الثنائية المخلة: التعليم والفقر في دولة ما بعد الاستعمار

إن الإنتقال من المعلومة الي المعرفة يتطلب التعرض بالنقد للقيم الإجتماعية والثقافية، لأن التراتيبية أو الهرمية العرقية مثلا، تحدث شروخا يصعب تداركها في دورة تصمصم وتنفيذ السياسات.

Paralysis by Analysis: Education in the Post-Colonial Era By Waleed A. Madibo, Ph. D., M.A., M.Sc., International Development Expert Governance Consultant

The aim of any educational system is to create an environment that will entice people to think critically. Critical thinking constitutes a wide domain that starts from the pole of the “expert”, one that is overwhelmed by facts, to the world of the psychic, in which we tend to be seduced by stories. The former tries to investigate probabilities, the latter seeks to explore possibilities. Somewhere in the middle, we have to strike a balance, so as neither to allow ourselves to be seduced by lying weases, who masquerade as experts; nor should we allow our minds to be overridden by emotional bias.

While the West seems to have given too much weight to the domain of rational choice, the East seems to have limited itself to the world of imagination. I know that this is a bit of an overstatement, or at best an approximation of the reality. Using our wits to decide about our own destiny in life needs more than balanced intellectual and emotional faculties, it needs liberty. To think You ve to be free to think; you ve to be empowered to think critically.

Not only does the hierarchical formation of society disempowers and disenfranchises citizens, but it also creates dis junctures in the policy-making cycle, as it alienates rather align values, it makes politics conflictual rather than compromising, and it ignores the role of science in advancing the frontier of knowledge by overemphasizing rules and obligations that manifests one group's cultural and intellectual superiority. Ironically, national elites bought into this fallacy full-heartedly.

Before we could grapple well with the challenges of the Colonial Era, we found ourselves faced with the challenges of Post-Colonialism, and most recently imperialism. What sort of an educational philosophy needs to be adopted to unleash the unlimited potential of the human mind, and to make its soul worth serving the objectives of an international moral economy? How can we go beyond the paternalistic view of changing to the participatory approach of transforming? In the first we are agents, in the second we are facilitators.

The strategy of building an enlightened citizenry with collective action capacities is the basis of sustainable development. Albeit, there is nothing in the text of the SDGs that really explains how the new goals and targets for education, specifically Goal 4, will relate to all the other SDGs most of which have educational dimensions, or why “reaching the furthest behind first” makes sense where failure to deliver services is systemic, rather than on the margin of fundamentally sound education systems.

The SDGs locate education more as part of the definition of development than as a means to achieve it and fail to advance discussion of what kind of education is to be valued for what purpose?
Keith Lewin asserts that “an opportunity has been missed to dwell more on that which transforms minds, hands and hearts and offer insight into what education designed to promote development that is climate friendly, human rights respectful, and economically advantageous might look like”.

To prescribe growth as a solution is to identify underdevelopment as the absence of development. Manning Marable asserts, “Underdevelopment is not the absence of development; it is the inevitable product of an oppressed population’s integration into the world market economy and political system”. Despite slight technical differences, programs of development and poverty reduction relied on the old model of industrial growth with goals devoted to growth, specifically export-oriented growth.

This mandatory pursuit of endless industrial growth is chewing through our living planet, producing poverty at a rapid rate, and threatening the basis of our existence. To tackle the irrationality of endless growth head-on, we need to point out that capitalist growth — as measured by GDP — is not the solution to poverty and ecological crisis, but the primary cause. And we need a measure of human progress that gears us not toward more extraction and consumption by the world’s elite, but more fairness, more equality, more wellbeing, more sharing, to the benefit of the vast majority of humanity.

Genuine efforts must be exerted by Sudanese intellectuals or scholars, and their friends worldwide, to form a coalition of progressive forces, who by revising policies that have a disproportionately greater impact on one group than upon others, can develop practical solutions to resolve the dilemma of those underdeveloped and underprivileged populations. By understanding society and reinterpreting its formation, participants can design transitional reformist demands that aim not at changing the society but transforming it through the creation of logical framework or a system that is rational and humane. Only through proper education and political socialization processes can nations heal and voluntary join in a union that preserves their dignity and grants them necessary services.

auwaab@gmail.com

الاستثمار التنموي في السودان:(1)

(ودام الغذائية نموذجاً)

يجب أن تركز التنمية المستدامة على خلق مسار للتنمية البشرية يتيح للجميع ممارسة خياراتهم وتلبية تطلعاتهم، سواء في هذا الجيل أو الأجيال القادمة"
هيلين كلارك (مديرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)
 
هناك ثلاث أسباب رئيسية لنجاح أو تعسر اداء أي شركة في العالم. السبب الأول بنيوي يتعلق ببنية الاقتصاد في الإقليم، السبب الثاني مؤسسي يتعلق بالكيفية التي تدار بها الشركة، والسبب الثالث سلوكي يتعلق بطموح الموظفين، مثابرتهم، وعزمهم على التغلب على الصعاب، مهما بلغ الأمر.

قبل ان اشرع في التشريح، أود أن أقول أن توجه بعض الدول الخليجية، بالأخص الكويت وقطر، للاستثمار في الحزام السوداني ككل (تشاد، السودان، جيبوتي، نجير، افريقيا الوسطى … إلخ)، امر حيوي ينبأ عن افق فسيح ورؤية استراتيجية، لان هذه هي المنطقة الأغنى في العالم من حيث الموارد الطبيعة، الكثافة السكانية والموقع الجيو-استراتيجي (الإطلالة على البحر الاحمر، المحيط الاطلنطي، إلى آخره) وقد فطن الغربيون لأهميتها الاستراتيجية منذ الأزل، بيد أنهم لم يفكروا في تطوير استراتيجية تعني بالحزام إلا بعد أن شهدوا تدفق الأفارقة على سواحلهم.

لا يبدو حتي الأن إن كان هناك وفاق أوروبي أو مجرد رغبة من بعض الدول النافذة مثل المانيا فرنسا للاستثمار السياسي والحيوي في إفريقيا، لكنهم رعوا بهمة اتفاقية السلام التي أبرمت في الدوحة (وثيقة الدوحة للسلام في دارفور وقعتها الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة في 14 يوليو/تموز 2011)، كما أيدوا مبادرة قطر للاستثمار في دارفور التي تعتبر قلب الحزام السوداني. من الناحية الاقتصادية، فإن عائدات الاستثمار في اوروبا لا تزيد عن 4%، في الوقت الذي يقول فيه مو إبراهيم (البليونير البريطاني من اصل سوداني) ان عائدات الاستثمار في افريقيا، رغم المخاطر، تزيد عن 40 بالرغم عن البيروقراطية وكل العوائق الادارية.

لقد انتبهت قطر إلى أهمية تطوير واستراتيجية الأمن الغذائي فأنشأت شركة مواشي (وِدَام الغذائية لاحقاً) ووضعت استراتيجية لإنشاء ثلاث مشاريع حيوية: المقصب (المسلخ)، مشروع الدواجن ومشروع الاعلاف. ونحن نتسأل لماذا لم تنفذ هذه المشاريع رغم حيويتها رغم مضى أكثر من خمسة أعوام، علما بأن إنشاء المقصب (المسلخ)، يشمل ذلك دراسة الجدوى الفنية والتجارية، لا يتجاوز 18 شهراً. ننوه إلى هناك شركات سعودية وإمارتية، مثل الهيئة العربية للاستثمار، وحتي مصرية مثل الشركات المصرية العاملة في الحديد والصلب، سافولا، الراجحي، الخريفي، … إلخ أنشئت بعد ذلك التاريخ وحققت ارباح طائلة. بل هي الان تعتبر منتجة للدواجن ومصدرة للإعلاف.

هذا المثال الاخير، يعطيني مدخلاً حسنا للحديث عن الاشكال البنيوي في الاقتصاد السوداني نفسه والذي يركز قادته منذ أكثر من ربع قرن على حصر الخارطة الاستثمارية في رقعة معينة وتمعن في توجيه أنظار المستثمرين إليها، بالرغم عما يبديه الخبراء من تبرم يوشك ان يصل إلى درجة الاعتراض، إذ يرون أن قيمة استصلاح الأرض في الشمالية (شريحة صغيرة بطول النيل صالحة للزراعة وما عداها صحراء يباب) يفوق 4000 دولار للفدان، في حين ان قيمة استصلاح الأرض في دارفور وكردفان، ووسط السودان لا يفوق 130 دولار . لقد انتبهت القيادة القطرية إلى الميزة الاستراتيجية للزراعة في الريف السوداني، فأنشئت مصرفا للاستثمار في دارفور. بقيت هناك نقط واحدة: التنفيذ.

إن إنشاء المصرف – إن كانت ما تزال النية قائمة، التي لربما تكون قد تغيرت تأثراً بالظرف الإقليمي العصيب – يرتبط ارتباط عضوي بالرؤية الاستراتيجية والخطة التنموية التي تستلزم وضع الاستثمارات القطرية في مناطق الإنتاج. لا يعقل أن ينشأ المقصب (المسلخ) في الخرطوم أو شندي (إذ تخطط شركة زادنا حالياً في إقامة 5 سلخانات) على بعد 1500 كيلو متر من منطقة إنتاج اللحوم. لا سيما، ان قطر تسعى للاستثمار في البنية التحتية في دارفور، عليه فهي الأولى بالاستفادة من مشاريع الطاقة والطرق التي ستقام في دارفور بالتعاون مع صناديق دولية. إن طريقة تفكير النخب المركزية لن تتغير؛ فهم يستخدمون موارد الهامش لإقامة استثمارات في المثلث الاستيطاني خشية أن تنفصل الأقاليم فتضيع هذه الاستثمارات أو إنهم يريدون أن يدفعوا هذه الأقاليم نحو الانفصال فيتفرغوا للتجارة مع شمال الوادي بعد أن يكونوا قد نجحوا في إقامة سودان منسجم عرقياً. علماً بأن اكتشاف ال DNA أو ما يسمي بالحامض النووي قد فضح كآفة ادعاءات العنصريين.

لقد اتصلت بالمدير السابق لشركة ودام (مواشي سابقاً)، د. سامي بله، يوم ان سمعت بأن الشركة تتهيأ لإعداد دراسة جدوى اقتصادية لإنشاء مقصب (مسلخ) في الخرطوم، وقلت له أن الدراسة الجدوى لا تبين المسار الاستراتيجي قدر ما تحدد الخيارات الأولى بالإتباع. وجدته متفهماً ومقتدرا، لبقا ومهذبا، بل حادبا على مصلحة الشركة وطامحاً في ريادتها للمجال وحريصا على التغلب على الصعاب. يساعده في ذلك أهليته المهنية والقبول الذي لقيه محلياً وإقليمياً. لا غرور فقد نجح د. سامي بله، في إخراج الشركة (قسم السودان) من إفلاس كان موشكا (سالب 500,000 ريال) إلى ربح مستحق (موجب 20000000 ريال) في خلال عام. مما انعكس ايجابا على سعر الشركة في البورصة وتحسن سمعتها في السودان. إن السمعة، وإن كانت قيمة معنوية، فإن لها انعكاسات مادية في مجتمعاتنا الشرقية التي لم يتم فيها مأسسة القيم بدرجة تغنى عن المؤسس. حتى يحدث ذلك فإن شخص المدير له انعكاس سلبي أو ايجابي على أداء الشركة.

رجعت بعد فترة للاطمئنان على مسار الاستثمار في هذا المجال فوجدت ان المدير، ذاك الشخص المتخصص والذي له دكتوراة في التنمية المستدامة للإنتاج الحيواني من كندا، قد استُبدل بطبيب بشري –أو هكذا يدعي– لا صلة له بالتنمية أو الاستثمار . بطل عجبي عندما علمت أن الأخير له صلة قربي من المستشار القانوني في الشركة الام بالدوحة (بالتحديد إبن أخته). حينها ادركت ان لا جدوي لي من التواصل مع فرع الشركة في السودان واكتفيت فقط بتدوين هذه الحيثية ووضعها إلي جانب أخريات يدللن علي إشكاليات سوسيولوجية وتحديات أخلاقية تواجه التنمية في دول العالم الثالث. بمثل هكذا أسلوب تضيع علي السودان فرص كبيرة للاستثمار وينخفض أفق الأجنبي في الاستثمار التنموي إلي السمسرة والتجارة ذات الربح الأني.

إن تنزل فلسفة إدارية وموجهات استراتيجية تعطي اولوية للحوكمة (الرقابة والشفافية وتقنين سبل المحاسبية) يعتمد أول ما يعتمد علي وجود أناس مقتدرين في مجالس الإدارة يتجنبون التفويض الي جهات قد تسعي إلي تقويض الموجهات اكثر مما يعمل علي تفعيلها (Manage vs. Delegate)، ويشجعون الجهاز التنفيذي للعمل علي تقنين النزاهة متبعاً سبلاً منهجية صارمة. وهذا كله لن يجدي إذا كانت الدولة المضيفة لا تحترم تعاقداتها ولا يسود فيها حكم القانون. قامت الدنيا وقعدت قبل أعوام بشان الاختلاسات التي أتهم بها سوداني كان يعمل مديرا للشركة فرع السودان. فلمَا طلبته المحاكم وكادت تطوله العقوبات، قال غير مكترث، "شنو يعني كتعملو لي شنو، أنا عايش في بلد رئيسه مطلوب"!؟ مثل هذه السمعة تثبط همة المستثمرين وتجعلهم يبحثون عن وجهة أخري مهما بلغ الثمن.

إن الاصلاح الهيكلي ضرورة لإخراج شركة ودام الغذائية فرع السودان (مواشي سابقاً) من الركود وحالة التردي والتدهور المؤسسي، بيد ان ذلك لا يغني عن التخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين جهات سيادية لها السلطة في اتخاذ قرار بشأن الدعم الذي تتلقاه بعض البلدان البعيدة (مثل استراليا) دون أخرى قريبة (مثل السودان)، كما لها مصلحة في التوفيق بين الأهداف السياسية وتلكم الاقتصادية. إن تنويع المصادر وعدم الاعتماد على مورد واحد (مثل استراليا التي تتلقى دعم قدره 50% من قيمة الخراف التي يباع الكيلو جرام منها بــ 14 ريال مقابل السوداني الذي يباع بــ 23 ريال واصل الدوحة، اي قبل الوصول الي الجزارة الذي تبيعه ب 35 ريال)، وتحسين فرص الاستثمار في المرعي العشبي والطبيعي (هذا يسميه الخبراء القرب الحيوي والنوعي)، له صلة مباشرة بالأمن الغذائي لدولة قطر – التي دأبت على طرق آفاق المنافسة العالمية بموضوعية ومنهجية علمية.

لإحداث التحول المطلوب في الانتاج الزراعي محلياً، تسعي دولة قطر لاتخاذ الخطوات الاتية: استثمار رأسمالي يصل الي 39 مليار ريال حتي العام 2025 لمواجهة مخاطر الارتفاع الحاد في الاسعار العالمية للأغذية؛ بناء قدرة تحلية المياه وتأمين البنية التحتية لنقلها وتوزيها؛ وتحزين المياه الجوفية وتغذيتها؛ وبناء قدرة الطاقة الشمسية؛ بناء القدرة المطلوبة في البحث والتطوير والارشاد؛ تكوين قوي عاملة مرنة من حيث الحجم (بالتقريب 20,000) والمهارات؛ استكشاف الصناعات التقنية الملائمة مع مراعاة ضرورة إنشاء مستويات اعلي من التكامل العمودي، واعتماد الاصلاحات القانونية والتنظيمية للقطاع الزراعي. إن زيادة الإنتاج المحلي من 10% إلي 40% وفق منهجية علمية من شأنه أن يقلل استهلاك المياه بنسبة الثلث، يزيد التكلفة المالية بالضعف، والتي تسهم بزيادة الزراعة في اقتصاد الدولة من 0.6 إلي 5.4 مليون ريال قطري، اي 9 أضعاف.

إن بناء منظومة غذائية ذكية، أو بمعني أدق إيجاد منظومة غذائية اكثر كفاءة، لا يمكن أن يتم إلا من خلال التكامل الزراعي الاقليمي الذي يجمع المزايا النسبية لكل البلدان العربية. فاستحداث التكاملية قد يؤدي إلى ضبط دورة الإنتاج وبالتالي تحسين معدل الاستهلاك بنسبة 56٪؛ لا سيما أن منطقة الخليج تستورد حالياً 50 ٪ من احتياجاتها الغذائية، وسترتفع هذه النسبة لتصل إلى 64٪ خلال عقدين من الزمن. عليه، لابد من تطبيق أنظمة رشيدة لإدارة الموارد الطبيعية، البشرية والمالية. لم يعد من الممكن العمل علي إنتاج الغذاء دون النظر إلي التكلفة البيئية أو الاقتصادية في عالم يكتنفه الحصار، الحروب المصطنعة والنزوح والهجرات والأزمات المالية وانعدام الموارد. مثلاً، لقد سعت السعودية الي إنتاج الأعلاف في العقد الماضي دون النظر إلي التكلفة البيئية وإذا بها تفاجئ بنضوب مخزونها من المياه الجوفية.

وإذ يسعي قطاع السعودية الخاص لتعويض الفجوة من السودان، فهي إنما ترحل أزمتها إلي بلد مجاور، مستفيدة من الغياب التام لأسس الشراكة ذات النتائج المستقبلية المربحة والمستدامة (فالبلد سايبة وعزتها غايبة). بهكذا أسلوب يُضيع العالم العربي علي نفسه في كل مرة فرصة عقد شراكة ذكية ويؤجج من فرص الاستثمارات الانتهازية التي يقبض أثمانها القائمين علي الأمر ويحتفظ المواطنون بحقهم في المطالبة بالأصول، ولو بعد حين. إن إشاعة طرق التفكير العلمي والديمقراطي كفيل بحفظ حقوق جميع الأطراف، سيما كفالة حق الأجيال القادمة في الكرامة وتوفر سبل العيش الكريم. إن تعزيز سبل الحوكمة يتطلب توعية السكان بقضية الأمن الغذائي، تشجيع الابتكار وتطوير البحث العلمي، والتنسيق الاستراتيجي الفعال للسياسات.

إن ممارسة زراعية مستدامة وعالية التقنية يتطلب النظر إلي مصفوفة الأمن الغذائي والتي تقيس الإنتاجية من القمح أو اللحوم بحجم الاستهلاك من المياه والطاقة. إذ إن إنتاج واحد كيلو غرام من القمح يتطلب استهلاك 10 متر مكعب من المياه و 1.5 ميغاوات من الطاقة، فإن استهلاك واحد كيلو غرام من اللحم يتطلب استهلاك 200 متر مكعب من المياه و15 ميغاوات من الطاقة. هذا ما تضمنه تضمنه تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «حوكمة المياه في المنطقة العربية : إدارة الندرة وتأمين المستقبل» لعام 2014 وأدرجتها التقارير السنوية للمنتدي العربي للبيئة والمياه (2010) والاقتصاد الاخضر (2011) والبصمة البيئية (2012)، والذي نوه إلي أن هذه التكلفة ستتضاعف ب 1.7 لعام 2050. إن الإنتاج الزراعي في العالم العربي حالياً يستهلك 85٪ من إجمالي احتياطي المياه، الذي يهدر بنسبة تفوق 60٪، كما إن الطاقة المهدرة تمثل 50% من الطاقة المنتجة. لقد أشار برنامج قطر الوطني للأمن الغذائي إلي أن إيجاد منظومة غذائية اكثر كفاءة من شأنه ان يضاعف من مساهمة الفرد المباشرة في الدخل الوطني الي ثمانية اضعاف مقابل كل وحدة مستخدمة من المياه ويحقق وفورات علي المستهلكين في دولة قطر بقيمة 3.4 مليار ريال في السنة.

إن تحقيق الاستدامة كمطلوب أساسي للتنمية منوط بتفعيل شرطي الحوكمة والتنمية الاقليمية — العاملان اللذان يعتمدان كأساسيات: تنويع الاقتصاد بشكل مستدام والذي يأتي نتيجة لوجود أطر مؤسسية، أهمها توفر الأراضي وحقوق الملكية الفكرية والسياسات العامة؛ تحسين الحوكمة المنهجية وذلك بمساعدة الحكومات الأفريقية والعربية في تلبية المعايير البيئية وتحقيق تطلعات المجتمعات المحلية والمجتمع المدني والقطاع الخاص من خلال تحسين التكنولوجيا وبناء القدرات والتدريب؛ ضمان وضع استراتيجيات فعالة للمسؤولية الاجتماعية للشركات في كافة المبادرات العابرة للحدود التي يتبناها المستثمرون، وبالتالي تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، فضلاً عن تحقيق التماسك الاجتماعي. هناك حاجة إلى القيادة القائمة على القيمة في شكل استشارات ومشورة فنية لبروتوكولات محددة تتطلب التوافق مع المعايير العالمية وتعزز الشعور بالمسؤولية فيما يخص القضايا العابرة للحدود.

وإذ تسعي كثير من الأقطار الجادة إلي مواءمة خططها الوطنية وتطوير أهدافها كي تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة 2030، فإنها تعتمد الاتي: تحسين استجابات السياسات وتعزيز التخطيط وبناء القدرات؛ تعزيز إدارة الطلب على المياه والطاقة والأراضي الصالحة للزراعة وذلك باعتماد ممارسة زراعية مستدامة عالية التقنية، تنويع الاقتصاد لخلق ثروة دائمة ودعم الجدوى الاجتماعية؛ تعزيز التوسع الحضري الأكثر استدامة وخلق بيئة معيشية أكثر صحة، تحقيق ائتمانيات الكربون اللازمة للوفاء بالتزام إبطال مفعول الكربون. رغم فارق الأمد الزمني لكل خطة، فهنالك مكاسب تتوخاها قطر من التغيير في نمط الانتاج الزراعي الذي استهلك مساحات هائلة من الاراضي والمياه بالتركيز علي انظمة الزراعة المحمية والحقول المفتوحة وأخرها قد تجنيها من خلال التنسيق الذي يغني بعض دول مجلس التعاون الخليجي عن محاولة كل دولة لتلبية كامل الطلب المحلي من القمح، وذلك في عام 2025. إنه لمن المحزن أن ينشغل بعض قادة الخليج بالتآمر علي بعضهم البعض، في وقت من المفترض أن يعملوا فيه ويتعاونوا علي تأمين حاجة شعوبهم من الأغذية. بل أن يعملوا علي توفير الأمن للشعوب الأخرى، خاصة الجارة التي ما فتئوا يحرصون عل إفقارها حتي رمتهم بآفاتها، والأسوأ لم يحدث بعد.

أنظر مناشدة الاستاذ/مالك المدان الحنينة المؤلمة للشعب السوداني: "من الشعب اليمني العريق إلى شعب السودان الشقيق. من أرض سام إلى أرض كوش ابن حام، من التبع شمر يهرعش إلى الملك طهراقا وتنوت، من العظيمة بلقيس أبنة الهدهاد إلى أماني كتشو، من معدي يكرب إلى كاشتا وملوك كرمة، من سبأ عظيم النبأ إلى مكرة ونوباتيا، من السيوف والحصون الحميرية إلى التيجان والأساور النوبية، من أنصار أحمد الرسول إلى من إتبعه بالقول الملين! سلام من الله عليكم وحرب تفتك بالمعتدين لقد تجاورنا لعصور …. وتعايشنا لدهور … وتبادلنا البن والصمغ والعقيق والبخور. ولم أنسى بعد ولن أنسى رفاق دراستي السودانيين وتلك السنين التي كانت بيننا بكل ما فيها! أما اليوم، فأعلموا بأنه قد أزفت الأزفة وطغت العاصفة وأنشق القمر، وضاق الخناق وأشتد الحصار وسعرت البحار وانتشر الدمار ونحن في حرب لم تبق ولم تذر . منذ ثلاث سنين عجاف قتل فيها البشر وأحرق الشجر وطحن الحجر ووصلت الدماء إلى كل منزل وفناء، وظلم فيها شعب اليمن وأستضعف من قبل العالم أجمع وبيعت أرواحنا بالريال السعودي وأسترخصت حرماتنا أمام مرأى ومسمع العرب ولم يكن هذا بجديد!"
 
أقول لمالك: لقد أسمعت إذ ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي. فهؤلاء الذين برعت في أوصافهم لا يملكون لأنفسهم موتاً ولا حياة ولا نشرواً. هم يتلقون تعليمات من الإمبريالية العالمية التي ما عادت تستحي أو تتجمل في الطلب. فالرئيس ترمب يكيل السباب ويوجه تهمة الإرهاب لمن يشاء وكيفما شاء، علي سنة "رمتني بدائها وأنسلت". وهو يعلم أن قليل من الأعراب من يجرؤ علي رفض أو مقاومة الابتزاز الرخيصة هذه. فإنّ ممّا يغري هؤلاء الطغاة وأذنابهم، أيضاً هو الوضع الهلامي والوهمي المتمثل في الفراغ السياسي والثقافي والاجتماعي الذي خلفته الفوضى الخلاقة في المنطقة بأسرها – بيد أن الضرر لن يقتصر عليها وسيشمل الكل وربما تسبب في حرب عالمية ثالثة تكون بدايتها في الخليج – كنتيجة مدروسة وتبعة محسوسة لحرب الخليج الأولي والثانية، اللتان يسميهما المرحوم المهدي المنجرة الحرب الحضارية الأولي والثانية .
 

وها هي طبول الحرب تدق علي باب الشام بعد أحداث الغوطة التي أتهم فيها النظام السوري بقتل مدنيين مستخدماً الغار الكيماوي (أبريل 2018)، وعجزت فيها الأمم المتحدة علي استصدار قرار بالإدانة أو حتي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق مما جعل أمريكا تهدد بضرب النظام مستخدمة صواريخ كروز وجعل روسيا تتوعد بحرق المنطقة بأسرها. ما بين مخبول أمريكي يحس بالتضخم وجاسوس روسي يعاني من التوحد لا أشك أننا علي أبواب حرب عالمية ثالثة. حينها ستكون الحاجة لتأمين الغذاء أجل وأعظم!

 د. وليد مادبو

auwaab@gmail.com

الحكمة الشعبية والحداثة

(إفريقيا نموذجاً)

دكتور الوليد آدم مادبو 

بفضل المتغيرات الكونية طرأ تغيير مفاهيمي دفع بالحوكمة (أو ما يسمى تجاوزاً الحكم الراشد) من كونها أداة للتحكم إلى كونها إحكام لدورة اتخاذ القرار على المستوى الأفقي وتحاكم إلى جهة سيادية عليا على المستوى الرأسي. ربما يساعد تأسيس مستشارية توفر الخدمات الحصرية اللازمة في مجال الحكمانية في التعريف بخصائص النموذج الرواندي والأثيوبي والغاني والجنوب إفريقي، إلي أخره، الذي ازداد حيوية بفعل التحول الاقتصادي، السياسي الاجتماعي مما أفرز قيادات فكرية وحركية واعية بأهمية الإطار البيئي والمؤسسي الذي يتم فيه هذا التحول. إذ أن تحقيق نهضة كاملة في فترة وجيزة  مثل هذه (الأمر الذي يعتبر في حد ذاته شبه خارقة) قد أضفى شرعية على النظم السياسية وقوى الإحساس بالمسؤولية المدنية والشعور بالهوية القومية.

تحتاج بلادنا إلي مراكز بحثية وطنية ينتدب إليه علماء ممارسين للعمل التخطيطي تساعد في شحذ الأفكار، تعمل علي تمحيصها وتساعد في التفاعل مع الأجيال الصاعدة والواعدة. لقد اندرجت اقسام التخطيط في السابق تحت وزارات الاقتصاد يوم كان الازدهار مرتبطا، بل مقتصرا علي الفعل الإنتاجي المادي. وكانت وسائل تحقيقه الموجهات السيادية، بل الفوقية التي تعرف مصلحة المواطنين وتدرك مالات فعلها! بنهاية الاتحاد السوفيتي انتهت حقبة التخطيط المركزي واتجه الكل نحو التخطيط اللامركزي الذي يعتمد علي النهج التجريبي – علي الأقل من الناحية النظرية – وشرعت بعض الدول في استحداث وزارات للتخطيط تعني بالتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية (يشمل ذلك التنمية الصحية والتعليمية والثقافي) والبيئية وتري ضرورة تطوير رؤي تكاملية تجعل الإنسان أداة النهضة ومِراسها العضوي والفاعل.          

لقد امتلك بعض القادة في العالم الإفريقي من الأريحية ما سهل لهم ربط الحكمة الشعبية بالأسس الحداثوية لبناء الدولة، لذلك لابد من اعتماد مثل هذه النماذج الناجحة والمتميزة كمرجعية في مسعانا كباحثين لتطوير منهجية وفلسفة إدارية وسياسية تناي بنفسها عن الأسلوب الفضفاض الذي يتناول القضايا بأسلوب مبتسر لا يراعي الخصائص الثقافية والمجتمعية للدولة المعنية ويهمل الإرث التليد والفعل المجيد لرجالات قادوا بلادهم وطورا لحمته بإمكانيات بشرية ومالية ضئيلة جدا، مع أهمية تطوير حس نقدي قادر علي التميز وتفعيل ملكة قادرة علي الاقتباس وتجويد فعل المواءمة. فالمواءمة لا تعني بتطابق الأهداف –  مثلاً، تطابق الأهداف الوطنية للتنمية مع أهداف الألفية –  لفظياً إنما فلسفياً وفكريا. 

مثل هذه النماذج الحديثة يجب أن تلقي الترويج على أساس أنها نماذج قد حققت بفعل الترتيبات الإدارية والسياسية السديدة – سيما الاستراتيجيات – وليست فقط الصدفة التاريخية ما تسمو إليه القيادات في زمن بزوغ "التحولات". اهم عناصر هذه النماذج القُطرية: احترام الإنسان لكونه إنسان، فهو غاية في حد ذاته وليست وسيلة لتحقيق أية أهداف أيديولوجية؛ التوافق بعيدا عن التنافس السلبي الذي يفضي إلى فرقة، نزاع وتشتت؛ الأمر الذي لم يكن ليتأتى لولا وجود شخصية محورية تتمتع بصدقية عالية ترعى مصالح الكل بعيداً عن الهرمية العرقية أو تلكم العقائدية التي تودي بوحدة الأمة وتؤدي إلى تصدع الكيان الأدبي والاجتماعي؛ القابلية للتطور وفق مقتضيات المرحلة ومحددات الهوية– وهذا أمر مهم وطلوب في حد ذاته لأن النخب لا بد أن تدرك أنها تعمل وفق محددات زمنية ومكانية تقتضي البعد عن التفكير المطلق.

لست مؤمناً بالديمقراطية الليبرالية كما إنني لا أري بديلاً لها خاصة إذا اتخذت تدابير تحمي آلياتها من المتوغلين والدغماءين، أعني أولئك الذين لا يؤمنون بالديمقراطية كقيمة لكنهم يقدسونها كألية. هل يمكن تطوير نموذجاً إفريقيٍ يرعي الخصائص الأتية: حكم شوري يحفظ حقوق الجميع؛ ينفذ سيادة القانون ويقدس حق المواطنة؛ ويتوق الي النظرة الإنسانية العميقة والراسخة؟ فهذه المبادئ تستوعب التراث الديني وغيره، لكنها تتجاوزهما الي روح النص وتوفي بميثاق البقاء مستعينة بإشراقات الروح وإبداعات الفعل البشري والبشري فقط. هل هذه علمانية أم عقلانية؟ لا أدري وحقيقة لا يهمني. 

لترسيخ ثقافة الحوكمة أو الحكمانية (الاولي تنطبق علي المؤسسات والثانية علي الدويلات) وشيوع مفهومها في مختلف القطاعات لابد من تطبيق نظم الحوكمة والفلسفة الإدارية  التي تتطلب التمعن في  الاتي: التأرجح النظري وخطورة الإبقاء علي نظام إداري وسياسي عتيق لا يتماشى مع طبيعة المتغيرات الكونية الحالية؛ الانعتاق من القديم يتطلب النظر بعمق إلي الذات، استحضار قيمها الجمالية وشحذ همتها للحاق بالركب الإنساني من خلال التواصل الثقافي، السياسي والاجتماعي؛ الارتقاء بالدولة إلي أفق حضاري يؤهلها لاستدامة المستوي التقني المطلوب للمنافسة الإقليمية والدولية؛ الاستعاضة عن الرقابة الخارجية من خلال التفعيل لمنظومة رقابة داخلية تعول علي الذات الأخلاقية وتدلل علي أهمية  المسئولية الجماعية في مواجهة الجشع، الأنانية واللامبالاة، وأخيراً توافق المؤسسات علي صيغة تشريعية يحتكمون فيها إلي مجالس شورية (علي المستوي المحلي والقومي) حال التعارض في المصالح أو التباين في وجهات النظر. متى ما ترسخت دعائم المشروع في دولة ما فيمكن التوسع ليشمل هذا النشاط المحيط الاقليمي، بيد أن الكثيرين في خضم الانشغال بالتحولات السياسية الطارئة قد يهمل فكرة تنمية القدرات الإدارية والمؤسسية المنوط بها إحداث تنمية مستدامة.

كي لا نفقد فرساننا

(اعتذار دون إبهام)

انطلاقاً من واجب التقصي لأنجع السبل في إيصال الحق وانحيازا لقيم الخير والبر التي تستوجب مراجعة النفس وإلزامها ساحة الفضيلة، فإنني أكتب هذه المقالة اعتذرا مني لإخوتي في الحركات الذين ربما أصابهم "رايش الكلمات"، وأرجو أن يتقبلوا اعتذاري فهم أخوة كبار كبّرتهم ساحة النضال والالتزام الوطني ووسّعت صدورهم عظم الحادثات قبل النبال.

 لم أكتب ما كتبت في شأن مؤتمر باريس طعناً في صدقيتهم، إنما اختلافا معهم في تقييم الموقف وتبارياً في الحب الذي نكنه جميعاً لدارفور وللسودان، الذي لا يدعى فيه واحد منّا وصاية فيه على الأخر. إنّما رصداً للسلم عبر التواصل الحيوي والتفاكر المضنى. كلمت بعض قادتهم  في شأن المؤتمر الذي عقد فلم يتبرموا أو يسعوا أن يحجروا علي أحد، كما لم يستنكفوا عن قبول المنطق، لكنهم رأبوا بالكل عن التجريح الذي ورد في معرض المقالة التي نشرت الأسبوع الأخير من شهر مارس 2018. 

تذكرت حينها قول النابغة الزبياني الذي تأسست به ثقافة الاعتذار في الأدب الجاهلي وكانوا من قبل يرونه ضرباً من الضعف وصنفاً من صنوف التراجع عن خوض بؤرة العلاقات الإنسانية عميقة التنازع والتشابك: 

أتانى – أبيت اللعن – أنك لمتنى      وتلك التى اهتم بها وأنصب
فبت كأن العائدات فرشننى        هراسا به يغلى فراشى ويقصب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة     وليس وراء الله للمرء مذهب
 
ولئن كتبت منوها إلى تحمَل البعض وزراً أعظم في تردي الأحوال في هذا البلد العزيز، فإنّا سنظل شركاء نتقاسم مسؤولية انتشاله من هذا الدرك السحيق. فلا المثقف يحق له أن يضجر ولا السياسي يحق له أن يضرب عن العمل، فالضجر يؤثر سلباً علي إمكانياتنا لتشخيص الواقع بعلمية وموضوعية والإضراب عن العمل يعني انتصار فئة ظلت تسعي لتكييف السودان علي رؤاها الخاصة يعينها في ذلك بؤس المنظومة الإعلامية والتعليمية والتربوية والثقافية والاجتماعية التي تثبط العقل من الاستنارة وتدحر الضمير عن الإنابة: اثنان اذا ما اجتمعا حدث الوئام وإذا ما افترقا حدث الفصام: فكر واعد وقلب راشد.   

إذا أردنا أن نبني بلداً مفعماً بالروحانية تواقاً للالتحاق بأسس الحداثة فلابد من العمل الدؤوب الذي يُعني بتفكيك تلك المنظومة ويسعي لإعادة بنائها، أي تقويمها، بطرق تخدم الاستقامة الفكرية وتعزز من سبل العدالة الاجتماعية. لا سيما أنه لا مصلحة لأحد في هدمها، كما إنه لا مستقبل للسودان البتة حال الإبقاء عليها، كما هي! 

قد يؤثر الكثيرون السلامة، ويكتفي الأخرون بالملامة نسبة لما رأوه من مآل قليلين صادقين عبر التاريخ السوداني سعوا لتغير بنية الوعي الجمعي. بيد أن التقهقر يعني التأخر كما إن التلكؤ لا يعني مطلقاً تبدل الحال من طوع نفسه فسنن التدافع باقية وحيل الانتصار علي الطغاة زاهية. 

إنّ الانهيار  والتدهور ما فتئ يلقي بظلاله علي المشتغلين بالشأن العام والغيورين حتى كاد يخرج البعض عن طورهم ويحيد بهم عن مصاف الكلام الطيب. وهذا ما أردت الاعتذار عنه، فإن عظيم وجهتنا لا يلغي أهمية التحكم في أمزجتنا، كما إن جميل المقصد لا يغنى عن المرصد. 

أود أن اثمِن من هذه الخانة دور قيادتنا الوطنية وأقدر جهدهم المبذول، وتحمّلهم للمسؤولية رغم اعتلال صحة بعضهم، وتقدم العمر لدي أخرين، علي رأسهم السيد/الصادق المهدي الذي يسعي حالياً لحقن الدماء التي سالت في ساحة الوغي دونما مفازة حتى الآن، إنما تردى كان يغنى عنه التأسيس لثقافة الاختلاف والتقنين لآلياتها التي لا يمكن أن تنجح إلا إذا برئت النفوس وسلمت النوايا.

لقد كتبت في مساحة ضاق عنها صدري (الواتسب)، ولم يتسع لها وقتي، فلم أنتبه إلاّ وقد ضجت الأسافير بحاشيةِ لغوٍ ورد في فضاءٍ خاص سربه أصحاب الغرض ولم أتورع عن تبنيه تأففاً عن الكذب وليس اعتزازا بالإثم. فقد لمزت قائداً فجّر ثورة وطنية كبرى كنّا أول المسارعين لنصرتها والمفتديين لها بأرواحنا وأموالنا، توحد بموجبها ربوع السودان وتحررت بهمتها أركانه من براثن الاستعمار. لقد عبرت بحرقة وآسى وبطريقة لا أعتبرها مثلي عن عجزنا في استلهام تلك القيم السياسية الباهرة، والدينية الراسخة، اغترارا بالدنيا وأزوارا عن الحق.

فأود أن اعتذر في هذا الصدد لجموع الأنصار، أتباع الأمام محمد أحمد المهدي الذاكريين الطاهرين، القابضين علي الجمر الوجلين غير الولهين ولرجالات حزب الأمة الراسخين الثابتين، الأمناء الماهرين، وللسودانيين أجمعين وإلي كآفة محبيه الوطنيين. لم يقلقني غير الحب ولم تستفزني غير الوجل. وفي تلك البرهة آمل!

دارفور والمهدي التقيا قديما فعبرا عن دور بطولي نادر وجسدا لمثل ونموذج يحتذى به في الوطنية، بيد ان المسافة المعنوية بين قدير وباريس ما فتئت تتباعد حتى ضربت الحرب أوزارها وتجادع الفرسان بالمنجنيق فُدق اسفينا لا يمكن إزاحته إلا إذا افلحنا في إعادة تعريفنا للتخلف السياسي والتنموي. إذ إن الأخر ليس هو  انعدام التنمية المتمثل في غياب البنيات الأساسية، انما غياب المفاهيم السيادية — فرض الوصاية — التي من دونها لا يمكن  تقنين سبل العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

أود أن اعتذر أولاً لوالدي الكريم آدم مادبو الذي ظل متنازعاً بين وفائه القديم لكيانه واعتزازه العميم بكبير أبنائه، ولقرائي الذين الفوا مني بدعة في اللفظ ومهارة في تصريفه، فَصُدِموا إذ رأوني أنشد (فدوي)، ولا أكاد أترفع عن (نجوى)! فلهم وللأولي منى العتبى. 

لا يفوتني هنا إسداء الشكر  للنعمان ولغفاري اللذان ذكراني بالقرآن وأشهرا فيه من حِكم وسبل عظمي للتبيان، كما أود أن أعبر عن مودتي للشاعر محمد مدني الذي اتصل ملاطفاً، مؤبنا، وناصحاً فأعظم به من كهل هميم وأجمل به صديق فخيم. 

أشكر لأئمة الأنصار بجامع ود نوباوي حرصهم على صون حرمة الرحم وتواصيهم دوماً بالحق وتواصيهم أبداً بالصبر(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الفتح: 26) صدق الله العظيم.

دكتور الوليد آدم مادبو