مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية

تابعت مسلسل الدهباية الإذاعي وأنا في المرحلة الثانوية، لم يكن لدينا تلفزيون في داخلية مدرسة كتم الثانوية، كنا نهرول للتجمع جوار جدار احدى العنابر، لمتابعة المسلسل، عبر إذاعة هنا ـ امدرمان، حتى قبل ان نغيّر ملابس الرياضة، وأحياناً "نكلفت" صلاة المغرب، ونتجاوز الباقيات الصالحات من أجل حضور الحلقة من قولة "تيت"، وعندما بثت حلقات المسلسل التلفزيون، لم اكن مشدوداً للمتابعة، لكنني شاهدتها قبل فترة لمرتين متتاليتين، متقمصاً عدسات ناقد "جرمندي" ودونت عدة ملاحظات، آمل ألا ينظر إليها خارج إطارات هذه العدسات.
بإجراء مقارنة بسيطة بين مسلسلي الدهباية ودكين، نجد أن عباس قد تشيطن، لرفض الدهباية الزواج به وتفضيلها الأفندي الغريب عليه، حيث قال في لحظة مناجاة مع نفسه، عندما اسودت الدينا في وجهه، وضاقت عليه الارض بما رحبت، وتعب من ملاحقة البوليس قال: يا عباس، كنت رجلا زين، إلاّ الدهباية!. الشيء نفسه، لو أن ابنة عم دكين، قد قبلت الزواج منه، على الأرجح أن يستقيم، فقد طُرد شرّ طرده من قبلها، بمعنى أن الصدمة العاطفية، هي الدافع الرئيس للجريمة، التي قد تهز مجتمعات بأسرها، هنا يحضرني، مشهد من مسرحيات الفاضل سعيد عندما فقد وظيفته بسبب الآنسة محاسن، قال: والله انتو يا بنات حواء، طلّعتوا ابونا آدم من الجنة، ما تطلعوني أنا من الوظيفة! ثم غادر عتبة المؤسسة التي كان يعمل بها.
ــ من الموازنات، كما ترفض الأسرة (الامدرمانية)، زواج ابنهم من إنسانة من الهامش، في نظرهم غير معروفة الأصل والفصل، كذلك في البداية، يرفض اقرباء الدهباية الأفندي زوجاً لها لأنه غريب وغير معروف الأصل والفصل، رغم انهم في النهاية رجحوا اخلاقه وطيب معشره فظنوا به الخير متجاوزين التثبت من اصله وفصله.
ــ ومن المفارقات ايضا أن اسرة الدهباية، والتي تمثل الهامش، تبدو اكثر قبولا للآخر من اسرة زوجها خالد والتي تمثل مجتمع المركز في عقر تمدنها "البقعة"، إذ تعكس الأسرة (الامدرمانية) قمة التعجرف والاستعلاء، انطلاقا من ادعاء والد خالد ان سبب "مرمطة" ابنه لسمعة الأسرة تتمثل في رفضه زواج ابنة اخيه، هنا يبدو المشهد مقلوبا، فالمتوقع إن ينحاز اقرباء الدهباية إلى ابن خالته عباس ضد ابن البندر الغريب، بحكم التركيبة العشائرية، وحياة البداوة.
ــ من المفارقات أن اسرة خالد تسأل عن قبيلة عروس ابنهم، وانهم ينظرون نظرة سالبة للغاية للمرأة العاملة، والإصرار على وصفها بأوصاف قاسية مثل مطلوقة وواحدة من الشارع، واذا استندنا على السياق الزمني من الأزياء والأثاث المنزلي، فإن الأمر ليس في زمن بعيد، مثل هذا التصرف لا يمت للتمدن بصلة.
ــ لم ترد كلمة قبيلة او عشيرة من أي من افراد اسرة الدهباية، في حين ترددت الكلمة مرارا على لسان رب الأسرة الامدرمانية، منها
ــ يقول والد خالد: "ايوه، ما لقاها فرصة، ولد قبايل" اعتراضا على تزويج ابنه خالد من الدهباية دون حضوره او من ينوب عنه
ــ يرجئ حاج مبارك سبب حنقه على أبنه، انه رفض أبنة عمه التي يصفها بانها بت القبائل وبت الاصول، ليتزوج واحدة مطلوقة تعمل في السوق، لا اصل ولا فصل لها، على حد وصفه لها.
ــ يقول حاج مبارك لزوجته، هسي الزعل دا لوزمه شنو؟ طالما ولدك نسى مركزو، ونسى أصل، ونسى قبيلته، وإتزوج واحدة بيّاعة في السوق
ــ تنتفض الأرملة نصرة التي تسكن حي كوبر لكرامتها، عندما سئمت من الاعيب عباس قائلة، ترا أنا بت اصول وبت قبائل، يا تطلبني عديل بالدرب، ولا اطلع برّا، وتاني ما تجي البيت دا
ــ يقول عباس لابنة خالته الدهباية: انتِ من توب وهو من توب، وانا دمك ولحمك، ويقول لحاج سليمان: ترا انت كبيرنا وشيخ الفريق، عندما حضر له متسللا طالباً منه الحماية من ملاحقة البوليس، ولم يذكر القبيلة او العشيرة.
ــ تبدو الأسرة الامدرمانية معزولة تماماً، وليست لها اية امتدادات، أو صداقات من اية نوع، خلافاً لأسرة الدهباية اليتيمة، لها كبير "حاج سليمان" وصداقات واقرباء وترابط وزيارات متبادلة ومناسبات أفراح وأتراح متكررة ومتنوعة، يفرحون لفرحها، ويشاطرونها الحزن.
ــ يقول حاج سليمان لحاج خالد في اولى زيارة عائلية لهم في دارهم بالبقعة: بلدنا بخيره، بهايمنا كتيرة، وعندنا سمن ولبن وعسل. كان الأجدر بالمخرج تسليط الكاميرا على هذه المنتجات، سيما وان المشاهد قد صورت خلال فصل الخريف، فقد عكست الكاميرا سوق الخردوات، والصناعات اليدوية، بدلاً من منتوجات الألبان والخضروات الموسمية، واقتصر مشهد قطيع الأبقار في بضع ثوان خلال المدة الكاملة للمسلسل، ومعلوم أن منطقة جنوب غرب دارفور، من اغنى بقاع البلاد من حيث تعداد الثروة الحيوانية، وتوجد بها أدغال كثيفة وتنوع بايلوجي ثر، فإن كان المخرج معنى بإبراز هذه المقدرات الاقتصادية الهائلة والجمالية، لرصد قطعان مهولة من الابقار في مراعيها الطبيعية، وكذلك سرب من الحياة البرية، وهنا يحضرني المشهد الموفق لكاميرة مسلسل دكين وسط سوق تمبول، فقد رصدت جِمال معروضة للبيع على مد البصر تقريباً. 
ــ الطائرة التي هبطت في مطار نيالا، وعلى متنها حاج مبارك وزوجته، بدون هوية وكأنها طيارة "كارقو" متسخة، ولا أدري لماذا ركّز المخرج على مؤخرتها (العادم)؟ إن كان المخرج معني بسمعة البلد، بإمكانه تصوير الطائرة الرئاسية، إن لم يعد وجود لأسطول سودانير
ــ طلب ام خالد لفتيل الريحة (باس وورد) إضافية لنفسها، بالإضافة لواحدة كهدية للعروس، حسب توصية وذوق ابو خالد، هذا التصرف فيه ترويج مجاني قد يكون لريحة رديئة
ــ خالد الذي يمثل دور الأفندي والرجل الملاك، في وجه عباس (كتال الكتلا)، وكذلك زوجته الفنجرية والرقيقة الدهباية، بالإضافة إلى آدم وزوجته حواء، جميع هؤلاء يتفوهون بالقتل ويهددون به، ولم يسلم من هذه النزعة العدوانية سوى حاج سليمان وتربس وزوجته الرهيفة النعمة. ومن الملاحظ أن آدم عندما حضر الي البقعة، في معية حاج سليمان وبقية افراد اسرة الدهباية، كان جالساً في صالون حاج خالد الوثير، وواضعا سكين الضُراع في وضعية عدوانية؟ هذه مبالغة في تصوير اهل الدهباية على انهم اشرار.
ــ بهذا التنميط والرمزية التي لا يخطئهما المتابع الحصيف، صور المخرج مجتمع الدهباية، كمجتمع عدواني، لا يعرف إلا القتل سبيلاً لحسم مشكلاته الاجتماعية، ولم يسلم من هذه العدوى حتى الأفندي خالد الذي ناسبهم وعاش وسطهم، فقد سمعناه يتلفظ بالقتل، وكذلك رأيناه حاول قتل محبوبته الدهباية، لمجرد وسوسة وشبه واهية بخيانة زوجية لم يتثبت منها.
ــ تكالب الثلاثي عباس "الشيطان" وحاج خالد وحسن افندي، على أمرأه حامل في شهورها الأخيرة، يتيمة ومكسورة الجناح، في مشهد تراجيدي، يصور مجتمع البندر، كمجتمع معدوم المرؤة، لا يحمى شرائحه الضعيفة، فقد هموا بتسليم إنسانة ضعيفة حتى قبل أن تضع لهم مولودهم، إلى رجل يتطاير الشرر من أعينه، دون رغبتها.
ــ الأفندي خالد، وسط مجتمع غريب عليه، يتجرأ ويأخذ شبال من اجمل بنات البلد، مع سبق الإصرار والترصد، ليس غريباً أن يتعرض للطعن بالسكين على يد ابن خالتها "عباس"، ومن الطبيعي أن يردع من تصرفه المستفز هذا، إن حدث في اية بقعة بقاع الريف السوداني، ولكن الردع ليس بالضرورة ان يكون قتلا، هنا كان ينبغي أن يتمحور تحري وكيل النيابة مع عباس الذي اعترف بالإصرار والترصد، وهنا كان ينبغي ان يكون مرتكز نصائح حاج سليمان (كبير فريق عباس) وخلاصة لومه له عندما لاذ به من ملاحقة الشرطة له.
ــ غير منطقي، أن تحلف الدهباية بالشيخ احمد التجاني، وهي لا تعرف إلا البقعة كاسم لامدرمان، ومعظم الرجال من اقربائها، يلبسون الجلاليب الأنصارية، علماً بأن رهيد البردي هو معقل خليفة المهدي عبدالله ود تور شين؟ ودلال العنقرة من توابعها.
ــ من المعلوم أن الشلالات موجودة في السودان في جبل مرة وعلى النيل، ومعلوم أن جبل مرة من نيالا اقرب للعريسين، افندي خالد والدهباية من النيل، وبها استراحات مجهزة للعرسان، فلم لم يهتبل المخرج هذه الفرصة لتصوير شلالات مرتا جلّو وقولو في ابهى مناظرها، بدلاً من الشلال على النيل والتي تظهر وجود اشجار النخيل، سيما وأن  الدهباية غير مرحبة بها من قبل اسرة الأفندي خالد في  العاصمة "الملازمين"؟
ــ لس هنالك في غرب السودان، من يشد (يحّمل) جركانات ماء على حمار عِري (بدون سرج)، وهو ما حاولت الدهباية القيام به في المشاهد الاولي للمسلسل، وهي ورفيقتها النعمة، مما تظهر البطلة ورفيقتها كبنات بندر وليست قرويات.
ــ نصرة الساكنة في حي كوبر بالخرطوم بحري، لديها برندا مبني من قش (قصب الدخن)، اعتقد ان هذا المشهد من نيالا. اولاً قصب الدخن كمواد للبناء غير متوفر في ضواحي الخرطوم، ثانياً هذا المشهد غير مستق زمنياً مع نوع الأساس الموجود في صالون حاج مبارك، ونوع العربية التي يمتلكه لاندكروزر VXR
ــ رغم المقدرات الفنية الرفيعة لكافة نجوم هذا المسلسل، هالة اغا، طارق على، صالح عبد القادر، عوض صديق، محمد شريف على، بلقيس عوض، ألا أن ما شدني وابهرني، هو دور حسن افندي، والذي قام به صديق صالح، كأخ أكبر لخالد افندي، تمنيت ان يكون لي اخ بهذه المواصفات، اخ حلاّل المشاكل، حاسم، واثق من كلماته وتصرفاته، يقول الكلمة المناسبة لوالديه، واخيه الأصغر، وحتى الدهباية زوجة شقيقة خالد رغم بعض مواقفه غير الكريمة منها. اشهد ان الاستاذ صديق صالح فنان بارع، وممثل جاد للحد، اتمنى أن اراه في كافة الأعمال الجادة.
ـ بلا شك أن الموسيقى التصويرية لمسلسل الدهباية التلفزيوني، آسرة للحد البعيد، واصبحت آيكونة نغم، على غرار شعار فيلم الكاوبوي الأشهر عالمياً (من اجل حفنة دولارات A Fistful of Dollars  بطولة Clint Eastwood، سيما وأنهما متشابهين إلى حد كبير، أي الموسيقى التصويرية، وأنه الأقرب للحن االمقطوعة الموسيقية الخالدة (القمر بضوي انا شن بلاني بالنجوم) إلا انني اعتقد أن كلمات شعار المسلسل الإذاعي أكثر عمقا وتعبيرا عن محورية البطلة (الدهباية) في مجريات الأحداث، ومحيط مجتمعها
كلمات الشعار الاذاعي تقول:
يا يا خلاصة الدهب الاصلو ما بتغير
لو جار الزمن 
وخلي الجميع يتحير
هنا الوصف مباشر عن الذهب الخالص والصمود على الخلق القويم أو عن جمال الخليقة الذي حيّر الجميع
اما كلمات المفتاحية لشعار التلفزيوني تقول:
شنقلي طوباية
تلقي لي دهابية
هنا رغم ان مدخل الاغنية تراثية راسخة في غرب السودان، إلا انه يتحدث عن البحث عن الذهب المغطى بالطوب، أي الكنز، وهو مدخل عام وليست ذات خصوصية بالبطلة.
ــ الإيحاء بأن افندية نيالا وطلابها، لا يذهبون إلي دلال ـ العنقرة إلا من اجل الرقص في النقعة (ساحة اللعب)، إو من اجل مشاهدة الفنجرية الدهباية، فيه شيء من الابتسار يظهر أن الريف معدومة الخيرات الجاذبة لأفندية "المدن" غير اللهو اللعب، كما يظهر الدهابية كراقصة استعراض تشد لها الرحال، ولا اظن أي من هاتين تعتبر قيمة إيجابية.
ــ أعتقد ان الراحل الكبير فاروق سليمان شيخ المخرجين، عليه الرحمة، يبدو كان "شفقان"، وفي عجلة من امره بعض الشيء، أو أنه لم يضع اية اعتبار للبعد السياحي والترويجي لهذا العمل الغير مسبوق في غرب السودان، ويبدو انه التزم بنص السيناريو وليس روحه، أو كأنه كان مهموماً بتحويل مشاهد المسلسل الإذاعي إلى مشاهد حية كما هي، او لم يدر بخلده أن هذا العمل الكبير، قد يجد حظه في العبور إلى خارج الحدود، فقد علمت أن مسلسل الدهباية قد عُرض في بعض الدول العربية منها سوريا وجيبوتي.
أعتقد ان مثل هذه الأعمال الكبيرة، تحتاج لمستشارين عدول في التراث والموروث الشعبي المحلي، ومستشارين سياحيين، ومستنيرين ملمين بالمنطقة من كافة جوانبها، ومن الضروري الالتفاف إلى آراء نقاد محايدين قبل البث.
ليس ثمة جدل في أن مبدأ الفن للفن قد تخلى عنه الكتاب والمخرجين والدرامين الكبار، واصبح النظرة الشمولية للعمل الفني تضع رموز الفن في مصاف رجالات دولة، يروجون للقيم الفاضلة، ويعكسون الأبعاد السياحية والوجه المشرق لشعوبهم وبلدانهم، يعالجون التعقيدات الاجتماعية بعيداً عن الترويج للجريمة والانحلال، سيما وإن كان مسرح الأحداث لا تزال بكر امام العدسات، فمن المخل الانحسار في حدود العقدة الدرامية.
———————————
ابراهيم سليمان
ebraheemsu@gmail.com

المارحة … “تقرعها” السدارة!

السَّرحة والمرحة، من ادبيات البادية، واهلنا الأبّالة (رعاة الإبل) يسوسون إبلهم كما يسوس الحاكم او الزعيم السياسي أو القائد الثوري رعيته، ذلك أن الجِمال بقدر ما هي صبورة، وطويلة النَفَس، هي كذلك عنيدة وحقودة، لن تنسَ الإهانة وإن طال الزمن، ولن تستكين للخنوع متى ما كان قادراً  على صد الإهانة، اضف إلى ذلك لها نزوات، وتعتريها تشنجات خلال دورة حياتها، ويتطلب التعامل معها الحكمة والروية، منها خرت القتاد والمرحة، أي الشرود والعرض خارج السرب او القطيع، باندفاع ودون إنذار مسبق. الأبالي لا يأبه كثيراً بالبعير المارِح، مفارقا القطيع، طالما كانت وجهته السدارة (التل الرملي او القوز)، إذ هي تمثل الكابحة الطبيعية لمثل هذه النزوة العابرة، وهم يعلمون أن مبعث المرح، لا يخرج من كونه الإحساس بالبدانة، او الشعور برتابة المسير او وجهته، وقد يكون مرده ضيق الحيز المسموح للعرض من قبلهم، لذلك تجدهم مطمئنين على البعير المارح من انتهازية الهمباتة، ذلك أن الشارد الأصيل صعب المِراس على الغرباء.
وكثيراً ما يلجأ الساسة إلى صفات الإبل في خطبهم السياسية، منها، لا ناقة لي لا فيها ولا جمل، دونها خرت القتاد، ذروة سنامه، ترك الحبل على الغارب، يَرغي ويَزبِد، وما هكذا تورد الإبل، خبط عشواء، والباب يفوِّت جمل، وفي التشظي تستخدم كملة "فصيل" وفصائل، وهو ولد الناقة إذا فُطم وأبعد عن أمه، ومن فقد مكانته السياسية أو الاجتماعية وتحسر على ماضية يقول: لقد كنتُ، وما يُقادُ بي البعير، وللذي يخالف الجماعة، ويولي الأدبار دائماً يقال: أخلف من بَوْل الجمل، لأَن بول البعير هو الوحيد إِلى الوراء دون سائر الحيوانات.
والمارِح الأصيل، غالباً ما يمرح وعيناه لا تبرحان القطيع، وليس أحمقٌ لتغيير وجهته 180 درجة، مهما عانى من يأس، وليس اخرقٌ للعن ماضية، او التفل في البئر التي شرب منها، مهما واجه من تجاهل، يشبع غروره، ويرضي نزوته، ويعود بالتدرج إلى مراحِه وإن طال المسير، أما غريبو الأطوار، والدخلاء، والمنافقون، والمؤلفة قلوبهم، فيتيهون في فلاة السياسة، يمرحون لأول شعور بالبدانة السياسية، ويشردون من أول مأزق يواجهونه، يعانون اللجاجة الفكرية متى ما تشابهت عليهم بقر السياسية، وفي آخر المطاف يجدون أنفسهم مشردون، يسألون الساسة إلحافا اعطوهم بثمنٍ باهظ من "قيمهم" او منعوهم بازدراء.
لا يخفى على المراقب السياسي، أن منازلة ثوار الهامش لنظام الإنقاذ قد طال أمده نسبياً، وأن مواجهة المعارضة المدنية لذات "الكابوس" قد إستطالت، الأمر الذي هدى بالكثيرين من مناوئي النظام بشقيه، من الشرود والمَرَح خارج السرب، زرافات ووحدانا، لأسباب لا تختلف ولا تخرج في مجملها عن دوافع مرح البعير من المُراح، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الظاهرة مصدر قلق لأحد، فهي طبيعية، ومهما اُعطيت هذه الشريحة من قوة وفاعلية، فليس في استطاعتها تغيير وجهة المسير عن جادة التغير الحتمي والراديكالي.
لقد اثبت المؤتمر الوطني أنه أكبر كابحة سياسية "للمارحين" من الثوار، والساقطين من ثقوب المعارضة المدنية، بسبب عدم استعداد رموزه الآثمين، السماح للأصلاء والصادقين من هؤلاء ــــ إن وجدوا، الصعود إلى قمة السدارة، ومشاهدة الجوانب المظلمة من نظامهم على الضفة الأخرى، بالإضافة إلى الشروط القاسية التي يمليها على هؤلاء، والتي تجردهم من كل نخوة للبقاء في كنف منظومتهم القائمة على الابتزاز وحياكة الدسائس، والمشاركة في ولائم السحت، لإبداء حسن النوايا. أما العامل الآخر، فيتمثل في أن هؤلاء الناشزين يراهون على بقاء النظام ليس إلا، وأن مستقبلهم على المحك مع أي تشكيل وزاري او منعطف سدّاري للنظام، وتتجلى "سدارة" نظام الإنقاذ، في أن الذين يلوذون به، بالضرورة أن يهتفوا بحياة جلاديهم، ويتغنوا بفضائل قاتلي أهلهم، طيلة فترة الحضانة، وبعدها يدخلون في نوبة هذيان إلى أن يصمتوا إلى الأبد.
وإذا كانت الحمير والخيول تتمتع بحاسة قوية في الاسترشاد نحو الاتجاه وتعرف طريقها، فإن الجمال لا تتمتع بهذه الحاسة، لذلك فإن الجمل الذي يتأخر عن القطيع ليرعى، يفشل في أغلب الأحوال في الاهتداء إلى باقي القطيع، ويظل يدور، ويدور إلى أن يسقط، وكذلك يفعل بعض الساسة التائهين، لكن الجمال الأصيلة، وكذلك السياسي الفحل، او الثائر ذوي الانتماء المتجذر، إذا تخلف احدهم عن القطيع أو ضل الطريق، فإنه يتجه رأساً إلى مسقط رأسه (الثوابت الوطنية، والمنطلقات الثورية). 
يقول مثل آخر ذو صلة بالجِمال: الذود من هَدرة الفحل، لكن في الآونة الأخيرة، ازداد الريب من "الفحول" الهادرة، والنُوق "المتختخة"، إذ ان المبالغة في الهدر، اصبحت تنذر بالغدر، ولعل السبب انتشار ظاهرة البلوغ المبكر في الساحة، بسبب الهرمونات السياسية المسمومة، رخيصة الثمن والمفضلة لدى نظام الإنقاذ، وبلا شك أن الإكثار من جنس هذا "الكسب" المسموم، سيعجل من مفارقة النظام للحياة السياسية، بأعجل مما يتصور، فهنيئاً لهم، وبكل تأكيد، أن في مرح بعض الدخلاء على الثورة، خير على الثوار، وبركة على مسيرة التغييرة، و"المارحة تقرعها السدارة".
وقفة تأمل:
نحن نطارد العنزه الفارده   ونحمي الدود مشارع النيل
خانني ذكائي، وخذلني اصدقائي في إدراك مقصد خليل افندي فرح من "العنزه الفارده" في هذا البيت من قصيدته الخالدة "الشرف الباذخ" وإن كان هنالك رابط بينها والدود في عجز البيت.
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة: 
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk
————————–
ابراهيم سليمان

الخضر دالوم … فارس الإدارة ورسول الإنسانية

في مناسبة محضورة واحتفاءيه مؤثرة، احتفت الجاليات السودانية بالمملكة المتحدة وإيرلندا مساء السبت الماضي الرابع والعشرين من هذا الشهر بالأستاذ الخضر دالوم محمود بمناسبة نيله وسام MBE في خدمة الإنسانية والطفولة من جلالة ملكة بريطانيا العظمي، امتلأت قاعة المناسبة عن آخرها قبل بدأ الإحتفال، وإنتظم الجميع في مقاعدهم في مهابة ، ومن اتى متأخراً دخل على أطراف اصابعه … حضور نسوي ملحوظ، ولمسات ضيافة ناعمة لا تخطئها العين منذ الوهلة الاولى … وما أن نطق مقدم البرامج اسم الفارس المحتفى به الخضر دالوم ، دوت القاعة بالزغاريد والتصفيق الحار، هذه المشاعر الجياشة حسمت طابع المناسبة منذ الوهلة الأولي، وبين الفينة والأخرى، يندفع الحضور وقوفا بصورة لا إرادية، مناسبة مهيبة لم تشهدها قاعة ابرار هاوس مثيلها على الإطلاق.
في تواضع أبناء البلد، وخشوع الدراويش اخترق الفارس دالوم حجب الزغاريد ودوي التصفيق المتصل إلى مقعده على هامش منصة الإحتفال، وما أن باشر حديثه، همدت القاعة وسكن الأطفال، والأيادي تربعت على الصدور، وفغرت أفواه حتى الذين يعرفونه، يكاد لا يصدقون أعينهم فارس الإدارة، ورسول الإنسانية من غمار الناس، الكل يجد فيه ملامحه، ويكتشف فيه ذاته، استطاع بمثابرة فذة، وتفانِ منقطع النظير أن يأتي بما لم يأتِ به الأوائل، في أنبل واشرف مضمار Save the childrenإنقاذ الطفولة من براثن المرض واتون الحرب وإنتشالها من مستنقعات الجهل والفقر.
أي شرف اعظم من يكرس المرء حياته في هكذا عمل؟ وأي حظ يحالف المرء في التوفيق والنجاح في هكذا مهمة من غير رضى الله ورضى الوالدين الذين أسند إليهما الفارس دالوم نجاحاته في مستهل حديثه؟ مردفا إليهما، دور أساتذته الأجلاء في اساس مراحله التعليمية، فقد استشهد بما تعلمه من أحد أساتذته بالمرحلة الابتدائية عن الأبجدية الوطنية
في الفؤاد ترعاه العناية 
بين ضلوعي الوطن العزيز 
لي عداه بسوي النكاية 
وان هزمت بلملم قواي 
غير سلامتك ما لي غاية 
إن شاء الله تسلم وطني العزيز
بهذه المقدمة الموفقة، أستهل الفارس دالوم محاضرة عصماء غير متوقعة ، عن مشوار حياته التي انطلقت من الريف السوداني في محراب منزل عائلته المتماسكة بضواحي مدينة عديلة بشرقي دارفور، وكنف والده الشيخ دالوم حلاّل المشاكل ، وقبلة الضيفان ، وأوضح كيف أنه لازم حمل "الإبريق" ومباشرة غسل الأيادي للضيوف رهبةّ ورغبة منذ طفولته وحتى خلال دراسته للاقتصاد بجامعة الخرطوم، واوضح إلى أي مدى تعلم تراكميا في طفولته الباكرة من جلسات "الجودية" التي يعقدها والده لفض نزاعات الأهالي ويلزمه بالحضور، في الوقت الذي يطوق فيه للعب مع رصفائه.
حدّث الفارس دالوم الحضور عن أنفسهم، شارحاً لهم بشوق مميزات الشخصية السودانية، التي يكتسبها الجميع مجانيا من مدرسة المجتمع السوداني المفتوحة، والتي يعتبرها اساس نجاحاته  في خدمة الطفولة لأكثر من إحدى وعشرون عاما، ذاكرا من هذه الصفات السودانية الجدية والدفيء والإيجابية والكرامة، مؤكدا في تواضع جم أنه لم يفعل شيئا خارقا، وأن الجميع يتمتع بهذه الصفات، ومتى ما سنحت لهم الفرص، بإمكانهم والنجاح التفوق على الآخرين، حاضاً الجميع على التمسك بهذه الصفات النادرة في حياتهم العملية أينما وجدوا.
ثم عرج إلى الإشارة إلى مواقف مؤثرة في مشوار حياته العملية التي ابتدها بالسودان موظفا بمنظمة إنقاذ الطفولة Save the Children واستمر فيه لعشر سنوات قبل الانتقال للعمل الإقليمي ثم الدولي، ذاكراً بأسى شديد كارثة انتشار وباء الكوليرا في منطقة البحيرات بجنوب السودان في نهاية الألفية، والتي حصدت أكثر من مائة ألف مواطن، وكيف انهم استطاعوا بتطوع كوادر طبية سودانية خاصة من احتواء الوباء وإنقاذ مئات الآلاف، ذلك أن السلطات السودانية رفضت الإعلان عنها دوليا، ذكرا أن دليلهم في تلك الكارثة للوصول إلى المرضى، هو تتبع جثمانين الضحايا، مشيدا بشهامة وتفانِ الطبيب السوداني، مضيفا أن ابتسامة الأم التي اُنقذ طفلها لهي ارفع من أي وسام واشرف من اية قلادة.
ثم تطرق لتحديات تأهيل الأطفال الذين تم إنقاذهم من أيادي جيش الرب في يوغندا، والذين صاروا وحوشاً بشرية تبرأت منهم أسرهم، إلا انهم بصبرهم ومثابرتهم وطول النفس، نجحوا في إعادتهم إلى طفولتهم المسلوبة ومن ثمَ دمجهم في مجتمعاتهم، واوضح الفارس دالوم في محاضرته القيمة كيف أنه استفاد من جلسات "الجُودية" خلال عمله في الصومال، فقد تعرضت بعثته لابتزاز المسلحين لإجبارهم على تعيين منسوبيهم أو إيقافها عن العمل في مناطق نفوذهم، فقد أسعفته مميزات الشخصية السودانية الاستثنائية ومهارات التفاوض الأهلي في كسب احترام وود قيادات العمل المسلح، الأمر الذي مكنت منظمته من إنقاذ الطفولة في تلك الأراضي الخارجة عن القانون. 
واختتم نماذج هذه التحديات المهنية، بمحنة أطفال كولمبيا بأمريكيا الجنوبية وتهديدات منظمة الفارك الإرهابية لمنع إعادة النظام التعليمي في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، وأن هذا المشروع الذي بدأ تحت إشرافه يضم الآن مئات الآلاف من الأطفال، فقد تمكنوا بحنكة نادرة اقناع منظمة فارك الإرهابية عبر تفاوض غير مباشر بجدوى العملية التعليمية لكافة الأطراف بما فيها مستقبل الفارك نفسها.
في ختام محاضرته، بعث الفارس دالوم الأمل في نفوس الحضور، بأن البلاد متى ما وضعت على الطريق الصحيح، في غضون فترة وجيزة بإمكان أبنائه المخلصين إحداث تغيير جذري في واقع حالته المتردية، على اثير هذه الكلمة، ضجت القاعة بالتصفيق الممزوج بالزغاريد.
ثم قدمت الجهات المنظمة للاحتفالية وهي الجالية السودانية ومنظمة كردفان للتنمية ورابطة أبناء دارفور دروع تكريمية للمحتفى به، بعدها إمتشقت زوجته الإستاذة رقية الميكرفون، ليعرف الحضور السر الحقيقي لنجاحات الفارس الخضر دالوم، فقد برهنت للجميع انها نعمت من تقف وراء فارس عظيم، ست بيت راكزة، وأستاذة خرجت من بيت علم، وسيدة معترفة بموافق وجمائل جيرانها في الغياب المتكرر لزوجها، متحدثة لبقة، وام رؤوم لبناتها الناجحات، حقيقة لقد تفاجأ الحضور بقدرات شريكة حياته ورفيقة دربه وسر نجاحاته المهنية، فقد كانت كلمة الإستاذة رقية بنت مربي الأجيال الأستاذ يوسف سليمان نعم الختام للحفل، والذي سرق فيه الوقت الجميع لولا تلويح حارس القاعة من طرف خفي بإنتهاء الوقت المخصص للاحتفال.
خرج الحضور من هذه المناسبة السودانية الخالصة وهم يفركون أيديهم، فقد ثملت رؤوسهم بالفخر وانتشت جوانحهم بالثقة في أنفسهم والأمل في مستقبل مشرق لبلادهم، طالما أمثال الفارس الخضر دالوم بين ظهرانيهم.
تمنيتّ حضور ومشاركة ممثلين من الجاليات العربية والإسلامية لهذه المناسبة السودانية الاستثنائية، لكن تذكرت أننا جميعا "دراويش". 
—————————-
إبراهيم سليمان
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk

المؤتمر الوطني… يسعى لحتفه بترشيح البشير

من المؤكد إن جدد المؤتمر الوطني رئاسته ودفع برموز أقل تلوثاً سيربك بذلك الأوساط السياسية والثورية ، سيما ذي القلوب الرحيمة وقصيري النفس النضالي ، لكنه أعان المعارضة على نفسه بتجاوز الدستور وإعادة ترشيح راس النظام الذي نكص بتعهداته وعاد للرئاسة منكسرا ليربك حسابات حزبه وحلفائه من فلول حركة الإخوان العالمية.
أدرك رأس النظام أن خلفه المحتمل لا يحظى بمقبولية تؤهله لحمايته من الجنائية الدولية ، وأن إعلان باريس تحرك جدي ومهدد حقيقي لنظامه المتهالك ، وأن إستمرار تحالف نظامه مع إيران وقطر باهظ التكلفة ، وإن المعركة الحاسمة مع الخصوم قد اقتربت ، ومن الأفضل أن يخوضه بنفسه ، هذه التحولات كانت غائبة عنه عندما أعلن عدم الترشح الذي اعتبره كثيرون انه كان جديا ، وإلا لما تمسك به بعض رموز ومنظري النظام أمثال أمين حسن عمر وغازي صلاح الدين وغيرهم إن كانت مناورة حزبيه.
بات حال رأس النظام بعد إعتماد ترشيحه يثير الشفقة ، فقد تبرأت منه حركة الإخوان المسلمين العالمية شخصيا على لسان نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين الدكتور أحمد الريسوني ، وهو يعتبر اكبر ضربة معنوية وأخلاقية له ولنظامه ، وأحرجه الرئيس الكيني أوهورو كينياتا بإستقالته مؤقتا وتسليم نفسه للجانية الدولية ، وحاصرته إنتفاضة بوركينو فاسو التي أجبرت رئيسها بليز كومباوري على الإستقالة والفرار ، حالته اليائسة هذه هي مرد إعلان إفلاسه برمي خصومه بالعمالة لإسرائيل ظناً  منه أن هذا السلاح لا يزال ساري المفعول وأن هنالك من يصدقه.
بهذه الخطوة أكد حزب المؤتمر الوطني للجميع أنه مفلس سياسياً، ومعدوم فكرياً، وأنه مُصر على المضي قدما على نهج الأنظمة الاستبدادية الغابرة حذو النعل بالنعل،  هذا الطريق معلوم نهايته مهما طال وسلم المسير.
هذه الخطوة دفعت بكتل من اليأس في داخل كل مواطن ، يأس من تبدل الحال ، والانعتاق من ضيق العيش ، يأس من الفكاك من سيطرة حزب المؤتمر الوطني على مقدرات البلاد ، يأس من محاربة الفساد واستفزاز الشعب ، يأس من بسط الحريات والأمن ووقف الحرب ، يأس من فك الحظر الذي يضيق يوما حول البلاد.
بلا شك ان هذا الياس القاتم سيفجر طاقات جهنمية في اوساط الشعب السوداني لمواجهة اجهزة النظام ، وسيؤجج وقود ثوري متعاظم لدى حاملي السلاح ، وخلق بلبلة وسخط علني لدى كل من شبع من عضوية حزبه ، ومستتر لدى كل جبان ، هذه الانتكاسة الإصلاحية بكل تأكيد ستزيل الفوارق بين قوى المعارضة ويوحد جهودها في إفشال الإنتخابات العبثية المقبلة 
ويبدو ان المجتمع الدولي خاصة الاتحاد الاوربي قد يأس من إصلاح النظام، واصبح مهيأ للتعاون في تضيق الخناق عليه واحتوائه لصالح المعارضة التي باتت على وشك الانضواء تحت إعلان باريس ، هذه الخطوة سترجح كفتها إن اجرى النظام انتخابات أحادية "مخجوجة" او ظل بدون شرعية
ليس لرأس النظام ما يفعله في دورته الرئاسية الاضطرارية لتجاوز أزمات البلاد المستفحلة سوى تكرار تجارب حزبه الفاشلة ، وسيظل يراهن فقط على الأقدار والغيب لإيجاد الحلول ، ويبدو أنه صدّق بلة الغائب وإستمرأ ترهاته لذا نجده غير مبال
منذ إنتفاضة سبتمبر العام الماضي والنظام يسير في حقل ألغام مرتعداً من تفجير غضب شعبي في أية لحظة ودون ان يحتسب ، والحال كذلك لم تعد اجهزته التنفيذية  قادرة على إتخاد اية خطوة من شانها المساس بحياة الناس ، وهي عاجزة عن وضع حدٍ للغلاء المتصاعد والذي بلا شك سيجبر الشارع المحتقن بشدة على الإنفجار 
في تقديرنا أن هذه الخطوة تعتبر أكبر هدية للشعب السوداني عامة ، وقوى الهامش التي استهدفها نظام الإنقاذ بصورة أكثر وحشية ، والمؤتمر الوطني بالضرورة مدرك لهذا ولكنه وجد نفسه رهيناً لأخطاء البشير ، ودجل على عثمان طه السياسي أكمل الناقصة ، وخلافا للتوقعات فإن تقارب النظام مع عراب "الكيزان" شيخ الترابي سيثير وسط عضويته الشكوك وإنعدام الثقة ، ويزيد من عزلته الإقليمية والدولية ، ورأس النظام إن خسر نافع ومجموعته النافذة في مفاصل الدولة سيصب ذلك في صالح دعاة "الإصلاح" نكاية في غريمه على عثمان والذي من المحتمل أن يكون من المقربين، ولكن رأس النظام سيفشل بكل تأكيد في الجمع بينه وبين شيخه سابقا الترابي ، مما يعنى انه سيغرق في صراعات داخلية اشد ضراوة إلى أن تحل بهم جميعا الطامة.
أراهن ان رأس النظام لن يكمل دورته الرئاسية هذه وإن تمسك بأسباب السماء ، قد يضطر في اللحظات الحاسمة الدعوة إلى تشكيل حكومة قومية انتقالية برئاسته خاصة إذا فشلت الإنتخابات ، ولا أظن ان هنالك معارض حصيف سيقبل بهذا العرض ساعة احتضار النظام، حينها سيدرك راس النظام أن سجون الجنائية الدولية ارحم له من كرسي رئاسي ملتهب ومهترئ.
—————–
 إبراهيم سليمان/ لندن
صوت من الهامش
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk

لا يا الإمام … ليست على رأس الجبهة الثورية “قُمبرّة”

حقيقة من "ترك قديمه تاه" وقديم المهدي المعروف للشعب السوداني، الغموض والتناقض المريع والانتكاسات السريعة ، غير مبال بإقناع الرأي العام، وكل من ينتقده، في نظره حاقد 
ظننا أنه في محبسه الأخير ، إختلى بنفسه وراجعها بتجرد ، وإستدرك أنه لو لا قوى الهامش لما كانت المهدية من الأصل، والتاريخ يشهد، "النبوءة" والإنجاز، ولولا هم لما كان الصادق الصديق رئيسا للوزراء مرتين، وما كان إماماً لأحد، وتبين له فداحة جُرم أبنيه المشاركين لنظام الإنقاذ في التنكيل والسحل اليومي المقيت لأبناء الشعب السوداني، خاصة الذين كانوا سببا في تميزهم الطائفي والأسري ، وأنه في محبسه قد اهتدى إلى الخط الصائب لحزبه بدلاً من طول المسير جوار الحائط الإنقاذي الذي جلب لطائفته المذلة ولحزبه العريق الهوان السياسي، ولكن بكل أسف اتضح لنا سريعا أننا كنا آثمين في ظنوننا بالإمام، لأننا لم نستبين نواياه ، ولم ندرك أبعاد تحركه المريب إلى باريس إلا بعد وصوله إلي عمان، فقد كشف المستور، واتضح انه لايزال في فلك الإنقاذ  يدور.
يقول الإمام أن تحركاته التي ابتدرها بإعلان باريس لها مهمتان اثنتان أولاهما أنه يريد أن يوثق العلاقة بين حزب الأمة والجبهة الثورية. هل يعتقد أن هذه المهمة ممكنة بالقول دون الفعل؟ وإذا التمست له الجبهة الثورية العذر في عجزه عن الفعل ، فإن المهمة الثانية التي نذر نفسه لها ورهن عودته للبلاد بتحقيقها، يعتبر تحرك مضاد ينسف المهمة الاولى من اساسه، وإن كان الإمام يرى غير ذلك بلا شك أن العُمر فعل فعلته في تقييمه للأمور.
المهمة الثانية لجولة المهدي الدبلوماسية كما اوضحها لشبكة إرم الأردنية تتمثل في إعفاء الديون الخارجية، رفع السودان من قائمة الإرهاب،  رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان ، رفع التجميد عن الدعم الأوروبي للسودان، بموجب اتفاقية "كوتيمو" 
هذه المهام فشلت فيها وزارة خارجية النظام وكافة بعثاتها الدبلوماسية طيلة عمر الإنقاذ والآن ينذر الإمام نفسه لتحقيقها، وفي نفس الوقت يريد أن يوثق علاقته بالثوار ممثلو ضحايا النظام!
بالطبع الإمام كعادته غير مكترث للذين يرون إن مثل هذه الإجراءات تعزز قبضة النظام على رقاب العباد والبلاد، وإن الشعب السوداني لن يستفيد منها شيء. ليس في الأمر عجب، فعدم اكتراثه المعهود بالرأي العام يتماهى تماماً مع مشاركة إبنيه نظام القهر والفساد والإستبداد ، وعجزه في إقناع احد بعدم ضلوعه في هذه المشاركة.
يقول الإمام "نريد وعدا من الأسرة الدولية بأنه إن استطاع السودان تحقيق سلام عادل شامل، بتحول ديمقراطي كامل، وأن تحال القضية المسجلة بحق السودان إلى "مفوضية الحقيقة والمصالحة"
أولاً إستحالة تحقيق سلام عادل وشامل مع إستمرار نظام الإنقاذ، وبديهياً متى ما زال النظام، ليس هنالك مبرر لإستمرار إجراءات دولية ضد السودان، أي أن طلب الإمام تحصيل حاصل، لكن ما يتراءى للمتابع لسلوك الإمام، أن هذه التحركات ومثل هذا الطلب ليس مجانياً، وغالباً من يصرف إبنيه إستحقاقاته من شباك القصر الجمهوري
ثانياً التحول الديمقراطي الذي ينشده الثوار وقوى الهامش سيكون مختلفا هذه المرة وليس كسابقته، لأن أبناء الهامش مستقبلا سيمثلون أهليهم وليس أي زعيم يقبع في المركز، ولا أظن أن الممارسة الديمقراطية المنشودة ستكون "اخنق فطس" كسابقتها، إ    ذ قبل إجرائها لابد من رتق النفوس والديار التي دمرتها آلة النظام الفاشي، وعندما يفيق أهل الهامش في المعسكرات من الصدمة  ويعرفون الحقائق المجردة سيقررون لمن يصوتون.
ثالثا نرى ان الإمام يخلط بين النظام والسودان حين يقول "القضية المسجلة بحق السودان" فإن كان يقصد مذكرات توقيف رأس الإنقاذ ورموز نظامه فإن هذا التوصيف يعتبر تهويل من عنده لغرض في نفسه لا يخفي على أحد، وحسب المتابعة فأن الإمام ظل مصرا على تحقيق العدالة في رموز النظام ولم يتبدل موقفه هذا إلا بعد دخول إبنه عبد الرحمن القصر.
رابعا لا ندري بأي مصوغ يتحدث الإمام عن الحقيقة والمصالحة؟ هذه الفرضية لا أظن انه طرفاً أصيلاً فيها ، لأنها بديهيا ستكون بين الضحية والجلاد إن قدرت لها أن تتحقق، والإمام فقط يمكن أن يطمح في دور الوسيط، لكن أن ظن أن مواقفه المريبة وإن سار على منوال ما هو بصدده الآن، ستؤهله للاطلاع بهذه المهمة يكون في وهم كبير.
رابعا تحدث المهدي في مستهل حديثه مع شبكة أرم أن حزبه يسعى لنظام جديد في السودان ونسئ نفسه أنه أقدم من حفر البحر في الساحة السياسية ولم يفكر في ترك الزعامة لغيره ، أكل خريفه ولا يزال نهما لأكل خريف الآخرين، لا يمل الحديث عن التحول الديمقراطي ويتحرك باتجاه تمكين وتوريث أبنائه في الحزب والدولة، فأي تناقض هذا؟ ماذا أذل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، أليس مشروع حماية الذات والنسل؟
خامساً اتضح ان نقاط مهمة الإمام الثانية تتماهي من الورقة الأمريكية المطروح مؤخراً كخارطة طريق لحل ازمات الحكم في السودان، علينا ان نكترث من الأمريكان لأننا لدغنا من جحرهم الأبيض من قبل لدغة مميتة. نعم يجب أن نتعامل معهم ولكن عدم التسليم بكامل اطروحاتهم، ولابد من تمحيص وحذر.
وعن تهمة الإرهاب الموسومة دوليا بنظام الإنقاذ ، هل استوثق الامام ان النظام قد تاب توبة نصوحة عن ممارسته وبات حملا وديعا؟ الا يعلم الامام ان النظام يأوي جماعات بوكو حرام النيجيرية ، ولا يزال يستضيف شباب الصومال؟ والا يعلم بتدخله في نزاع افريقيا الوسطي والآن ينغمس حتى اذنيه في الشأن الليبي؟ هل طرد النظام قيادات الجماعات الإسلامية المصرية الذين يفجرون الجنود المصريين في سيناء؟ وهل لدى الإمام فكرة عن خلية الدندر الإرهابية، وكيف تعاملت معها سلطات النظام. وإن صدّق الإمام أن قاتلي غرانفيل وسائقه عبد الرحمن قد هربوا من السجن بالفحولة دون ضوء أخطر من النظام، فإن ذلك لن ينطلي على المجتمع الدولي، وهل شاهد الإمام الفلم الذي أنتجته تنظيم القاعدة عن هذا الهروب؟ وإن كان الإمام مقتنع من براءة النظام من تهمة الإرهاب، عليه تجهيز دفوعاته لأنه إن جلس إلى أصغر مسئول دولي سيستفسره عن هذه القرائن ، الأفضل له استدعاء د. مصطفى إسماعيل إلى مقر إعتكافه الخارجي يمكن أن يساعده في مهمته العسيرة والمستحيلة.
 من تجليات الامام اللغوية التي سمعتها عنه، قوله أن الصحيح هو الإرعاب وليس الإرهاب، وبهذا المفهوم، هل تخلى النظام عن ممارسة إرعاب مواطنيه يوما واحدا؟ وفيما كان إنتقاده لقوات الدعم السريع الذي بسببه ادخل السجن مؤخراً اليس ارعاب الآمنين؟ وماذا تفعل طائرات الإنتونوف يوميا ضد المدنيين العزل في جبال النوبة أليس إرعابا ممنهجا؟ وماذا يسمى الإمام ما تعرض له الأستاذ عثمان ميرغني مؤخراً؟
من وجهة نظرنا ان يلتزم الامام بروح اعلان باريس المتمثل في تكثيف الضغط الدولي والداخلي بغرض إسقاط النظام سلميا ، ومن ثم التحرك في اتجاه تنقية ذات دولة السودانية من كافة ما علقت بها من دنس خلال عهد الإنقاذ ، حينها لن تكون المهمة عسيرة عليه ولن يكلفه رهق الاعتكاف الخارجي.
نعتقد أن الشعب السوداني كافة يعرفون مواقف منسوبي حزب الأمة القومي المشرفة من النظام وجرائمه وانتهاكاته في حق البلاد والعباد ، وقوى الهامش يميزون بين رؤى قواعد الحزب وبين تصرفات قيادته الأسرية ، وكنا نتمنى ان يؤوب الإمام إلى رشده ويستلهم تطلعات جماهير حزبه وآمال الشعب السوداني في شخصه المميز والتي لها مكانة خاصة عند الملايين، وإن تحلى بالشجاعة والتجرد بإمكانه أن يطمح في حصاد جوائز دولية ترضي تطلعاته ومن المحتمل أن يغفر له الشعب تخاذله المتراكم.
——————–
إبراهيم سليمان/ لندن
صوت من الهامش
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk
//آفاق جديدة//

الدنيا تلد بدون “ضَرّه”

باستثناء الإمام، لا شك أن قيادات نادي باريس قد تفاجأوا بانبطاح النظام وقبوله التفاوض على اساس بنود إعلان باريس وليس “وثبة البشير”، رغم أن المشهد السياسي يبدو مشابهاً للمتابع للظروف التي سبقت محادثات نيفاشا مع فارق طفيف في نسبة الغيوم الملبدة في سماء البلاد
فالحركة الشعبية قبيل محادثات نيفاشا أربكت حسابات النظام بتكوين لواء السودان الجديد وفتح جبهة الشرق بقيادة الكماندر باقان اموم، أما الآن فالجبهة الثورية “لخبطت” حسابات النظام داخلياً وخارجياً بإعلان باريس ، أي أن SPLM كانت متفوقة على النظام عسكرياً، والآن تفوقت الجبهة الثورية عليه دبلوماسياً، وفي كلا الحالتين وجد النظام نفسه في زاوية ضيقة وحرجه، اما الضغوط الدولية والإقليمية على النظام الآن شبه مضاعفة، أثناء نيفاشا كان للنظام بترول متدفق بتصاعد، أما الآن يتسول حلفائه أعطوه او منعوه ، كان حزب المؤتمر الوطني في تماسك ووئام اما الآن في تجاذب بين المطلوبين دولياً ورموز الفساد، كان للنظام على عثمان بطموح رئاسي والآن معه شيخ الترابي يتربص لتكرار تجربته مع النميري. وأخطر ما في الوضع الحالي مذكرات توقيف رأس النظام ورموز الإنقاذ وتوسيع رقعة الحرب في معظم إرجاء البلاد.
في مقالنا السابق، تساءلنا عما تفعلها الجبهة الثورية بزمام المبادرة الذي بات في حوزتها، وقترحنا عقد مؤتمر دولي لمناقشة فرص السلام، وقلنا إن حضره النظام “إتخوزك” وأن لم يحضر مات عزلة، ويبدو انه أختار الخازوق بمكره المعهود، على العموم من البديهي والمتوقع أن يبدأ مارثون مفاوضات جديدة، والحشاش “يملأ شبكته” الفالح يكسب
بالنسبة لأهل الهامش يبدو لنا هنالك ثلاثة محاذير، ثامبيو أمبيكي، والدوحة، وتماسك الجبهة الثورية، ثامبيو أمبيكي سياسي فاشل لم يحقق أي نجاح يذكر في بلده أو في الملفات التي اوكلت اليه افريقيا، لذا نشك في نجاحه في هذه المهمة العسيرة، ولا شك عندنا أنه سمسار ومرتشي، أما الدوحة فقد إتضح بما لا يدع مجالاً للشك أنها سيئة النوايا وهي معنية بحركة الإسلام السياسي العالمي لا غير، أي دور قطري في مستقبل السودان بالضرورة يكون على حساب دول شقيقة، الشعب السوداني احرص علي ترميم علاقته بها ما بعد نظام الإنقاذ، ولا شك عندنا أن النظام سيسعى إلى اختراق الجبهة الثورية وتكرار سيناريو ابوجا بكل السبل الممكنة، لكن ثقتنا كبيرة في قيادات الجبهة، وإن ظلوا متماسكين وموحدي الكلمة والعزيمة، نحن واثقون في مقدراتهم وإخلاصهم لمن يمثلونهم وسنرضى بما يرضون به ، إذ ان الأمة لا تجتمع على باطل، وهم الأدري بالظروف التي يواجهها اخوتنا المقاتلون الأشاوس في الميدان
وهنالك ثلاثة خطوط حمراء أن صمدت القيادات الثورية وراءها نعتقد ان نتائج محادثاتهم ستكون مثمرة ومقبولة إلى حد كبير
أولاً لابد من تحديد سقف زمني لنهاية حكم نظام الإنقاذ الإستبدادي بشكل واضح وصريح، وثانياً عدم التنازل عن المحاسبة الداخلية، أما الملاحقة الدولية فليس لأحد حق التنازل عنها، والمحاسبة الداخلية فليشمل الجميع، رموز النظام والثوار وحتى الإمام نفسه، وثالثاً عدم تجزئة الحلول، أي يجب طرح كافة القضايا، دارفور ، جبال النوبة، النيل الأزرق، الشرق كقضية موحدة بالإضافة إلى مظالم السدود
ومن هذه اللحظة، نعتقد على الجبهة الثورية أن توحد خطابها السياسي وعدم التصريح بأسماء الكيانات التي يترأسها القيادات ، ووضع استراتيجيتها للتفاوض، وإعادة التمعن في كافة الاتفاقيات التي وقعت مع النظام بغرض الاتعاظ من تكرار الإخطاء.
——————–
إبراهيم سليمان/ لندن
صوت من الهامش
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk

الغربة ركوب جبال

أؤمن إيمان العجائز بفاعلية العمل المسرحي الهادف في معالجة كافة مشكلات مجتمعاتنا خاصة الاجتماعية منها، وأثق ثقة عماء في كفاءة وإبداع الممثل السوداني، وتفانيه في إيصال رسالته في كافة الظروف وفي كل الأزمان، ومن واجبنا أن نشيد بهم ونشد من أزرهم ونقدم لكم الدعم المعنوي الذي يستحقونه إن بخلت عليهم السلطات بالمال وضيقت عليهم المسارح. وبما أن العمل الروائي قد انتعش في السنوات الأخيرة، فإن العمل الدرامي موعود بفتوحات مهولة بعد افول عهد الظلام.
إلى كل من يترفع عن واقعنا في ريفنا الحبيب، وكل من يستمرئ الغربة من غير بأس، وكل من ينقاد لزوجته المتنكرة أو المستعلية على حياة أهلنا وشبابنا في القرى والبوادي، وكل من يراوده نفسه بتجاهل رغبات أبناءه وبناته في الهروب والتحرر من السجون الانفرادية والغرف المغلقة في شعاب الغربة، وإلى كل متردد في وضع حد لتسلق جبال الاغتراب الوعرة "من غير باس"، وكل من يعتقد السعادة في الرفاه المادي ، أدعو جميع هؤلاء إلى مشاهدة إلى هذا العمل الإبداعي للفنان د. فصيل أحمد سعد (كبسور)، والفنانة القديرة سامية عبد الله والفنان عبد الله عبد السلام
إليهم جميعا منا التحية والتجلة الإكبار، والتحية الخاصة إلى السينارسيت القدير والمخرج الفذ عبد الناصر الطائف، مخرج مسلسل أقمار الضواحي 
فلم أحلام على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=qMQunQ4uhM0&feature=player_detailpage

—————-
 إبراهيم سليمان – لندن
صوت من الهامش
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk

فاروق ابو عيسى … كيف يستقيم الظل والعود اعوج؟

ينشغل الحراك السياسي السوداني هذه الأيام هنا في لندن بلقاءات السيد فاروق ابوعيسي  رئيس ما يسمى بتحالف قوى الإجماع الوطني، والذي ما كان بمقدوره التجاسر بالقدوم الي عاصمة الضباب لولا موقف تحالفه المشرف من فرية ما عرفت بوثبة البشير، ذلك للموقف الحازم لقوى المعارضة الحية بلندن من عبثية النظام ومعارضة الداخل  علي السواء قبل اعلان الوثبة.
لا يجدر بنا ان نبخس الناس أشيائهم ، والحقيقة الساطعة هو ان موقف تحالف ابو عيسى من الوثبة كان مرضيا لقطاعات عريضة من الشعب السوداني ، فقد اشترطوا اشتراك الجبهة الثورية في الحوار وتحديد سقف زمني له وان يفضي الي تشكيل حكومة انتقالية تنهي حكم نظام الإنقاذ المستبد.
هذا الموقف نثمنه من السيد ابو عيسى وتحالفه، الا  انه غير كافٍ لتغيير موقف قوى الهامش من هذا التحالف الذي نراه جزءً أصيلاً من أسباب الأزمة السودانية المستفحلة بسبب احتكار القيادة السياسية لما يزيد عن نصف قرن لشخصيات بعينها من ضمنهم السيد ابوعيسي الذي كان يحتفظ بأكثر من حقيبة وزارية في انٍ واحد خلال العهد المايوي البائد، وظل يشغل منصب رئيس  للتجمع الوطني الذي تمخض عنه تحالفه الحالي لأكثر من ربع قرن وفشل في ازاحة النظام من سدة الحكم.  
كيف يستقيم الظل والعود اعوج؟ لا يستطيع السيد ابو عيسى التنكر لدوره وبقية رؤساء احزاب تحالفه فيما آلت اليها أوضاع البلاد من التمزق والتشرذم والذل والهوان لمواطنيها ، ومع ذلك يصرون بعيون قوية علي قيادة العمل السياسي بكل مكابرة وأنانية يقفون حجر عثرة في سبيل تولي كوادر صاعدة قيادة العمل السياسي وكأن حواء السودانية لم تلد غيرهم ، ان كان المهدي والميرغني قد ورثا حزبيهما من أسلافهم الذكور، والترابي أسس حزبه فما بال ابوعيسى؟ من الواضح أنه ايضا من غُزية. نقول هذا القول لعلمنا أن جماهير هذه الأحزاب ظلت تجأر بالشكوى من إستبداد قياداتها و"كنكشتها" في الزعامة وإن مواقفها من مجمل الأوضاع لا غبار عليها. حقيقةً الدكتاتوريات خشم بيوت ، النظام ومعارضيه بالداخل لكل نصيب منها 
لنفترض موت نظام الإنقاذ فجاه بسكتة قلبية، وأن قيادة البلاد آلت لتحالف ابوعيسي فماذا لديهم ليقدمونه للشعب السودان سوى اجترار الفشل الذريع وما درجوا عليه من مماحقات والتربص ببعضهم البعض؟ رغم الانا والمكابرة والفشل المزمن ينتظرون منا ان نحترمهم ونهتف بأسمائهم ونقيم لهم المنتديات السياسية والليالي الملاح لمجرد ان بعضهم تصدوا مشكورين للوثبة ونجحوا في إفشالها 
كم ساعة في اليوم تسمح الطاقة البدنية لابوعيسي ورفقاءه من العمل المضنى لمجابهة تحديات ما بعد إسقاط النظام وقبله؟ وماذا لا يزال في جعبتهم الفكرية ينتظره الشعب السوداني؟ وما هي المواقف المشرفة والإنجازات الهامة في حياتهم السياسية المديدة باستطاعتهم تحدث الشعب عنها برؤوس مشرئبه؟ لا شيء 
بأية لغة يخاطب ابوعيسي الأجيال التي ولدت ما بعد الإنقاذ ، وآية ارضية تجمعه مع من بلغوا سن الرشد وهم في معسكرات النزوح وتجمعات التهجير القسري؟ 
أهون علي  السيد ابوعيسي ورؤساء احزاب تحالفه ان يزوروا لندن وباريس ونيويورك من زيارة معسكرات النزوح في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق؟ لكل ما سبق انصح منسوبي قوى الهامش وكافة التنظيمات الشبابية الصاعدة التجرد من العاطفة وأحكام العقل وحساب أية خطوة بعناية وعدم المجاملة فيما يخص امر مستقبل البلاد، وعلينا التعلم من اخطاء الأجداد والاباء وعدم إضاعة مزيد من الوقت وإهدار الطاقة  في الاستماع لأمثال ابوعيسي وزعماء تحالفه المدمن للفشل ، وعليهم توحيد ثم توجيه طاقاتهم لدعم ونصرة الجبهة الثورية وحزب المؤتمر السوداني كحلفاء استراتيجيين لإسقاط النظام وهزيمة المنظومة المركزية والتخطيط الجماعي لبناء السودان الذي ظللنا نحلم به، دولة ننعم فيها بالطمأنينة والعدالة والحرية الرفاه
حرب المؤتمر السوداني هذا الحزب الفتي ، زار قائده الشاب فك الله أسره النازحين في الجنينة والمهمشين في القضارف وغبيش ليس تكسباً بل بزل ماله وجهده في سبيل المواساة والتخفيف من معاناتهم واستطاع في زمن قياسي التغلغل وسط قلوب جماهير عريضة يحسده عليه النظام وأحزاب  تحالف ابو عيسى، وحتي الان لم تشهد لهم الساحة السياسية إلا بالمبدئة وعدم اللجاجة، لم يقبل قائده الهصور ابراهيم الشيخ أن يعتذر احدا عنه بالإنابة عن مواقفه الشجاعة
ليس لدينا موقف من تنظيمات التحالف، موقفنا من قياداتها التي ترفض التجديد وتصر على الفشل، والذين منحوا انفسهم مناصب مدى الحياة غير آبهين بنتائج عجزهم السياسي، ورافضين الرضوخ لنواميس الكون في التواتر التجديد. 
صحيح أن ا لشعب السوداني محتاج لجهود كافة محاوره السياسية لإسقاط نظام الإنقاذ بأقل جهد، لكننا ظللنا نساند ابوعيسى وتحالفه لأكثر من ربع قرن ولا يزال حصادهم الهشيم، ألا يكفي ذلك؟ لذا من الضروري إعادة النظر في هكذا دعم، وتصحيح مسار الطاقات بدلا من إضاعتها في الجري وراء أناس لا طائل منهم، علينا ترشيد طاقات قوى الهامش وتنسيق جهودها مع كافة القوى الشبابية الحديثة تحت لواء الجبهة الثورية وحزب المؤتمر السوداني، وعندما تجدد تحالف ابو عيسى قياداته وأفكاره وآلياته ويستقيم عوده، حينها لكل حادث حديث.
—————-
 إبراهيم سليمان-لندن
صوت من الهامش
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk
//آفاق جديدة//

إلى غندور … كيف ننهي الحكم المركزي

إعترف مساعد رأس النظام السيد غندور بإستحالة حكم البلاد من المركز، يعتبر إقرار ضمني بفشل نظامهم الذي إنتهج الفدرالية منذ الاستيلاء على السلطة قبل ربع قرن، تجربة الحكم الفدرالي خلال عهد الإنقاذ ملئ بالزيف ومترع بالشكليات، يصنعون دساتيرهم من العجوة يأكلونها متى ما جاعوا، مجالس تشريع ولائية لا تهش و لا تنش، ولاة منتخبون "بالخج" ومع ذلك يتم إقالتهم دون وازع، إستمرار المؤسسات المركزية في ممارسة سطوتها منذ فجر الإستقلال، وظلم وسوء كيل في الثروة، واختزال البلاد في مدنية مركزية، تنظيمات عتيقة تمارس الدروشة والإقطاع دون إعتبار لحلول الألفية، ثقافة آحادية لا تقبل المراجعة.
للقضاء على الحكم المركزي وإقتلاعه من جذوره، ينبغي أولاً وضع دستور متفق عليه، وتكليف الذين يحترمونه ويصونون المؤسسية بالجلوس على كابينتي القيادة التشريعية والتنفيذية خلال فترة إنتقالية كافية لتأسيس الحكم الفدرالي الحق، وإفساح المجال المعافى للأجهزة الرقابية المسئولة (ليست من بينها راية بألوان أو سادة) من متابعة خطوات إنهاء المركزية البغيضة والخطرة على تماسك وحدة ما تبقت من البلاد.
وإن كان المركزيون مقتنعون بإستحالة حكم البلاد من المركز، عليهم حمل لواء البحث عن عاصمة بديلة احتذاءً ببلدان عانت من ذات المعضلة مثل نيجيريا والبرازيل وأستراليا، عاصمة بديلة ليس فيه جامعة الخرطوم أو معمل إستاك، أو هنا أم درمان أو شارع الدكاتره أو سعد قشره أو كرين بحري. عاصمة فدرالية حديثة ليست فيها ود نوباوي أو جنينة الميرغني أو المنشية.
خريجوا جامعة الخرطوم مع إحترامنا لهم، يترفعون عن العمل في الهامش إلا من رحم ربه، وهؤلاء يمثلون أُس النظام المركزي، هذه المؤسسة العلمية العتيقة والعريقة ليست لديها كليات خارج العاصمة، رغم أنها كانت تابعة لجامعة لندن، الفدرالية تقتضى تحويل كلياتها إلى مراكز بحوث علمية لا تمنح درجات علمية تغري حامليها على الترفع عن الهامش.
معمل إستاك ليس له بديل في طول البلاد وعرضه، وإذاعة هنا ام درمان تصر على المركزية من خلال إجترارها لحقيبة الفن حقبة من العقود ولا تزال، مع إهمال متعمد لثقافات الهامش، وسوق سعد قشرة تصيغ وجدان الشعب السوداني وذوقه الجمالي الفلكلوري دون منازع، وكرين بحري لا أدري على وجه الدقة ما يباع فيه لكنه مركزي رغم أنف أهل المركز.
محارية المركزية تقتضى إعتزال المهدي والميرغني والترابي ممارسة السياسة طوعاً، والإلتزام بمماسة القداسة في الأقاليم فقط، وعلى الجسور إبراهيم الشيخ فك الله قيوده نقل مقر حزبه إلى النهود من غير رجعه.
أضاف واضعوا دستور إندونيسيا عام 1999 في البلاد شرطا بسطا على ما يبدو للقواعد الانتخابية: على جميع الاطراف ان تنافس في ثلثي الاقاليم في جميع انحاء البلاد وثلثي المناطق داخل كل المحافظات. عرقلت هذه القواعد انشاء الاحزاب المحلية القائمة على اساس عرقي عن طريق اجبار الاطراف على المنافسة في بلد واسع التنوع. واجبرت هذه القواعد ايضا مجموعات النخبة على إلتماس حل وسط مع المجموعات العرقية الاخرى حتى تنشئ حزبا قد يفوز في انتخابات.
الفدرالية الحقة تقتضى تحويل القصر الجمهوري إلى مقر لوزارة الآثار والمتاحف وهي الوحيد التي لا بأس من بقائها في العاصمة الحالية {الكارثة}، العاصمة الفدرالية المرتقبة من الافضل أن تبنى من "إسكراتش" وليس من الضروري أن تكون على البحر، يكفي أن مروي وسنار ومدني والخرطوم كلها على البحر
فرص القضاء على المركزية في ظل دولة الرعاية الاجتماعية أفضل منها من اقتصاد السوق الحر الذي لا يعرف {أرحميني يامه}، وبما أن رأس مال السوق الحر جبان لا "يجاسف" بعيداً عن البنى التحية، الضرورة تقتضى وضع خطط واضحة ومحددة لتوازن البنى التحية التي تتيح عدالة فرص الاستثمار لكافة الولايات حسب مقوماتها.
إلا أن الماثل الآن من خصخصة مؤسسات الدولة بصورة مغرضة وغير مسئولة، طالت حتى القوات النظامية، التي أصبحت تعمل بالمقطوعية، في ظل هذا الوضع من الأرجح أن يحول النظام الفدرالي الأقاليم إلى دوليات، وتحيل المرافق العامة غير الربحية إلى مراكز تحصيل حسب مزاج القائمين عليها دون ضوابط.
ربع قرن من الزمان وفي ظل حكم آحادي وإستبدادي، لم يتمكن نظام الإنقاذ من تطبيق نظام الحكم الفدرالي يعنى انهم يرفعونها شعاراً للتضليل ليس إلا، ولا غرابة في ذلك، إذ أن رجالات الإنقاذ لم يثبتوا ولو لمرة واحدة للشعب السوداني أنهم رجال دولة، يسهرون للرقص على إنغام الأناشيد الحماسية وليس لمصلحة وصون البلاد والعباد من التشرذم والتفتت، انتهى الرقص والآن يتحدثون عن خطورة الحكم المركزي واستحالته، من يستمع إلى غندور يعتقد انه توالى مع الإنقاذ ما بعد نيفاشا ولم يأكل من لحم ثور الطيب مصطفى الأسود.
————————
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk
//آفاق جديدة//
ebraheemsu@gmail.com
إبراهيم سليمان/ لندن

الدعم السريع … مجرمة في كردفان وشريفه في دارفور… كيف؟

على مدى ربع قرن من حكم الإستبداد لم تتعلم حكومة الإنقاذ المنطق، تنتهج "الزمنتارية" وتحتكم إلى قوانين "قاراقاش" لذا ليس بمستغرب أن تكون كافة تصرفاتها "هردبيس". ظلت تتعلم "الزيانة" على رؤوس يتامى الهامش، وتستعرض الرقص على حلبات المعارضة الرخوة، وتعزف على أوتار تناقضات المجتمع الدولي وسلبية دول الجوار.
رغم ذلك نجحت في إرغام الشارع السياسي على التعايش مع شعارتها المدهشه وتتقبل عباراتها الغليظة، من جنس "العايز سطلة عليه بحمل السلاح"، "اللزرعنا يقلعنا"، احدث هذه "الكلينشيهات" الإنقاذية" الخطيرة والخطيرة جدا خرجت من داخل قبة برلمانها "دارفور سرطان في جسم الوطن"، وأخيراً "ارفعوا رؤوسكم فوق عين أي زول"، جاء هذا مؤخراً من الذي حسبه الناس انفع من "نافع" رغم روائح الفساد التي ازكمت الأنوف.
ما يهمنا في هذا المقال من عدم منطقية حكومة الإنقاذ الإستبدادية، طرد قوات الدعم السريع حسب ما يحلو لها، من كردفان لشناعة افعالها، والترحيب بها من قبل ولاة دارفور، وكيف كانت هذه القوات مجرمة في الأبيض وشريفه في نيالا والفاشر؟ ورغم أن هذه الحكومة لا تعرف الخجل، وغير آبهه البتة بأحد خاصة أهالي الهامش، نجتهد في فضح نقاط ضعفها إزاء هذا التصرف عسى ولعل أن يساهم ذلك في تصويب رصاصة الرحمة على جسدها المتهالك.
ليس ثمة جدال في أن مقدرات أحمد هارون الأسطورية قد تحطمت أمام صخور جنوب كردفان، وإلا لما ازيح عنها والنظام في احوج ما يكون لأساطيره لحسم وكسح الثورة المسلحة في هذه الولاية التي لا يعرف أحد قط مداخلها ومخارجها الامنية أكثر منه، بنى حصيلته الأمنية بشعاب ومغارات جبال النوبة منذ أن تولى إدارة السلام وإعادة التوطين بهذه الولاية عام 1992، لكنه قد خيب آمال المركز حتى في كسح الانتخابات الولائية عام 2011 رغم الميزانيات المفتوحة والدعم الغير محدود من القصر الجمهوري. خلال فترة حكمه عانت الولاية من خلل سياسي ودستوري وإداري وانفلات امني، ووصف من قبل قيادات ولائية بأنه ضلل المركز بتقارير "مضروبة"، لكن في تقديرنا هذا ليس كل شيء، فالنظام لأسباب نفصلها فيما بعد احرص ما يكون على سلامته الشخصية أكثر من نجاحه في حسم الثورة في تلك الجبال. والآن يبدو أن أدائه في الأبيض دون المستوى، وحسب مراقبين فإن "نفراته وسرباته" التي يلهج بها قد لا تتعدى سقوفاتها إعادة بناء مسجد سوق الأبيض الكبير وبضع أندية مشاهدة في الأرياف.
احمد هارون اكثر كادر إنقاذي بقى في السلطة بصورة متصلة لا يضاهيه ألا رأس النظام، وهو شخصية محورية في ملفات الحرب والسلام في كافة أرجاء البلاد خاصة دارفور وجنوب كردفان، ونحسب أنه من النوع الذي يقول للقصر "يا أنا، ويا هذا أو فلان" وهذا الخيار يعني الكثير للقصر الجمهوري، سيما وأنه ثالث ثلاثة كبار مطلوبين دولياً.
شكك كثيرون في جدية مهلة الـ 72 ساعة التي حددها أحمد هارون حاكم الأبيض لقائد الدعم السريع حميدتي لمغادرة ولاية شمال كردفان من غير رجعه، رغم تصريحه في حينه أنه قادر على حماية قراراته، وعندما غادرت هذه المليشيات غير مأسوفة عليها من أهالي الأبيض الأشاوس، إحتار الناس في "كجور" أحمد هارون، وقدر مراقبون أن النظام سيعيد النظر في هذه المليشيات، وأن حكام دارفور سيقولون للمركز "اش معنى أحمد هارون"، ولكن أتضح أنه ليس من بينهم رجل يجرؤ على توجيه هكذا تساؤل  للقصر.
عكس التوقعات رحب بها  حاكم الفاشر كبر، كأنها حررت حلايب وقال أن كذا لواء منها مكثت في الفاشر كذا يوم، ولم يسمع عنها إلا كل خير، وعندما تجبرت مليشيات الدعم السريع مؤخرا في شوارع الفاشر، تستر الوالي كبر عليها وقال أن الذين تسببوا في الفوضى الأمنية في مقر سلطانه هي قوات متفلته دون أن يجرؤ على ذكر الدعم السريع، في "دغمسة" معهوده من حاكم الفاشر الذي "قنع" الناس من خيريته بعد عمليات سوق المواسير الذي باع فيها اهله بثمن بخس.
اما حاكم نيالا اللواء آدم محمود جار النبي والذي يسعى جاهداً لإثبات قدراته، وكسب ود المركز، فقد بالغ في تمجيد هذه القوات عند عودتها مدحورة من جبال النوبة ومطرودة من الأبيض، وعندما كررت ما فعلتها في الأبيض مؤخراً  بشوارع نيالا وزادت عليها، لم يفتح الله عليه بكلمة، كما أن حاكمي وسط وغرب دارفور، لا يكاد الكثيرون يعرفون من منهم من فرط استكانتهم وهوان قدراتهم وخفة أوزانهم لدى المركز.
أذن، أولى مداخل هذا التناقض من قبل حكومة الخرطوم، وكيلها بمكيالين لدارفور وكردفان، هو انبطاح حكام دارفور، وقلة حيلة الأهالي، ذلك أن أحمد هارون قد حاول "الدغمسة" في بادئ الأمر، إلا أنه اضطر للرضوخ للغضب الشعبي العارم ضد قوات الدعم السريع، لقد شاهدنا كيف أن أهالي الأبيض الأشاوس قد حملوا "عكاكيزهم" وكافة انواع اسلحتهم التقليدية وخرجوا في الشوارع متوشحين ومقشطين من الأوساط، تلك الفزعة للعريس الأخضر الذي إستشهد قبل أن يسبع على أيدى قوات الدعم السريع الغادرة والآثمة في استبسال نادر، تلك الفزعة الشاملة هي التي هزمت المتهم بالإبادة أحمد هارون، والمركز خاف عليه من "نشاب" طائش قد يغيبه إلى الأبد.
نواب دارفور، وعضوية أبنائها بمركزية المؤتمر الوطني ايضا تطلهم تهم الانتهازية، فقد "تخنت" جلودهم وعز أصواتهم تحت قبة البرلمان، وزول الإنتقاليه "جابوه فزع وبقى وجع"، ورغم أن حاج صديق ودعه يمتلك غالبية أسهم صحيفة الصحافة، إلا أنها تتناول القضايا الإنصرافية في دارفور، ولا اظنه فكر في فرض صحفي عصامي كالأستاذ إسماعيل آدم رئيسا لتحريريها. ولا نخال أن ما تفلعها مليشيات الدعم السريع في حلّال وبوادي وفرقان أهل أبناء دارفور في السلطة يرضيهم، والسؤال لماذا السكوت وإلى متى؟ وهل يخشون على أنفسهم أم على أرزاقهم؟ بكل صراحة الحياة بعد الاعتداء على نسائكم وحرق قراكم عدم.
الأمر الثاني، حسب تصريح حميدتي في مؤتمره الصحفي بالنادي الوطني مؤخراً، فإن قوات الدعم السريع هي مليشيات عشائرية غير قومية مرجعتيها غرب السودان على حد إفادته، وعلى وجه الدقة من دارفور، لذا قد ينظر إليها جهات عدة بأن عودتها لدارفور إنما عودتها لديارها، وهو ذات السبب الذي يجعل حكام دارفور يتعاملون معها بحذر لعمقها العشائري المتغلغل في المكون الدارفوري، وحتى الأجنبية منها قد تجد الغطاء العشائري محلياً. أما ناس الأبيض هنالك أكثر من إشارة مبطنة تقول بأن هذه المليشيات دخيله علي ديارهم.
لكن حكومة المكر والخداع، ليس مستبعداً أن تفكر في تكوين مليشيات كردفانية تغلغل نسيجها الإجتماعي وتفل مكوناتها المتماسكة نسبيا كما فعلت في دارفور، وعلى الجميع أن يكون صاحياً ومراقبا لما يدور حول حواريهم، وما إستعراض مليشيات الدعم السريع لعضلاتها بأحياء الخرطوم إلا تمهيداً لإعادة تسويقها، ومن الوارد أن تعيد الكرة إلى كردفان عندما يرتقي أحمد هارون لدخول القصر الجمهوري نائباً لرأس النظام في اقرب تعديلات دستورية.
أما المكون الآخر، لاستثنائية تعامل المركز مع أحمد هارون، هو ملف الجنائية الدولية.  يؤكد مقربون من النظام، أن هارون قد حصن نفسه حياً وميتاً بنسخ ناسفه من عمليات الإبادة الجماعية في دارفور، تتفجر ذاتيا متى ما تعرض لسوء مدبر من شركاء الجريمة والاستبداد، وذات الشيء فعله موسى هلال، لهذا السبب عندما تعرض حياة هارون للخطر في كادقلي، سارع المركز بسحبه إلى الأبيض الآمنة، خاصة بعد اغتيال إبراهيم بلنديه رئيس المجلس التشريعي لولاية جنوب كردفان و الدكتور فيصل بشير الخيرى الامين العام لمجلس التخطيط الاستراتيجى بالولاية  ورفاقهم على طريق الدلنج كادقلي في يوليو 2012، سيما وقد نجا قبل ذلك وزير الشباب السابق حاج ماجد محمد سوار من محاولة اغتيال بحي الفقرا بكادقلي ، كما تعرض المرحوم مكى على بلايل لمحاولتي اغتيال هو الآخر.
وثمة أمر آخر لابد من الإشارة إليه فقد أصبح واضحا ان دارفور في نظر المركز الرسمية والشعبية، اقليم يحتمل كافة التناقضات، ومكب للانتهاكات، وجزء مسرطن كما افصح بذلك نائب قمئ بالمجلس الوطني، ولا بواكي عليها، لذلك عندما توجهت مليشيات الدعم السريع إليها، اعتبرها كثيرون أمراً عادياً، بخلاف الأبيض التي تعتبر السياج الأخير للخرطوم، هذه النظرة كانت في صالح رهان هارون على قراراته، بالإضافة إلى أن الكثيرين  باتوا يعتبرون أن الجبهة الثورية والكيانات المسلحة الأخرى هي المعنية بالدفاع عن إنسان دارفور بالمنطق وبالبندق.
في تقديرنا لا تستطيع مليشيات الدعم السريع الصمود في ظل تصاعد الضغط الشعبي والدولي عليها، ومن المتوقع أن يصدر قرار أممي قريباً يجرم تصرفاتها، حينها لن تجد السلطات بد من وضع حد لأنشطتها كما فعلت مع مليشيات شبيهة من قبل، لذا على الجميع تكثيف الهجوم على تصرفاتها، وملاحقة جرائمها، والتواصل مع العشائر التي تنتمى إليها للتحلل من ممارساتها والوقوف مع المتضررين في وجهها. وتوجيه خطاب مباشر لأفراد هذه القوات تحتوى تحذيرات من مغبة جرائمها بعد زوال النظام، الرهان على تراجع الدعم السريع يسنده ضعف قدرات قائدها حميدتي الذي يقول كلاماً خاماً ولم يتعلم شيء من كياسة أهلنا في البوادي، ومن الأسباب القوية لاضمحلال مليشيات الدعم السريع عدم رضا القوات المسلحة عما تفعلها باسمها، ولا نحسب أنها تستطيع كظم غيظها طويلا.
مع الفشل المتوقع لمليشيات الدعم السريع، كما فشلت من قبل الدفاع الشعبي وأبو طيره وحرس الحدود، لن يحول بين منظومة الإنقاذ ومزبلة التاريخ حائل.
———————
إبراهيم سليمان/ لندن
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk
//آفاق جديدة//

 

عثمان ميرغني … ليته صفق مع المصفقين وصمت

أكد علماء علم النفس أن الموضوعية لا يمكن تحقيقها مائة بالمائة، وأن الإنسان مهما ادعى الحياد لا يمكن أن يتجرد من أهوائه الشخصية، لذا نلتمس العذر للأستاذ عثمان ميرغني في محاولته توضيح وجهة نظره فيما طُرح خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده قيادات ما تسمى بقوات الدعم السريع مؤخراً. فقد حشر قلمه في "جراب دقيق" والأهون عليه أن يتلوث بجراحات اهل الهامش التي تجأر بالشكوى من افعال هذه القوات، من مصادرة صحيفته وإستضافته في التخشيبة.
فقد عاب على الصحفيين الذي انفعلوا مع خطبة قائد القوات المذكورة، واستنكر علي زملائه الذين ألهبت خطبة حميدي الحماسية أكفهم بالتصيف إعجابا بها، ألا أنه بمحاولته عكس ما حصل في النادي الوطني قدم دعاية نظن أنها ليست مجانية لقوات الدعم السريع، أشد مضاضة على الذين ظلوا يكتوون بنيران هذه القوات من الأهالي من تصفيق زملائهم الصحفيين الذي لم يتعد صداه اسوار تلك القاعة. 
في فقرتين اثنتين من مقالته الثانية "قوات الدعم السريع" روج لهذه القوات بشكل سافر محاولاً إيجاد المصوغ الأخلاقي لها، مرة يصفهم بأنهم "محترفون"، ومرة يقول أنها "تعلي من الولاء للقيادة الكارزمية الميدانية (حميدتي) أكثر من القيادة العسكرية المهنية" دون أن يوضح للقارئ كيف تكون قوات محترفه وغير مهنية، ظنا منه أن القارئ الكريم يمكن "لفه" بكلمة يبدو في طلع الجمل.
يدعي الأستاذ عثمان أن خلاصة ما فهمه من تصريحات قائد هذه المليشيات (حميدتي) أن أسلوبها اقرب إلى قوات الشركة الامريكية الأمنية الشهيرة بلاك ووتر (Blackwater)..المال مقابل القتال. اشك أن حميدتي سمع بقوات بلاك وتر دعك عن أن يعرف شيئا عن عقيدتها، وفشلها الذريع، وماذا قالت عنها الكونجرس الأمريكي، وبما أن حميدتي لم يذكر قوات البلاك ووتر بعضمه لسانه، فما يريد عثمان ميرغني قوله للرأي العام أن قوات الدعم السريع ليست بدعه، وأن أمريكا ذات نفسها لديها قوات مماثله، في محاولة مفضوحة منه التسويق لها وخلق مقبولية لتصرفاتها، رابطا محاولته بالتذكير بأحداث ام روابة وابي كرشوله.
صحيفة الواشنطن بوست قالت عام 2004 إن وصفهم (أي قوات بلاك ووتر) بالمتعاقدين العسكريين مع الحكومة ليس دقيقا والوصف الصحيح هو "جنود مرتزقة"، ومن يومها شاع هذا الوصف الذي لا يروق لعثمان ميرغني وقيادات الدعم السريع، وفي عام 2007 رُفعت قضية رسمية في محكمة أمريكية ضد شركة بلاك ووتر بخصوص حادثة ساحة النسور ببغداد نيابة عن الضحايا العراقيين ولا تزال قيد التداول، قوات البلاك ووتر التي يحاول عثمان ميرغني الاقتداء بها في دعايته السمجة لميلشيات الدعم السريع هي قوات تابعة لشركة خاصة مؤسسها "إريك برنس" وهو ملياردير أمريكي تصفه وسائل الإعلام الغربية بأنه "مسيحي أصولي"، وهو من عائلة جمهورية نافذة. وقد صدر كتاب عن هذه القوات بعنوان "بلاك ووتر أمريكا… قتله مأجورين بزي أمريكي" ولذا ليس مستغربا أن تقتدي بها حركة الإسلام السياسي الأصولي في السودان.
كذلك الوصف الدقيق لقوات الدعم السريع بأنهم رعاة من غرب السودان ليس دقيقا، والصحيح أنها مرتزقة من بين أفرادها جنسيات غير سودانية، وقد طالبت والي شمال كردفان بدفع إستحقاقاتها المالية (زرقها) من عملياتها بجنوب كردفان قبل المغادرة، وفعلت ذات الشئ في نيالا، أي متى ما تأخرت أرزاقها، تنهال تنكيلا بالمواطن، وما لا جرؤ عثمان ميرغني على قوله أن قوات بلاك ووتر تسترزق خارج الأراضي الامريكية، بينما لقوات الدعم السريع خاصة الأجنبية منها مصلحة مباشرة في تهجير الأهالي ونهب مواشيهم.
وفي إجتهاده لتقييم مهمة هذه القوات، وصف عثمان ميرغني فترة تمركزها في مدينة الأبيض وضواحيها قبل طردها إلى دارفور "بالراحة"، كل تلك الممارسات المنكرة ضد الأهالي يعتبرها عثمان عمل في فترة راحة، تقليلاً من شأن تلك الإنتهاكات الفظيعة وكأنها إستعادت كاودا او فعلت شئيا نبيلا بجبال النوبة لكي ترتاح!!
ويسترسل عثمان ميرغني (بعد يبدو) قائلا: "فهي قوات غير معنية باحتلال الأرض.. تؤدي مهام التحام قتالية مباشرة تستهدف كسر شوكة التمرد.. وتتحرك بسرعة إلى موقع آخر دون الاهتمام بتحرير الأرض والمحافظة عليها". في دارفور تحديداً أين إلتحمت هذه القوات بالتمرد؟ ما نعلمه من أهلنا بالقرى والبوادي، ومن تقارير دوليه أن ممارسات قوات الدعم السريع تتمثل في حرق القرى ونهب المواشي والممتلكات وممارسة العنف ضد المرأة. والحقيقة التي أراد الأستاذ عثمان لي عنقها، أن قوات الدعم السريع تستهدف مواطني القرى والبوادي في الهامش وليس كسر شوكة التمرد.
ويبدو أن الأستاذ عثمان نصب نفسه أستاذا على زملائه الصحفيين، وقدم لهم النصح بعدم التصفيق للمسئوليين ونسي نفسه، فطالما أنه لم يقم بتغطية خبرية للمؤتمر الصحفي لقادة الدعم السريع، عليه إن اورد إفادة وهو ليس مقتنعا بها أن يوضح رأيه للقارئ، وإلا يعتبر الإكتفاء بالسرد إستحسان ضمني منه، كان ذلك في حديث المدينة أو حديث البوادي، فقد نقل عن اللواء عباس عبد العزيز قائد هذه القوات أنها من الرعاة وبالتحديد من غرب السودان، واورد على لسانه في ذيل مقالته " بل ولمزيد من تأهيل هذه القوات فرض عليها دور إنساني في إصلاح محطات المياه وتقديم الغذاء والدواء للسكان في المناطق التي يعبرونها". السؤال الذي يطرح نفسه هل هذه القوات كتائب من سلاح المهندسين والنقل الميكانيكي أم من الرعاة؟ وهل كانت محطات المياه بالهامش معطلة في إنتظار قدوم هذه القوات؟ ومتى شبعت هذه القوات لتجود على الأهالي بالغذاء، ومتى تعافت من جراحاتها لتقدم الدواء لمرضى الهامش؟
ولمعلومية الأستاذ عثمان، عندما إضطرت سلطات شمال كردفان لتطردها، وخلال مسيرتها إلى دارفور مارست قوات الدعم السريع ابتزاز سافر لمحافظي المدن التي مرت بجوارها إبتداءا من مدنية النهود وغبيش واللعيت جار النبي والطويشة، إبتزت سكان هذه المدن بإرسال المؤن والضيافة لها خارجها وإلا تعرضت لما لم يحمد عقباها، والرأي العام تابع كيف ان زملاء جرحى هذه القوات التي تم إسعافها من جنوب كردفان، كيف أنها "رمت" المرضي من اسرتهم وإحتلتها بالسلاح الطبي، ويأتي قائدها ليتحدث بعنجهية عن دور إنساني لها، ويصدقه الأستاذ عثمان ميرغني ويروج لترهاته!!!
التقارير الحية تؤكد أن قوات الدعم السريع، قامت مؤخراً بتدمير المرافق العامة بمناطق شمال الفاشر ودونكي بعاشيم وأنكا شمال كتم، وأن المقتنيات الخاصة بالأهالي ومواشيهم تم بيعها علنا بأسواق مدينة مليط، وقائدها يتحدث عن دور إنساني لها؟ والصحافة المركزية تسوق للناس هذه الأوهام دون تمحيص.
وفي ابهي التجليات الدعائية للأستاذ عثمان ميرغني عن قوات الدعم السريع قوله: "يبدو أن الدولة اختارت مبدأ (داوني بالتي كانت هي الداء) في التعامل مع الفصائل المسلحة .. فقوات الدعم السريع تستخدم نفس تكتيك التمرد.." مثل هذا الكلام افضل منه التصفيق الحار بالأكف والوجدان، وليس مستبعدا ان قائد هذه القوات قد إتصل علي رئيس صحيفة اليوم التالي أو زاره في مكتبه ليقول له "ما قصرت"، لأن مثل هذا الكلام لا اظن أن قائد هذه القوات قد نجح في توصيله للصحفيين، إن هذا الدور الذي يقوم به الأستاذ عثمان ميرغني بصورة ناعمة لهو مكمل لما يضطلع به الاستاذ حسين خوجلي في يومياته والمتمثل في خلق مصوغات اخلاقية لممارسات اركان الدولة الفاشلة.
لم نتوقع من رئيس صحيفة اليوم التالي الاستاذ عثمان ميرغني أن يكون محايداً بين اجهزة نظام الإنقاذ والثورة المسلحة في اطراف الهامش، وهو الإبن الشرعي للحركة الإسلامية، ورغم عذرنا له، تظل الأسئلة التي طرحها الأستاذ عثمان شبونه في مقالته "كرامة يا عثمان ميرغني" تظل مشروعة تحتاج لإيضاحات، وكذلك الإستفهامات الكبيرة التي أشار إليها الاستاذ متوكل موسى في مقالته (عثمان ميرغنى..أأنتم صحفيون أم هتيفة؟) تظل منتصبة إلى أن تجد الإجابة المنطقية.
ونقول له يا استاذ إن كانت هذه "جنس" كتاباتك، احسن منها التصفيق الصفق.
———————–
إبراهيم سليمان
ebraheemsu@gmail.com