تجريبية كبيرة على حد تقديري، تتعلق بالأسئلة التي طرحتها أعلاه. 
في رواياته السابقة كما في أغلب أعماله، استطاع بركة ساكن أن يناقش قضايا السودان بهاجس إنساني، وهو يمسك بثيمة العنف وتحرير الذات من المصائر السيئة والقيود التي يراها البعض أزلية، وهذا تقريبا الدافع الذي يكتب به الروائيون في بحثهم عن العالم الأفضل عن طريق الفن والجمال لغة وانسجاما، حيث يمكن للكتابة أن تعيد ترتيب العالم من خلال الفوضى أو تفكر في الفوضى بطريقة منظمة ليكون ممكنا الاقتراب من وعي الكائن وكينونته ودوره في هذا العالم، إن تبقت له هذه الأدوار أو هي مفهومة يمكن تلمسها ذهنيا بأضعف الشروط. 
في هذه الرواية التي اسمها الأولي "الرجل الخراب".. نحن أمام رسالة إنسانية متشكلة في صيغة الفن المسمى بالرواية ولكن مكتوبة بطريقة "اللارواية".. وهو ربما الجديد ليس في السياق الكلي لتجربة بركة ساكن، بل في مشهد الرواية العربية بشكل مجمل. فهي رواية بسيطة من حيث تعني البساطة ما تعني من مسؤولية ومعرفة ومغامرة، يتداخل فيها السارد بالكاتب بالشخوص لنكون أمام عدد من الأبطال الذين يشكلون ارتكازا حول الشخصية المركزية للنص وهي "الرجل الخراب" واسمه درويش (السوداني الأب/ مصري الأم) أو هاينرش Heinrich (النمساوي).. ذلك الإنسان الذي يعيش عددا من الأزمات داخل أزمته الكلية والشاملة واللانهائية.. أزمة المهاجر إلى بلد أوروبي منشطر الذات وفي التفرعات أزمة الهوية والله والدين والمعنى وجدليات أخرى تتعلق بسؤال الكائن وحجم الدمار الذي يتعرض له في هذا العالم. كما أن مهنة الرجل التي امتهنها في النمسا قبل أن يصنع عائلته الصغيرة هي مهنة مخزية يصعب الحديث عنها إنه "مخري كلاب".. والتي اعتذر ذات مرة عن التصريح بها أمام رجل سعودي وزوجته. 
أمام بساطة تعني العمق كما أسلفت يأخذنا النص من مشهد افتتاحي لابنة درويش ومن زوجته النمساوية التي تزوجها غصبا عنه بعد أن ماتت والدتها صاحبة الكلاب التي عمل الرجل على تخريتها.. وتزوجها لأنه لا مفر أمامه في مقابل أن يحصل على الإقامة الدائمة والجنسية، في مقابل حصولها هي على المال والإقامة في الشقة الموهوبة من الأم لمخري كلابها.. فإن النص يأخذ بهذه الابنة وحبيبها النمساوي إلى غرفتهما الانفرادية لكن الأب ذي المرجعية النمطية أو هو "بالأخرى" – ليس بالأحرى- المنشطر بين كونه منفتحا ورجعيا أمام سؤال حول هذا السلوك وكونه ليس خادشا للحياء فحسب، بل لا يليق بأب مسلم أن يضع ابنته في هذا الشرط المسيء للقيم.. وفي مقابل ذلك فإن الرجل سوف يتنازع بين ماضية ويحوم في عوالم سيريالية من ابتكاره لعالم القرية أو "البلاد السفلى" التي جاء منها حيث يكون هناك شيء اسمه الشرف والقتل أيضا، وهو ما سيفكر فيه. 
هذا الشاب النمساوي لكن حتى إسلامه لن يكون مخرجا، لأن الأب شكيك لا يؤمن بشيء سوى نفسه وخرابه الذي اكتسبه عبر سنوات منذ أن كانت فيه أو سكنته بذرة "الأصولي" في الجامعة بمصر إلى أن صار صيدلانيا إلى هروبه الملفق لأوروبا بجواز مزور إلى أن عبر إلى مستودعه الأخير في شاحنة الخنازير.. وهو لا يتورع أن يمارس الجنس وبقذارة بين الخنازير مع فتاة أفريقية اسمها نادية.. هي عاهرة تصنع الحياة وفقما تريد.. لها فلسفتها عن الله والكون والإنسان والحب.. لكنها جميلة أجمل من رأى درويش في حياته.. والحياة لا تنقاد للإرادة.. إذن لتزوجها..
كما أن الراوي في الرواية لا يريد إلا هواجسه.. ولهذا في نهاية الرواية نجد أن الشخصيات الثانوية تتكلم لتخبرنا بربما العكس تماما.. المهم الحقيقة التي قد نكون متأكدين منها أم لا أن درويش انتحر بنفسه أم مات مقتولا عند هاوية جبل لا ندري، وبدفع من زوجته التي تحبه وتكرهه معا – لا أحد متأكد – .. وليس هذا سؤال السارد ولا الرواية ولا الكاتب إذن لكان ثمة إجابة واضحة. فالروايات الجديدة لا تقدم إجابات.. ولا هي تطرح أسئلة بالشكل التقليدي أيضا والروتين السمج.. 
صعب أن ألخص الأفكار التي يأتي عليها النص، هي كثيرة جدا.. الهجرة.. الدين.. سؤال الله.. سؤال الهوية.. العنصرية.. العلاقة بين وادي النيل.. كما صعب أن أتوقف عند نقطة ربما سيشير إليها البعض لاحقا بطريقة غير مدروسة/ ممنهجة، عن مقارنات بين هذه الرواية و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح و"مدن بلا نخيل" لطارق الطيب، باعتبار أن الثيمة أو العلامة الطازجة هي الهجرة. فلم يرد بذهني ذلك، فالرواية تجربة مختلفة وجديدة، لأنها تحركت في سياق تقني وتجريبي حداثوي وجديد تماما. كما أن هذه الرواية هي مشغولة بالتفكيك الشخصاني والنفساني أكثر من الاهتمام بالمكان.. حتى لو أنه كان جليا.. فوجوده أشبه بلسعات النحل.
لن استبق النص لكي أحدده كموضوعات لأن ذلك فعل ساذج.. لكن من يبحث عن العنف سيجده. ومن يبحث عن الجنس سيجده. ومن يبحث عن الله سيجده. ومن كان هواه الشيطان سيجده. فقد ترك بركة التأويلات مفتوحة لنص يقوم على الاستنساخات المتواترة ومحو الآيات.. 
كما أن القارئ سوف يجد أن بركة هنا في فضاء آخر غير ما عرفه.. لن يجد فضاءات "مسيح دارفور" ولا "الخندريس" ولا "العاشق البدوي".. سيجد مساحة أخرى ربما كان لتجربته الأخيرة في الهجرة دورا فيها.. تحديدا حيث هو الآن في النمسا.. لكن هذا سطحي جدا أن نفهم النصوص كانعكاسات مباشرة لتجاربنا الحياتية.. إنها بالأخرى استلهامات معرفية وفلسفية وإعادة تدوير هائل للمعاني والمدركات أيضا.
هذه رواية إذن جديدة من حيث التقنيات والشاعرية.. وأقصد تحديدا الشاعرية في إطار السرد لا بالمعنى الشعري المباشر. كما أنها جديدة من حيث ما يمكن أن يشعر به القارئ من إرباك لذيذ ومحبذ.. وما تفعله أشبه بما جاء في النص نفسه:
"لا يمكن ان يُصاب الشخص بالسُكر والسَطل في آن واحد، ولو تناول المُسكر والمُسطل بذات القدر" 
ويمكن التلميح مبكرا إلى أن النص سوق يقع تحت طائلة بعض القراءات الكلاسيكية ما سيجعله يفقد حظه باعتبار أنه لا يستوفي شروط الرواية المعروفة.. وقد لمح الكاتب نفسه لذلك في الرواية:
".. ذلك سيورط النص الأدبي فيما يسميه بعض النقاد الكلاسيكيين الحَرفِيين: الخروج المريع وغير المبرر فنيا عن الخط العام للتحقق السردي. في السودان يدفع الكثيرون من المتمرنيين في النقد بتقديم بعض النصائح للكاتب في ذلك الظرف بالذات.."
إننا سوف نفهم في النهاية.. أحسب أني فهمت وقد لا أكون كذلك .. أن درويش ليس إلا صورة مجازية ومتناسلة للشرير الذي يسكن كل منا.. والذي يتجلى في صورة ملائكية.. لكن أيضا ليس منتزعا عن سياقات الأزمة والأمكنة ولعنات الوجود وأزمات الإيمان المتكلس والروتيني.. 
إنه نص مفتوح في شتى النواحي وعبر كافة نوافذ القراءة..
———–
عماد البليك

Sakin




3 تعليق على “بركة ساكن و”خيانة الرواية” في “الرجل الخراب”

  1. تبسيط لغة النقد

    لماذا لا تكون لغة النقد بسيطة يفهمها الجميع؟ ما فائدة التقعر الذي يصر عليه الكاتب الفاضل، إذا عرف أنه دفع بي إلى التحول عن المقالة؟ الفن الحقيقي، إذ يخرج من القلب، يصل إلى القلب؛ فهو كلام القلب للقلب. ولا أقصد بكلامي الترخص في الكتابة بالعربية التي هي محتوى النقد وقالبه وغيره من الفنون والعلوم، بل أقول إن البساطة اللغوية لا تتنافى مع الصحة اللغوية. أتمنى أن يأتي يوم أرى نقدًا يلتهمه جميع القراء كما يفعلون مع الشعر والرواية والمسرحية

    تحياتي لكاتب المقالة ولكاتبنا عبد العزيز بركة

    محمد رمضان،

    مترجم من مصر.

  2. عبدالرؤف فضل الله

    بركة_ذلك المسكون بالابداع _حتما هجرة الانسان تؤثر عليه فمابالكم بفنان_فعندما كان في السودان جاءت كتاباته من وحي مايعيش_كذلك عندماهاجر_المشاكل هي نفسها وحلها بالافن يكون اسرع وتفاعلي_كما يقول محمد شكري _هذا هو دور الفن ان نجمل الحياة حتي في اقبح صورها_

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.