ولاية المحكمة الجنائية الدولية على دارفور مُستمرَّة وليست ملفاً للتفاوض

بقلم: عبد العزيز عثمان سام
11 فبراير 2020م
صرح قبل قليل الأستاذ محمد حسن التعايشى عضو مجلس السيادة السودانى والناطق بإسم وفد حكومة السودان الإنتقالية لدى منبر مفاوضات دارفور بجوبا جنوب السودان، متحدثا عن سير المفاوضات فى مسار دارفور، وقال:
. فى مسار دارفور، اتفقنا على تسليم المتهمين لدى المحكمة الجنائية الصادر بحقهم أوامر توقيف (قبض)، وكرر هذه الجملة عدة مرَّات (المتهمين الصادر فى حقهم أوامر قبض). بمعنى أن الاتفاق لا يشمل المتهمين الذين لم يصدر ضدهم أوامر قبض حتى الآن أو لا يشمل ولا يلزم الأطراف بتسليم (المتهمين الذين ستصدر فى مواجهتم أوامر قبض لاحقاً)؟،
. والقرار 1593 لسنة 2005م الصادر بتاريخ 31 مارس 2005م من مجلس الأمن بالأمم المتحدة أحال الإختصاص فى الوضع فى إقليم دارفور منذ 1 يوليو 2002م إلى المدعى بالمحكمة الجنائية الدولية، وثَّبت هذا القرار مسائل مُهمَّة يجب أن يلتزم بها الجميع، وهى:

  1. اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فى دارفور منذ 1 يوليو 2002م يعنى إحالة الإختصاص الجنائى للإنتهاكات التى ارتكبت فى دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية فى لاهاى- هولندا. ويعنى ذلك أن الأجهزة العدلية السودانية غير مختصة البتَّة فى هذا الأمر الذى أحيل للمحكمة الجنائية الدولية،
  2. كل الإجراءات القانونية والقضائية التى باشرتها الأجهزة القانونية والقضائية السودانية فى دارفور منذ تاريخ 1 يوليو 2002م باطلة وصادرة من جهات غير محتصة لأن الإختصاص قد أحيل للمحكمة الجنائية الدولية فقط، خاصة الجرائم والإنتهاكات التى أرتكبت خلال عمليات عسكرية وحربية إنتهاكاً للقانون الدولى الإنسانى المضمَّن فى قانون نظام روما 1998م جرائم الجونسايد والتطهير العرقى وجرائم الحرب والعدوان، هى جرائم غير مضمنة فى القوانين السودانية وقت إرتكابها فى دارفور، وبالتالى المحاكم والنيابات السودانية غير مختصة بنظرها، لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانونى وقت إرتكابها، بالتالى الإجراءات التى قامت بها الأجهزة السودانية باطلة Null & Void
  3. ولأن قرار إحالة الوضع فى دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية هو قرار صادر من مجلس الأمن بالأمم المتحدة فلا يجوز لأى جهة تجاهلها أو تحديها أو تعديلها أو القيام بأعمال موازية لها لأن الإختصاص إنعقد للمحكمة الجنائية الدولية،
  4. موضوع أن إختصاص المحكمة الجنائية الدولية تكميلى Complementary للإختصاص الجنائى الوطنى غير وارد فى حالة دارفور لأن الإحالة تمَّت من مجلس الأمن فى إطار ممارسة واجبه فى حفظ السلم والأمن الدوليين عندما تعرضتا لإنتهاك جسيم فى دارفور من حكومة السودان، وأن الإختصاص التكميلى الوطنى قد إنتفى لأن مرتكب الإنتهاكات هى حكومة السودان نفسها وقد تورَّطت فى قتل أهالى دارفور وإبادتهم وحرقهم والتنكيل بهم. ويعنى ذلك أن الإجراءات القانونية والقضائية التى قامت وتقوم بها الأجهزة العدلية السودانية هى مجرد تعمية وتغبيش للوعى وأن الحكومة تلعب دور الخصم والحكم فى آن، والنتيجة أن الأجهزة العدلية السودانية مكنت كل الجناة من الإفلات من العقاب، لأنها لا ترغب وليس لها القدرة على محاكمتهم فمات نتاج ذلك نصف مليون مدنى فى دارفور.
  5. لا يحق لحكومة السودان الانتقالية والحركات المسلحة التى تتفاوض فى منبر جوبا أن تتفاوض حول المسألة الجنائية والعدلية فى دارفور منذ الفاتح من يوليو 2002م لأن ذلك ليس ملفاً للتفاوض ولكنه إختصاص وولاية المحكمة الجنائية الدولية، ومعلوم أنَّ أعمال القضاء محجوبة عن التناول بالتفاوض والمناورة السياسية،
  6. حكومة السودان الإنتقالية كسلطة واقعية قائمة De facto Government من أوجب واجباتها الإمتثال للشرعية الدولية وتسليم المطلوبين للعدالة الدولية دون قيد أو شرط، ودون تعريض القرارات الدولية للإزدراء والمناورة والإبتزاز السياسى، كما كان يفعل سلفهم.
  7. على حكومة السودان بأجهزتها المختلفة مجلس سيادة ومجلس وزراء، أن تختار خياراً من إثنين: تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، أو رفضها ومقاومتها كما كانت تفعل حكومة عمر البشير الذى هو فقط فخلفه شيعته يحكمون السودان من أعلى إلى أسفل،
    لما تقدَّم نقول الآتى:
    . ما اتفق عليه أطراف التفاوض اليوم فى جوبا مسار دارفور باطل، لأنهم تناولوا أمراً خارج إختصاصهم تماماً. وأن يعلموا يقيناً أنَّ تسليم المتهمين المطلوب القبض عليهم وتقديم العون الكامل للمحكمة الدولية لإنجاز ولايتها الجنائية فى دارفور هو واجب وفرض عين على أى حكومة سودانية، ما على حكومة السودان إلا التنفيذ الحرفى الكامل لطلبات وأوامر المحكمة الجنائية الدولية دون إبطاء أو إلتفاف ومناورات سياسية،
    . آليات تنفيذ العدالة التى اتفق عليها أطراف التفاوض فى مسار دارفور لتحقيق العدالة كلها باطلة لما أوردنا أعلاه من أسباب، لأن حكومة السودان لا اختصاص ولا ولاية جنائية لها على دارفور. والإختصاص للمحكمة الجنائية الدولية،
    . “محكمة جرائم دارفور” التى شكَّلها عمر البشير رئيس حكومة السودان والجانى الأول أنشأها لتحدى ومقاومة قرارات الشرعية الدولية، وهى محكمة بلا إختصاص وإجراءتها والنيابة العامة التابعة لها باطلة لعدم الإختصاص، وأحكامها وإجراءاتها كأن لم تكن،
    . حديث الأستاذ محمد حسن التعايشى عضو مجلس السيادة والناطق بإسم الوفد الحكومى بتسليم المتهمين المطلوبين للمحكمة الجنائية “الذين صدرت أومر قبض فى حقهم” هو تصريح حق أريد به باطل. وبمفهوم المخالفة يعنى أن الذين لم تصدر أوامر قبض فى مواجهتهم بعد لن تسلمهم للمحكمة وفق هذا الاتفاق.
    . والصحيح وبدون إلتفاف أن يقول الناطق المحترم: إتفقنا على أن جمهورية السودان ملتزمة مطلقاً بتنفيذ القرارات الدولية الصادرة من أجهزة الشرعية الدولية دون قيد أو شرط أو مساومات سياسية، وملزمة بتنفيذ جميع طلبات وأوامر المحكمة الجنائية الدولية. وإن لم تفعل ستظل دولة مجرمة ومارقة على الشرعية الدولية لا تستحق إى تعاون أو معاملة كريمة،
    . والنائب العام السودانى يقتصر إختصاصه فى دارفور على الجنايات الواردة فى القانون الجنائى السودانى 1991م، وليس الإختصاص الجنائى لقانون نظام روما، والقانون الدولى الإنسانى أو قانون الحرب، فذاك إختصاص المحكمة الجنائية الدولية وإدعائها العام،
    . وعلى الأطراف السودانية المتفاوضة فى جوبا أن تعرف الملفات القابلة للتفاوض ولا تتجاوز إختصاصها وسلطتها، فأى شئ يخص عمل المحكمة الجنائية الدولية فى دارفور يقع خارج نطاق التفاوض، والسودان أو أىِّ دولة عضوة فى الجمعية العامة للأمم المتحدة هى سلطة ضبط إدارى لتنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية دون تعطيل أو أعتراض أو تسويف،
    . لذلك، على الأطراف المتفاوضة فى جوبا التركيز على ما يخصهم ويهمهم من إقتسام سلطة وثروة وترتيبات أمنية توقف الحرب وتسرح أرتال الجيوش التى تحتل السودان منذ 1925م وتأكل كل موارده وتشعل الحروب لتبرر وجودها،
    . وأخيراً:
    . قرارات الشرعية الدولية واجبة النفاذ الفورى، ومُحصَّنة من التناول بالنقاش والتفاوض، ، ولا تحتمل التبعيض بأخذ أجزاء منها وترك أخرى،
    . لذلك، أجد أن الاتفاق الذى تم اليوم فى منبر جوبا مسار دارفور خالفها التوفيق تماماً لأن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية واجب حتمى، وطالما أن أوامر القبض قد صدرت من المحكمة الجنائية الدولية منذ 2007 و2009 فلا يستساغ من حكومات السودان المتعاقبة أن ترفض أو تتلكأ فى تنفيذها أو تتفاوض عليها مع خصومها السياسيين حول تنفيذ تلك الأوامر القضائية.
    . ثم أن الحركات المسلحة التى تفاوض الحكومة لم تصدر أوامر القبض الصادرة ضد البشير وهارون وكشيب واللمبى، وآلالف القرارات التى ستصدر تباعا ضد كل الذين قتلوا وأبادوا وحرقوا الأبرياء فى دارفور بعد تسليم القطيع الأوَّل من غلاة القتلة، فكيف تتفاوض الحكومة الانتقالية مع حركات مسلحة فى قرارات صادرة من الشرعية الدولية وتختص بتنفذها محكمة الجانايات الدولية؟، هذا خطأ يجب عدم الوقوع فيه مرَّة أخرى،
    . وهذا تفاوض فى غير موضوع، وعلى حكومة السودان تسليم المتهمين فوراً والسماح للمحكمة الجنائية الدولية بدخول السودان واستكمال مهمتها التى لن تنتهى حتى تكمِل مهمتها بمحاكمة كل من إرتكب تلك الفظائع ضد أهلنا العزل فى إقليم دارفور,
    . وما دون ذلك حرث فى البحر وعواء فى خواء لا يجدى لرفع إسم السودان من قوائم رعاية الإرهاب ولا يوفر لها مناخاً يمكنها من الحصول على معاملات مالية لفك أزماته الطاحنة،
    . ولتعلم حكومة السودان أن الكيزان ما زالوا يتحكمون فى مفاصل السودان كما فيروس كرونا فى تلك المدينة الصينية، أطردوا الكيزان من مفاصل الدولة يخلو لكم وجه المجتمع الدولى والمانحين.

السنوسي … فتنة المزايدة الجريئة بالتدين

المزايدة الابتزازية، أو الابتزاز المتزايد، هو جوهر كفاح الأخ المسلم في الحياة. ولئن صلح إبراز تميزه الديني عليك فذلك لتعتق مزايداته، وابتزازه الديني. والعكس سليم. وكوزنة السنوسي الطقسية الروحية، إذ هي حريصة على التعالي عليك بتدينها، لا بد أن صاحبها يحسسك بكتفه بأنه موجود بأفضل منك في صف الصلاة الأول. فأنت هنا أقل مرتبة منه في حيازة الموقع حتى إن جاء ليجدك في المقدمة. فالسنوسي زادها حبتين، على حد قول شهود العيان. 
وهذه الزيادة ضرورية، ذلك حتى نعرف الفرق بين تصوفنا السودانوي النابع من طبيعة الشخصية السودانية وبين تصوف الكوز المستورد. والحبتان اللتان لن تنبلعا من تصرف السنوسي عند تشاجر حرسه مع أحد غمار العابدين في حادثة مسجد السيدة السنهوري تكشفان عن مزايدة دينية ليس سواها. فهو إذ هو في خصيصة أمره.
إنه يموضع نفسه، مسبقا، بأنه أفضل من ذلك الشاب حين نأتي لأمر أحقية الوقوف خلف الإمام الرئاسي، أو شيخ الزين. وحجته أنه حافظ لكتاب الله. وببساطة، هذا يعني أنه ليس في الصف من هو أقدر على تقويم الإمام إذا أخطأ افتراضا إلا هو الحبر الأعظم. أي أن الصلاة السنوسية تحمل في قلبها قلما أحمر، ولا تسلم كل حواسها لله. وبمعنى الكلام فإن أيا كان من هو على يمينه، أو يساره، فهو مجرد مصلٍ خالي الوفاض، مكانه في الوراء جوار الحريم، ربما. عندئذ يبقى الموضوع عند السنوسي أنه لا بد أن تراعي هذا الجناب الديني العالي يا شاب، ويا كهل. 
فالمكان محجوز له استباقيا، إن تقدمك فله، وإن تقدمته فلا مناص من أن تعود القهقري خلف أبناء السبيل، الواقفين جوار الشباك. وإن جادلت السنوسي هنا برفض إخلاء مكانك له حتى سُمِع الهرج، والمرج، أثناء إقامة الصلاة، فلا بد أن تعتذر له بعد التشهد الأخير لتصرفك الذي ما من الإسلام في شئ، حتى إن أخليت المكان.! 
الحقيقة أن مزايدة السنوسي في إعلان أحقية تصدره لقائمة الصف الأول في الصلاة جزء من إستراتيجية الإسلام السياسي. فمنذ حادثة شوقي وملابسات ندوة معهد المعلمين يزايد الإسلاميون، ويبتزون دينيا، في ساحات السياسة حتى ختموا الخمسين عاما من عمرنا بختمهم الاستراتيجي هذا. أي ختم "التدافع" بالمزايدة، والابتزاز، حتى يرهبوا عقولكم، ثم تلين قناتكم، فيستأسدون عليكم نكالا لاستجابتكم. وما يفعله د. الجزولي هذه الأيام هو من شاكلة ابتزاز السنوسي الروحي. فالدكتور، من خلال ابتزاز زملائه بخصوص التوقيع على اتفاقية "سيداو"، إنما يكشف عن ابتزاز كيزاني – كيزاني صرف. له ما بعده. 
وإستراتيجية الجزولي منذ أن ظهر، من غير ميعاد، في الساحة هي المدافعة، أو قل المدافرة، بالابتزاز الحامض، والمزايدة اللزجة. لا يتقدم على محاوريه بالحجة، أو السعي لاستفهام الأشياء منهم، أو اكتشاف مصدر خطأ الرؤية، وإنما يصدر دائماً تطرفا لدواعي الممايزة البراميلية الصوت. أما حين يزايد الجزولي على الحكومة فإنها تعتقله بحرج، ثم تفك أسره، ثم يضاعف ابتزازه مرة أخرى حتى تعيد اعتقاله. 
إنه يأخذ أكثر المواقف الدينية تطرفا حتى يبقى إسلام الحكومة مخملياً، وهاهنا فإنهم يتجرعون كأس ابتزازهم الذهبي للمهدي، والميرغني، اللذين ظلا يعانيان الابتزاز بأنهما علمانيان منذ الستينات حتى يستجيبا، وقد فعلا بنهج الصحوة، والجمهورية الإسلامية. 
ونحن نعرف ما قبل ذلك أن الحزبين لم يكشفا عن استراتيجية لأسلمة السياسة، ناهيك عن الدولة. فالسيدان أوكلا أمر السياسة للخريجين الغردونيين. إبراهيم أحمد، والمحجوب، وَعَبَد الحليم، لما خَص توكيل عبد الرحمن المهدي. أما الأزهري، وأحمد خير، والفضلي، لما خَص توكيل علي الميرغني. 
لقد نجح الإسلاميون في ابتزاز قادة أحزابنا الرئيسية، وزايدوا عليهما حتى تعالوا عليهما بالموقف الابتزازي ضد كل خطوة لتفسير الدين. هذه الشفرة الانتهازية الموشاة بالابتزاز لم يكتشفها أعتى مفكرينا، ولذلك تجدهم يصدقونهم بأنهم يشاركونهم في حل المربوط. للأسف. 
حين ترى السنوسي خلف الإمام وهو يحمل مصحفا، ويهمهم بصوت دون سائر المصلين، ويصدر حركات، وتمتمات، فإنه يحسسك بأنه برنجي الصف. ومهما بلغت نواياه في هذا الضرب من "الروحنة" إلا أنه يصدر تصرفا ناشزا من النوع الذي ربما يصفه الوهابيون ببدع الضلالة. فما حاجة السنوسي لهذه الدراما الروحية سوى للتمييز وسط المصلين. ولو أنه عبد الله حق تقاته فما له من حاجة لإبداء التميز هذا لمن يجاورونه من عباد الله الذين يصلون خاشعين. ولكنها المزايدة الشكلانية التي تجافي ظاهر حياة السنوسي. فهو بنهج معاملاته لا يتجوهر إلا كإنسان ضعيف أمام الجاه، والمنصب، وفي تاريخه الكثير من الموبقات. ولو أن حركاته البهلوانية خلف الإمام هي تعبير مثقل بالندم على هذا التاريخ الموشى بالدم فما هكذا تورد الأبل في أحد مساجد الدرجة الأولى.
لا شك أن السنوسي عنصر أساسي في تجربة الدم، والدموع، التي أفرزتها الحركة الإسلامية بكلفة عالية. ولا يكفيه هذا التدين الشكلاني لخلق تسوية متزايدة مع خالقه بهذه الصورة المتهافتة أمامنا. فلو كان الدين المعاملة فلا بد أن يحرص على أن يتواضع بنفسه وسط المصلين، لا أن يميز نفسه المتعالية عنهم. فلو أن الله يكافئ مصلي الصف الأول، والأخير، بقرب نفسهما منه فعندئذ فلا معنى للاشتجار ما دام قلب العبد يتعمر بالخشوع أينما جلس في المسجد. وإذا كانت النساء تصلي خلف الرجال، كما درجت سنة الدين، فهل بذلك تزداد حسنات السنوسي بأكثر من العابدات القانتات لمجرد أنه يتقدم صفوف المصلين الذكور؟. 
إن الحادثة لا بد متصلة بطبيعة التدين الشكلاني الذي غدا يسيطر على مظهر السلطويين بينما تغيب الاستقامة في بقية حيواتهم. ولو أن هناك مساجد باتت طبقية بحيث أن تحتوي أثرياء المرحلة دون فقرائها، وتُحجز لهم فيها مواقع محروسة بالطبنجات، فإن تصرف السنوسي تعبير طبيعي لتدين يُعلي من إبراز مظاهر الشعائر في وقت يحط من قيمة التعاملات. ولهذا بقي كل تركيز السنوسي في ذلك اليوم شعائريا بشكل متزايد أكثر من كونه روحانيا يلجم نفسه الأمارة بالاستعلاء الديني. فمثله كان يظن، بغير إثم، أنه غير مؤهل ليواسي نفسه مع هؤلاء المساكين الذين يجلسون في الصف الثالث، مثلا، والذين هم مثلي، ومثلك. وإذا كانت قناعة هذا المصلي الرئاسي أنه دخل المسجد سواسية مع الداخلين لفضل الجلوس في آخر الصف دون أن يثير هذه الضوضاء. ولا بد أنه لو فعل ذلك لكافأه الله بأجر نيته، وبأجر تواضعه، وبأجر احترامه لحرمة المسجد، وبأجر تفضله لهذا الشاب أن يحصد حسنات قدومه المبكر. 
أما تبريره بأنه لا بد أن يحوز على مكان في صف المقدمة لكونه دأب على ذلك بنية تصحيح الإمام إذا أخطأ فهذا عذر أقبح من الذنب. فمن ناحية لا نعلم بمسجد تحجز صفوفه الأولى إلأ في عصر هذا التدين الشكلاني الكافوري. ومن ناحية أخرى يتقبح العذر أكثر حين يعتقد السنوسي بتبريره أنه الوحيد الذي يخول له إبداء هذا التقويم، ومعنى ذلك أنه يتصور أنه في حال غيابه سيكون مكانه شاغرا ما يعني أن الصف الأول يفتقده عند الليلة الظلماء. وعلى كل حال، ذلك هو مقام الشياخة الذي يوزع كما صكوك الغفران بينما فراغ الروح الديني، والإنساني، هو ما ارتبط بمن نالوا هذا المقام زورا، وبهتانا، وخيلاء. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

صلاح شعيب

دولتان في السودان: واحدة غنية للإخوان، واُخرى فقيرة للمواطنين


أكثر شي نجح فيه الترابي أنه ثأر بانتقام حاد لسقوطه في دائرة الصحافة/جبرة. فتحالف كل القوى السياسية الممثلة للشعب السوداني كان قد أسقطه بعد أن أسفر الإجراء الانتخابي عن فوز حسن شبو نائبا برلمانيا عن الحزب الاتحادي عام ١٩٨٦. ويومذاك تمايزت الصفوف، إذ كان السودان كله في صف، والجبهة الإسلامية القومية في صف آخر. سقط الترابي بالقاضية، ثم تجرع بجانب تلامذته علقم الهزيمة. ولكنه سريعا واسى نفسه بابتسامة صفراء، ثم قال مخاطبا تلاميذه إن معسكر الكفر لن يهزمه، وأن الله متم نوره. 
ولذلك سهل له هذا الحكم الفقهي المخاتل بأن يكذب على السودانيين حين آلت إليه السلطة. ورغم تشديد الفقه الإسلامي عبر أحاديث متنوعة على عدم جواز كذب المسلم سوى أن أمر  كذب الترابي انطوى إما على مفارقة بينة لأصول الدين، أو تكفيره السودانيين، اعتمادا على فقه شيخه حسن البنّا الذي قال "إننا نعلن في وضوح وصراحة، أن كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهج ولا يعمل لتحقيقه؛ لا حظَّ له في الإسلام". الرسائل (ص: ٨٦).
وهكذا استند الترابي على حكمه التكفيري ليحلف بالقسم أنهم ليس لهم علاقة بانقلاب البشير، كما قال للحياة اللندنية. وكانت علامة كذبه الثابت دخوله السجن بإرادته للتمويه. هذا الثأر الدفين نحو هزيمته النكراء من قوى السودان السياسية الجامعة منح الترابي طاقة حقد إضافية لإهانة السودانيين جميعا إلا من خضعوا عبيدا لدولته. إذ وضع حجر الأساس لدولة الإخوان المسلمين التي ترث الدولة التي ربطها كتشنر ببعض أعمدة الدولة الحديثة، وتتركها مجرد هياكل، على أن يحكم القدر على من فيها، ثم يتم تدجين الأجيال الجديدة. 
وإذا أمعنا النظر فإننا لا نجد في العالم الإسلامي إلا نظامين ضمنه يستخدمان نهج (دولة أيديولوجية داخل دولة): إيران وتركيا. فغالب الشعب الإيراني يحيا في الدولة التاريخية بكل مواريثها، متمسكا بثقافته، ويعارض توجهات دولة الملالي الاستبدادية. أما تركيا فقد تحولت بعد الانقلاب الأخير ضد النظام إلى مرحلة التمكين للدولة الأردوغانية. وفِي كلا الدولتين انقسم المسلمون إلى مجتمعين بينهما ما صنع الحداد. 
فالمجتمع الأول يغنم الدولة، ويخصخصها للموالين، والآخر يعيش على فتاتها، كما هو شأن دولة الإخوان التي نبتت، وأثمرت في دولة السودان وضعا لا مثيل له في الدنيا. وبالنظر إلى جوارنا فإنه لولا السيسي لكرر إخوان مصر التجربة السودانية، أو الأيرانية، خصوصا أن مرسي مهد للتمكين بقراراته الاخيرة التي أرادت تجيير السلطة القضائية له بعد أن سيطر تنظيمه انتخابيا على السلطتين التشريعية، والتنفيذية.
إخوان بلادنا استثمروا في عدد من تناقضات الظاهرة السودانية المشكلة أصلا عبر ثلاث مراحل. حين بدأوا تأسيس دولتهم ضربوا معاقل الذين يخالفون أيديولوجيتهم في جهاز الخدمة المدنية. وحين اختلفوا استثمروا جميعهم في التناقضات الجهوية، وذهب كل طرف ليتقوى بالإثنية. وحين لاحت تحديات التمكين استثمروا في الحوزات الإقليمية، والقارية، والدولية.
ونتيجة لاستنزاف مغامرات الإخوان ذات الكلفة الدموية، والمادية، لخزينة الدولة أفضوا بنا إلى وجود نظامين في دولة، أو دولتين في نظام، سمه كما شئت. فهناك نظام دولة داخلي يتعهده أنصار الإخوان بميزانية متكاملة الدسم. إذ توظف الموارد لكل عضوية الحركة الإسلامية فيما يسير نظام الدولة القديم بميزانية شحيحة للصحة، والتعليم، بنسبة أربعة من المئة، فيما يصرف القليل على أمن المواطن، وتنميته، مقارنة بالمبالغ المرصودة لأمن النظام، وتنمية استيطانه. وكذلك يتم في الدولة القديمة تآكلا في كل نظمها الاجتماعية الموروثة، ويترك مواطنها نهبا للضياع في الداخل، أو يتم نبذه إلى مكان قصي في الخارج.
وحينئذ تلحظ أن للأخ المسلم، والأخت المسلمة، امتيازا على مواطنيهما. فالصراع حول الوظائف الإدارية، والدستورية، والكفاح في مجال الاقتصاد، والتجارة، والاستثمار، إنما يدور حولهم. إذ هم يفضلون بعضهم بعضا، تاركين هامشا من التوظيف للمهنيين الذين لا يتورطون في مساءلتهم عن شرعية حكمهم. وفي جانب يشقون صف زعامات الإدارات الأهلية، ويستقطبون الانتهازيين منهم. 
وفِي ظرف عقدين تقريبا قوضوا الطبقة الثرية، والوسطى، وصاروا هم أصحابها، وحلت محلهما طبقتان جديدتان قوامها أشخاصهم، والذين يخدمونهم مجبرين، أو متطوعين لحيازة النفوذ، والثروة. وتلك الطبقية قادتهم إلى تأسيس جامعات، وجوامع، ومستشفيات، ومطاعم، ومنتزهات، تفي بحاجة الأثرياء بجانب طبقة أخرى في منزلة أدنى من ملاك الأراضي، والشركات، ولكنها أعلى بمسافة من الطبقة الوسطى. وداخل هاتين الطبقتين تتم المصاهرات بشكل باذخ، بينما تتكاثر حظوظ الفرد في الزيجات.
-٢-
في دولة الإخوان الإسلامية – العربية تتوفر ميزانية متكاملة لكل شئ. أما في دولة السودان العريض فيعايش الناس المسغبة، والجوع، والمرض، والهجرة. ولولا تحويلات ملايين السودانيين المهاجرين لذويهم، وأصدقائهم، وتبرعاتهم، لساء الحال أكثر فأكثر.  وبينما تدعي قلة قليلة من المهمشين الإسلاميين أن المشروع قد تم اختطافه، رغم نجاحهم الباهر في بناء دولة إخوانية طفيلية داخل دولة السودان، هي كل هدفهم، فإن غالبية الإسلاميين يمسكون بمفاصل الدولتين لا بد. فئة منهم معنية بتدعيم التمكين لدولتهم العميقة. وفئة أخرى مفرغة تماما لتدمير دولة السودان، ومحو تاريخها، عبر عمل إعلامي، وتربوي، مكثف يهدم طبقات تاريخ الحركة الوطنية الثوري، والتعدد الثقافي، والنسيج الاجتماعي داخل الإقليم، والنسيج القومي بشكل عام. ومن ناحية أخرى يسهم جهاز الأمن في إفساد المتحقق النسبي لبلورة قومية سودانية عبر إثارة الفتن العرقية بين المكونات السودانية، حتى إن بعضا من كبار المثقفين في المعارضة سقطوا فريسة سهلة لإعلام هذه الشيطنة الإخوانية للآخر، وانضموا للسلطة بدافع أنها تمثل خط الدفاع الأخير عن مكتسبات مكون الوسط النيلي. 
ذلك برغم أن الإخوان المسلمين هم الذين أعدموا خيرة أبناء هذا المكون في الجيش، والنقابات، وأحالوا عشرات الآلاف للصالح العام، وعذبوهم في المعتقلات، وضايقوهم اقتصاديا، وتجاريا، ونهبوا أراضيهم، واستثمروا فيها مع المافيا العالمية، ودمروا مشاريع زراعية، وخدمية، وعلاجية. وشملت حملة تطهير مكونا ضخما من نخبة الوسط النيلي القادة السياسيين، والمثقفين، والأدباء، والفنانين، والمسرحيين، والنقابيين، والمعلمين، والدبلوماسيين، والأكاديميين، إلخ. بل إن الإخوان المسلمين هم الذين سعوا لتدمير تاريخ الرموز الإصلاحية في المركز، والذي بذل فيه الشرفاء من أبناء مكون الوسط النيلي دورا في نشر التعليم في قطاع واسع من السودان، وخلقوا التنوير الفكري، والديني لتحقيق تطلعات السودانيين في إرساء دولة الديموقراطية، والعدالة، والمساواة بجانب بقية الشرفاء المنتمين لجهات السودان، وهم دعامة الكتلة التاريخية التي تنشط في المعارضة اليوم لإقامة هذه الدولة على أساس راسخ من الحرية، والتسامح، ومحاسبة مجرمي النظام.
-3-
هذا الرهان على العرقية لاستقطاب دعم إضافي لأيديولوجية الإخوان هو بالضبط جزء من لوازم فكرة التنظيم القائمة على ضرب المكونات الإثنية بعضها بعضا في الدولة القديمة التي أسقطوا عليها فكرهم، وتعينهم في ذلك ترسانة من الفتاوى المتداولة بينهم. وذلك في سبيل إقامة هذا المشروع الحضاري الذي كان لا بد أن ينتهي إلى مشروع رأسمالي طفيلي، ارتزاقي، وداعشي، هو ذاك الذي أفسد معاني الدين، وعطب حركة استقرار الدولة. ومن ناحية أخرى فإن انغلاق فكر الإخوان المسلمين الذي انعكس على قيادة التنظيم، وعضويته، كان لا بد أن يجد في فقه القتل، والاغتصاب، والفساد، والفتن، مبررات لاستدامة دولتهم الإسلامية المزعومة التي تناقض نفسها، خصوصا بعد أن تحول حراك الإخوان وهم يقبضون على روح الدولة القديمة إلى شبكة من العلاقات التجارية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإعلامية. وفي هذا لا يعنيهم التدهور الحادث في بنية الدولة ما دامت دولتهم الداخلية متماسكة، وقادرة بالاستبداد أن تقهر ملايين الرجال، وتجلد عشرات الآلاف من النساء. 
وهذه الشبكة العنكبوتية المنظمة لحيوات الإخوان هي قوام دولتهم التي لديها نواميسها، وترقياتها، ومصاهراتها، وتسهيلاتها النقدية السرية، وصراعاتها الداخلية، وانتخاباتها، وقضائها الداخلي "التحللي" الذي هو محجوب عن رعايا دولة السودان. فتجنيب بعض مال الميزانية المبتدع داخل مؤسسات الدولة لا يساوي مثقال ذرة من الأموال المنهوبة كل يوم لتغذية شركات الحركة الإسلامية التي اعترف بها مؤخرا أحد قادتها. فهناك عشرات الآلاف من الشركات الظاهرة، والمستترة، بأسماء الإسلاميين، وأقاربهم، داخل السودان، وخارجه. وجزء منها يعود ريعه للمؤلفة قلوبهم من المهنيين في جهاز الشرطة، والجيش. أما جهاز الأمن فلا أحد يقدر على إحصاء حجم استثمار شركاته المتمددة داخليا، وخارجيا. 
علاوة على ذلك فإن هناك مشاريع بمليارات الدولارات في بلدان أجنبية يحركها إسلاميون مع شركات تابعة لإسلاميين من دول أخرى. وما هذا الجيش الجرار من دبلوماسيي الحركة الإسلامية سوى أنهم داعمون لدولة الإخوان عبر شركاتهم الداخلية، أو الخارجية، ولا يحققون للبلاد أي منفعة في ظل سوء العلاقات مع الدولة المؤثرة، والغنية، والمانحة. ومن ناحية ثانية يستنزفون بلا مهنية، أو فاعلية، خزينة البلاد دون طائل، خصوصا إذا أدركنا أن دولة السودان تخلوا طوال فترة الإسلاميين في الحكم من مشاريع زراعية، واقتصادية، كبيرة ذات عائد لعامة الشعب، مثلما كان وزراء الخارجية والدبلوماسيون السابقون يسهمون في جلبها سواء في الأنظمة الشمولية أو الديموقراطية. والناظر للاستثمارات التي جلبها الاسلاميين، فوقا عن فسادها، فإنها لم تحقق تنمية اجتماعية، أو تحل أزمة البطالة، أو تطور منطقة، كما هو حال المشاريع الإنتاجية التي ورثوها، وأنتجت قرى، ومجتمعات، وبعض تنمية عمرانية. ولو كان لشركات الاستثمار قيمة لما ستوردت البلاد الخضروات، والفواكه، والألبان!
لا منجاة للسودانيين من تشرذهم إلا تقويض بناء دولة السودان بتغيير راديكالي، وهو الحل الوحيد الذي يحافظ على وحدة أراضي السودان المتبقية. وليس هناك من قيمة لإصلاح الأوضاع في السودان في ظل نشوء دولتين، من خلالها يتذاكى الإخوان المسلمين السودانيين لاستقطاب المثقفين للاستنفاع بما تجود عليهم الحركة الإسلامية من فتات، بينما هم يدركون أنهم يخدمون دولة الإخوان وليس دولة السودان. فدولة السودان لا يخدمها إلا الشرفاء الذين يعارضون وجود نظامين بهويات مختلفة في بلد واحد.

صلاح شعيب

الثنائية المخلة: التعليم والفقر في دولة ما بعد الاستعمار

إن الإنتقال من المعلومة الي المعرفة يتطلب التعرض بالنقد للقيم الإجتماعية والثقافية، لأن التراتيبية أو الهرمية العرقية مثلا، تحدث شروخا يصعب تداركها في دورة تصمصم وتنفيذ السياسات.

Paralysis by Analysis: Education in the Post-Colonial Era By Waleed A. Madibo, Ph. D., M.A., M.Sc., International Development Expert Governance Consultant

The aim of any educational system is to create an environment that will entice people to think critically. Critical thinking constitutes a wide domain that starts from the pole of the “expert”, one that is overwhelmed by facts, to the world of the psychic, in which we tend to be seduced by stories. The former tries to investigate probabilities, the latter seeks to explore possibilities. Somewhere in the middle, we have to strike a balance, so as neither to allow ourselves to be seduced by lying weases, who masquerade as experts; nor should we allow our minds to be overridden by emotional bias.

While the West seems to have given too much weight to the domain of rational choice, the East seems to have limited itself to the world of imagination. I know that this is a bit of an overstatement, or at best an approximation of the reality. Using our wits to decide about our own destiny in life needs more than balanced intellectual and emotional faculties, it needs liberty. To think You ve to be free to think; you ve to be empowered to think critically.

Not only does the hierarchical formation of society disempowers and disenfranchises citizens, but it also creates dis junctures in the policy-making cycle, as it alienates rather align values, it makes politics conflictual rather than compromising, and it ignores the role of science in advancing the frontier of knowledge by overemphasizing rules and obligations that manifests one group's cultural and intellectual superiority. Ironically, national elites bought into this fallacy full-heartedly.

Before we could grapple well with the challenges of the Colonial Era, we found ourselves faced with the challenges of Post-Colonialism, and most recently imperialism. What sort of an educational philosophy needs to be adopted to unleash the unlimited potential of the human mind, and to make its soul worth serving the objectives of an international moral economy? How can we go beyond the paternalistic view of changing to the participatory approach of transforming? In the first we are agents, in the second we are facilitators.

The strategy of building an enlightened citizenry with collective action capacities is the basis of sustainable development. Albeit, there is nothing in the text of the SDGs that really explains how the new goals and targets for education, specifically Goal 4, will relate to all the other SDGs most of which have educational dimensions, or why “reaching the furthest behind first” makes sense where failure to deliver services is systemic, rather than on the margin of fundamentally sound education systems.

The SDGs locate education more as part of the definition of development than as a means to achieve it and fail to advance discussion of what kind of education is to be valued for what purpose?
Keith Lewin asserts that “an opportunity has been missed to dwell more on that which transforms minds, hands and hearts and offer insight into what education designed to promote development that is climate friendly, human rights respectful, and economically advantageous might look like”.

To prescribe growth as a solution is to identify underdevelopment as the absence of development. Manning Marable asserts, “Underdevelopment is not the absence of development; it is the inevitable product of an oppressed population’s integration into the world market economy and political system”. Despite slight technical differences, programs of development and poverty reduction relied on the old model of industrial growth with goals devoted to growth, specifically export-oriented growth.

This mandatory pursuit of endless industrial growth is chewing through our living planet, producing poverty at a rapid rate, and threatening the basis of our existence. To tackle the irrationality of endless growth head-on, we need to point out that capitalist growth — as measured by GDP — is not the solution to poverty and ecological crisis, but the primary cause. And we need a measure of human progress that gears us not toward more extraction and consumption by the world’s elite, but more fairness, more equality, more wellbeing, more sharing, to the benefit of the vast majority of humanity.

Genuine efforts must be exerted by Sudanese intellectuals or scholars, and their friends worldwide, to form a coalition of progressive forces, who by revising policies that have a disproportionately greater impact on one group than upon others, can develop practical solutions to resolve the dilemma of those underdeveloped and underprivileged populations. By understanding society and reinterpreting its formation, participants can design transitional reformist demands that aim not at changing the society but transforming it through the creation of logical framework or a system that is rational and humane. Only through proper education and political socialization processes can nations heal and voluntary join in a union that preserves their dignity and grants them necessary services.

auwaab@gmail.com

هل انتهى نظام الإخوان المسلمين عمليا في البلاد؟

لا يتغالط "كوزان" حول أن الأوضاع في البلاد دخلت في مرحلة حرجة جدا. فأزمة حكم الإخوان المسلمين العضوض انتهت إلى إفلاس اقتصادي ماحق اعترفت به الحكومة قبل المعارضة. فضلا عن ذلك فإن فساد الإسلاميين الإداري، والمالي، وصل إلى أعلى سقوفه. وليست هناك حاجة لرئيس النظام سوى التهديد بمحاكمة المفسدين. ولكنه هو، وزوجته، وأهل بيته، يدركون كلفة هذا الإجراء. والحال هكذا حتى رقابة جهاز الأمن توقفت عن معاقبة الصحف، والصحفيين، المتجاوزين لخطوط الجهاز الحمراء. مبروك. إنها خطوة للحكم الرشيد. ولكن هل وراء الأكمة ما وراءها. فمرة نطالع أن واليا سرق خمسة كيلو جرامات من الذهب. وتارة نطالع خبرا عن اختفاء ثلاثة وخمسين مليون يورو. ومرة أخرى تنشر صحيفة موالية تقريرا بأن شركة صينية سرقت جبلا بحاله في الشرق، وليس جملا. وتارة أخرى يحدثنا كتاب أعمدة بأن زيارات النائب الأول لمصانع السكر السرية، وأماكن أخرى، أشبه بالحرث في البحر. هذا في وقت يقول فيه الدكتور حسن مكي: "في كل بيت يوجد إخفاق واضح للإسلاميين، عنوسة وعطالة وبؤس ومرضى بلا علاج وفقر مدقع، بل المشهد أكثر سوء بسبب الميزانية الكاذبة وكله كذب في كذب، لا مجلس وطني ولا وزارة تستطيع اعادة الوزنة، الكل الآن في حيرة، والدولة مغلقة من كل الجوانب، والجميع في زمن الخلاص الفردي".
وانطلاقا من أخبار الصحف الصادرة في الخرطوم نفسها نقرأ أن هناك مصانع كثيرة توقفت بسبب الوقود، وأن موسم إنتاج بعض المحاصيل مهدد بالخراب بسبب جفاف خزانات الوقود. وتورد الميديا الحديثة أن علماء سوء يحلبون ضروع البلد لسنوات خرجوا للناس ببيان آيته الهروب من السفينة الغرقى.
وحين تشاهد حسين خوجلى في برنامجه فإن ما يميزه أنه يعض بنان الندم على ذبول المشروع. تلحظ من تعبيرات وجهه الندي حزنا، وأسى، وحسرة دفينة. وبعد أن يصلح عمامته الساكوبيس يجلد الذات الاسلاموية. ولكنه بحق، أو تذاك، أيضا يعوم القضية، ويحمل السودانيين أزمتهم الحالية. أي أنه يفرق دم الاسلاميين المراق لثلاثة عقود على أحزاب البلد.  ليس أمام الكوز من رادع أخلاقي. أما الأستاذ الطاهر حسن التوم فيتمطى في كرسي برنامجه الوثير، ويحرض ضيوفه عند حلول الفاصل الإعلاني لتعميق النقد ضد الحكومة. وليس بعيدا منهما يتذاكى الأستاذ عثمان ميرغني في عموده، ويقول بأن استقالة غندور أكسبته تعاطفا جماهيريا "هايل" على طريقة تخريجات السر قدور. أي أن عثمان التيار ما يزال حريفا ليبيع لنا الترام، ويقصد أن الشعب السوداني ما يزال مغفلا ليحتفي بصراحة غندور. بل وربما يدخل عثمان زميله غندور ضمن الذين عملوا بطولات من لدن المهدي، إلى علي عبد اللطيف، إلى الماظ، إلى القرشي، إلى سلطان عجبنا، وحفيدته عوضية، والجميلة هندوسة.
-٢- 
أما والحال عن المواصلات داخل المدن، والفيافي، فيغني عن السؤال، ولم يبق أمام المواطنين إلا العودة للدواب. وهناك تجد تواصل الولايات بعضها بعضا مهددا بالانهيار. باختصار أعيت الحيلة الحكومة، وجهاز قوش معا. بل الأخير دخل لحل إشكالات المواصلات عبر دفارات، وتراكتورات، وكوامر، أكل عليها الدهر وشرب. ولكن الصورة ستؤرخ لما فعله الإخوان المسلمون بمسلمي، ومسيحيي، وكجوري البلاد على حد سواء. وحين لحظت حالة السائقين استحضرت حالا أغنية يا السايق الفيت. ولَم يخجل قوش، وزبانيته، من أن شعبنا يستحق أحسن من هذا، إذ لا يعقل أن يرحله بعربات قديمة قدم الفيت الذي كان آية زمانه قبل خمسين عاما ..بينما قادة قوش صرحوا بأن مجيئهم للسلطة سيدني عذاب روسيا، وأمريكا، مرة واحدة.
ولا يدري المرء هل عجز أولاد قوش عن ملاحقة الإعلاميين المتفلتين، أم أنه يهيئ الملعب للانفجار حتى يرثه مع إخوة يوسف..الكودة؟. وكل الاحتمالات واردة. فربما يخرجون علينا في مقبل الأيام، أو الشهور، ببيان ينعون القصة الطويلة عن سيطرة البشير الدموي، النازي، على البلاد ضمن تمثيلية جديدة. ولا ننسى أن محايات شيخ إسحاق عن المهددات الأمنية ما عادت تجد رواجا عند الزبائن. فسكتت خزعبلاته التحليلية التي تدخله قائمة أرقام جينيس في بذل التضليل. فربما رأى أن التصالح مع نفسه ضرورة، متقفيا أثر نافع الذي أصبح وديعا وقال إنه "تحلل من كل شيء، ولا يكن للشعب إلا الاحترام والتقدير".
إن الناس جميعا في بلاد الخير أسلموا أنفسهم للمحنة بينما هناك إسلاميون يترجون الحكومة بخفة أن تفارق منطقة الصمت. أي ألا تدس رأسها في الرمال  كالنعام، وأن تخرج آن عاجلا، أم آجلا، ببيان عن اشتداد الوطأة الاقتصادية على الشعب، وفوق ذلك عن الفشل في قضاء حوائج الناس. وعندئذ يمكن أن توعد بالكذب حتى يجري مفعول التخدير مجراه الطبيعي. أما البرلمان الصوري نفسه فقد أتته فجأة الحمية للجهر بالرأي حول أزمة الحركة الإسلامية أكثر من البلاد. 
وبالنسبة للخال الرئاسي نفسه فهو ينشط في إبراء الذمة عند الساعة الخامسة وعشرين. ولا ينسى أن يذكرنا بأن الأجواء تشبه الأيام الأخيرة للديموقراطية. أي أن كلبا لو لقطها فلن يقول له: جر، كما قال الهندي حينذاك. 
كذلك تبهرنا دولة الإخوان المسلمين المعرقنة. وكذلك يسوقنا الإخوان إلى خواتيم نموذجهم في الحكم الذي لم يفصل الدين عن الدولة فقط بطريقتهم الشيطانية. بل فصلوا الدولة عن الكهرباء، والبندورة، والمواصلات، والنزاهة، والنزهة، والترفيه، والعصرية، مشروع الجزيرة، والمرتب، وصابونة الفنيك، والموانئ البحرية، والماء، والبنسلين، والزراعة، كما جاء في الواتساب. 
-٣-
وكذلك ستسير بكم هكذا قافلة أولاد، وبنات، المسلمين، كما يسميهم حسن موسى، والذين يكرهونكم العلمانية، ويبتزونكم بها، بينما هم يتمرمغون في ترابها، ويبعثون أبناءهم لهارفارد، واكسفورد، والسوربون، وليس إلى الأزهر، أو القيروان، أو حوزة البصرة، أو أم القرى. إنهم يعلمون فلذات كبدهم في أرقى بلاد العلمانية التي يحجون لها للترويح كل عام، ويلبسون من لبوسها، ويستوردون أثاثهم، ولوحات الصوالين منها. أما رأسمالهم المنهوب فيدورونه في بنوك الغرب الربوية، وهؤلاء هم إخوان العصر. فما من وسيلة يجدونها للثراء من عرق الكادحين إلا واهتبلوها. ولذلك امتصوا خيرات البلاد ثم صاروا يتفرجون من على نوافذ قصورهم على الشارع العام. ولذلك كل صيحة يحسبونها العدو عليهم.
إن عضوية الحركة الاسلامية مستعدة لإبادة شعب السودان جوعا، أو قتلا، أو موتا بالبطي عبر الأطعمة، والأدوية الفاسدة التي تنهش في صحة المرضى. إنهم لا يعنيهم أن تتسرطن البيئة، ولبن الحيوان، وثمر النبات، بمادة السيانيد بينما شركات التنقيب تدر عليهم ملايين الدولارات عبر ذهب السودان الذي نهبوه مع المافيا الدولية. إنهم لا يضيرهم في شي أن يهدروا سمعة السوداني في الخارج وألا يحققوا له كرامة عيش إلا بعد أن يستخدمونه مرتزقا في حرب تتداخل فيها صراعات مذهبية، وقبلية، ودولية، وإقليمية. ولا يهم ما دام الدفع يوطد أركانهم فإنهم جاهزون لخلع أي رداء فضيلة. وهذه هي السمة التي تميز بها حكم الإخوان المسلمين في السودان منذ أن اعتمدوا البراغماتية، أو فقه الضرورة، أو التقية، وسيلة لثراء شخوصهم، وتحكمهم على رقاب الشعب المسكين.
خاتمة المطاف أن الانتباهة واجبة لأي تحولات في واقع السودان، والذي ربما يحاول فيه إسلاميون مغامرون بعون قوش، أو جماعات من الجيش، لتدبير انقلاب صوري استباقا لأي حركة جماهيرية تطيح بنظام الإخوان المسلمين الذي يقوده البشير. ولعل كل الاحتمالات واردة، وعلى القوى السياسية أخذ زمام المبادرة لتفعيل حراكها، والالتزام بمبدأ إسقاط النظام، وعدم الاستجابة لأي دعوة من الحزب الحاكم للحوار حول أزمة البلاد، خصوصا بعد تسريبات لجس النبض مؤداها أن أحزابا تلقت دعوة في هذا الشأن. كل قرائن الأحوال تشير إلى أن البلاد فقدت بوصلتها ويحاول إسلاميون الآن الانفضاض عن سامرهم، كما قال حسن مكي للبحث عن مخارج آمنة لأنفسهم، بينما استنفد البشير كل حيل البقاء وتطوقه الأزمات من كل حدب وصوب.

الاستاذ/ صلاح شعيب

الاستثمار التنموي في السودان:(1)

(ودام الغذائية نموذجاً)

يجب أن تركز التنمية المستدامة على خلق مسار للتنمية البشرية يتيح للجميع ممارسة خياراتهم وتلبية تطلعاتهم، سواء في هذا الجيل أو الأجيال القادمة"
هيلين كلارك (مديرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)
 
هناك ثلاث أسباب رئيسية لنجاح أو تعسر اداء أي شركة في العالم. السبب الأول بنيوي يتعلق ببنية الاقتصاد في الإقليم، السبب الثاني مؤسسي يتعلق بالكيفية التي تدار بها الشركة، والسبب الثالث سلوكي يتعلق بطموح الموظفين، مثابرتهم، وعزمهم على التغلب على الصعاب، مهما بلغ الأمر.

قبل ان اشرع في التشريح، أود أن أقول أن توجه بعض الدول الخليجية، بالأخص الكويت وقطر، للاستثمار في الحزام السوداني ككل (تشاد، السودان، جيبوتي، نجير، افريقيا الوسطى … إلخ)، امر حيوي ينبأ عن افق فسيح ورؤية استراتيجية، لان هذه هي المنطقة الأغنى في العالم من حيث الموارد الطبيعة، الكثافة السكانية والموقع الجيو-استراتيجي (الإطلالة على البحر الاحمر، المحيط الاطلنطي، إلى آخره) وقد فطن الغربيون لأهميتها الاستراتيجية منذ الأزل، بيد أنهم لم يفكروا في تطوير استراتيجية تعني بالحزام إلا بعد أن شهدوا تدفق الأفارقة على سواحلهم.

لا يبدو حتي الأن إن كان هناك وفاق أوروبي أو مجرد رغبة من بعض الدول النافذة مثل المانيا فرنسا للاستثمار السياسي والحيوي في إفريقيا، لكنهم رعوا بهمة اتفاقية السلام التي أبرمت في الدوحة (وثيقة الدوحة للسلام في دارفور وقعتها الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة في 14 يوليو/تموز 2011)، كما أيدوا مبادرة قطر للاستثمار في دارفور التي تعتبر قلب الحزام السوداني. من الناحية الاقتصادية، فإن عائدات الاستثمار في اوروبا لا تزيد عن 4%، في الوقت الذي يقول فيه مو إبراهيم (البليونير البريطاني من اصل سوداني) ان عائدات الاستثمار في افريقيا، رغم المخاطر، تزيد عن 40 بالرغم عن البيروقراطية وكل العوائق الادارية.

لقد انتبهت قطر إلى أهمية تطوير واستراتيجية الأمن الغذائي فأنشأت شركة مواشي (وِدَام الغذائية لاحقاً) ووضعت استراتيجية لإنشاء ثلاث مشاريع حيوية: المقصب (المسلخ)، مشروع الدواجن ومشروع الاعلاف. ونحن نتسأل لماذا لم تنفذ هذه المشاريع رغم حيويتها رغم مضى أكثر من خمسة أعوام، علما بأن إنشاء المقصب (المسلخ)، يشمل ذلك دراسة الجدوى الفنية والتجارية، لا يتجاوز 18 شهراً. ننوه إلى هناك شركات سعودية وإمارتية، مثل الهيئة العربية للاستثمار، وحتي مصرية مثل الشركات المصرية العاملة في الحديد والصلب، سافولا، الراجحي، الخريفي، … إلخ أنشئت بعد ذلك التاريخ وحققت ارباح طائلة. بل هي الان تعتبر منتجة للدواجن ومصدرة للإعلاف.

هذا المثال الاخير، يعطيني مدخلاً حسنا للحديث عن الاشكال البنيوي في الاقتصاد السوداني نفسه والذي يركز قادته منذ أكثر من ربع قرن على حصر الخارطة الاستثمارية في رقعة معينة وتمعن في توجيه أنظار المستثمرين إليها، بالرغم عما يبديه الخبراء من تبرم يوشك ان يصل إلى درجة الاعتراض، إذ يرون أن قيمة استصلاح الأرض في الشمالية (شريحة صغيرة بطول النيل صالحة للزراعة وما عداها صحراء يباب) يفوق 4000 دولار للفدان، في حين ان قيمة استصلاح الأرض في دارفور وكردفان، ووسط السودان لا يفوق 130 دولار . لقد انتبهت القيادة القطرية إلى الميزة الاستراتيجية للزراعة في الريف السوداني، فأنشئت مصرفا للاستثمار في دارفور. بقيت هناك نقط واحدة: التنفيذ.

إن إنشاء المصرف – إن كانت ما تزال النية قائمة، التي لربما تكون قد تغيرت تأثراً بالظرف الإقليمي العصيب – يرتبط ارتباط عضوي بالرؤية الاستراتيجية والخطة التنموية التي تستلزم وضع الاستثمارات القطرية في مناطق الإنتاج. لا يعقل أن ينشأ المقصب (المسلخ) في الخرطوم أو شندي (إذ تخطط شركة زادنا حالياً في إقامة 5 سلخانات) على بعد 1500 كيلو متر من منطقة إنتاج اللحوم. لا سيما، ان قطر تسعى للاستثمار في البنية التحتية في دارفور، عليه فهي الأولى بالاستفادة من مشاريع الطاقة والطرق التي ستقام في دارفور بالتعاون مع صناديق دولية. إن طريقة تفكير النخب المركزية لن تتغير؛ فهم يستخدمون موارد الهامش لإقامة استثمارات في المثلث الاستيطاني خشية أن تنفصل الأقاليم فتضيع هذه الاستثمارات أو إنهم يريدون أن يدفعوا هذه الأقاليم نحو الانفصال فيتفرغوا للتجارة مع شمال الوادي بعد أن يكونوا قد نجحوا في إقامة سودان منسجم عرقياً. علماً بأن اكتشاف ال DNA أو ما يسمي بالحامض النووي قد فضح كآفة ادعاءات العنصريين.

لقد اتصلت بالمدير السابق لشركة ودام (مواشي سابقاً)، د. سامي بله، يوم ان سمعت بأن الشركة تتهيأ لإعداد دراسة جدوى اقتصادية لإنشاء مقصب (مسلخ) في الخرطوم، وقلت له أن الدراسة الجدوى لا تبين المسار الاستراتيجي قدر ما تحدد الخيارات الأولى بالإتباع. وجدته متفهماً ومقتدرا، لبقا ومهذبا، بل حادبا على مصلحة الشركة وطامحاً في ريادتها للمجال وحريصا على التغلب على الصعاب. يساعده في ذلك أهليته المهنية والقبول الذي لقيه محلياً وإقليمياً. لا غرور فقد نجح د. سامي بله، في إخراج الشركة (قسم السودان) من إفلاس كان موشكا (سالب 500,000 ريال) إلى ربح مستحق (موجب 20000000 ريال) في خلال عام. مما انعكس ايجابا على سعر الشركة في البورصة وتحسن سمعتها في السودان. إن السمعة، وإن كانت قيمة معنوية، فإن لها انعكاسات مادية في مجتمعاتنا الشرقية التي لم يتم فيها مأسسة القيم بدرجة تغنى عن المؤسس. حتى يحدث ذلك فإن شخص المدير له انعكاس سلبي أو ايجابي على أداء الشركة.

رجعت بعد فترة للاطمئنان على مسار الاستثمار في هذا المجال فوجدت ان المدير، ذاك الشخص المتخصص والذي له دكتوراة في التنمية المستدامة للإنتاج الحيواني من كندا، قد استُبدل بطبيب بشري –أو هكذا يدعي– لا صلة له بالتنمية أو الاستثمار . بطل عجبي عندما علمت أن الأخير له صلة قربي من المستشار القانوني في الشركة الام بالدوحة (بالتحديد إبن أخته). حينها ادركت ان لا جدوي لي من التواصل مع فرع الشركة في السودان واكتفيت فقط بتدوين هذه الحيثية ووضعها إلي جانب أخريات يدللن علي إشكاليات سوسيولوجية وتحديات أخلاقية تواجه التنمية في دول العالم الثالث. بمثل هكذا أسلوب تضيع علي السودان فرص كبيرة للاستثمار وينخفض أفق الأجنبي في الاستثمار التنموي إلي السمسرة والتجارة ذات الربح الأني.

إن تنزل فلسفة إدارية وموجهات استراتيجية تعطي اولوية للحوكمة (الرقابة والشفافية وتقنين سبل المحاسبية) يعتمد أول ما يعتمد علي وجود أناس مقتدرين في مجالس الإدارة يتجنبون التفويض الي جهات قد تسعي إلي تقويض الموجهات اكثر مما يعمل علي تفعيلها (Manage vs. Delegate)، ويشجعون الجهاز التنفيذي للعمل علي تقنين النزاهة متبعاً سبلاً منهجية صارمة. وهذا كله لن يجدي إذا كانت الدولة المضيفة لا تحترم تعاقداتها ولا يسود فيها حكم القانون. قامت الدنيا وقعدت قبل أعوام بشان الاختلاسات التي أتهم بها سوداني كان يعمل مديرا للشركة فرع السودان. فلمَا طلبته المحاكم وكادت تطوله العقوبات، قال غير مكترث، "شنو يعني كتعملو لي شنو، أنا عايش في بلد رئيسه مطلوب"!؟ مثل هذه السمعة تثبط همة المستثمرين وتجعلهم يبحثون عن وجهة أخري مهما بلغ الثمن.

إن الاصلاح الهيكلي ضرورة لإخراج شركة ودام الغذائية فرع السودان (مواشي سابقاً) من الركود وحالة التردي والتدهور المؤسسي، بيد ان ذلك لا يغني عن التخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين جهات سيادية لها السلطة في اتخاذ قرار بشأن الدعم الذي تتلقاه بعض البلدان البعيدة (مثل استراليا) دون أخرى قريبة (مثل السودان)، كما لها مصلحة في التوفيق بين الأهداف السياسية وتلكم الاقتصادية. إن تنويع المصادر وعدم الاعتماد على مورد واحد (مثل استراليا التي تتلقى دعم قدره 50% من قيمة الخراف التي يباع الكيلو جرام منها بــ 14 ريال مقابل السوداني الذي يباع بــ 23 ريال واصل الدوحة، اي قبل الوصول الي الجزارة الذي تبيعه ب 35 ريال)، وتحسين فرص الاستثمار في المرعي العشبي والطبيعي (هذا يسميه الخبراء القرب الحيوي والنوعي)، له صلة مباشرة بالأمن الغذائي لدولة قطر – التي دأبت على طرق آفاق المنافسة العالمية بموضوعية ومنهجية علمية.

لإحداث التحول المطلوب في الانتاج الزراعي محلياً، تسعي دولة قطر لاتخاذ الخطوات الاتية: استثمار رأسمالي يصل الي 39 مليار ريال حتي العام 2025 لمواجهة مخاطر الارتفاع الحاد في الاسعار العالمية للأغذية؛ بناء قدرة تحلية المياه وتأمين البنية التحتية لنقلها وتوزيها؛ وتحزين المياه الجوفية وتغذيتها؛ وبناء قدرة الطاقة الشمسية؛ بناء القدرة المطلوبة في البحث والتطوير والارشاد؛ تكوين قوي عاملة مرنة من حيث الحجم (بالتقريب 20,000) والمهارات؛ استكشاف الصناعات التقنية الملائمة مع مراعاة ضرورة إنشاء مستويات اعلي من التكامل العمودي، واعتماد الاصلاحات القانونية والتنظيمية للقطاع الزراعي. إن زيادة الإنتاج المحلي من 10% إلي 40% وفق منهجية علمية من شأنه أن يقلل استهلاك المياه بنسبة الثلث، يزيد التكلفة المالية بالضعف، والتي تسهم بزيادة الزراعة في اقتصاد الدولة من 0.6 إلي 5.4 مليون ريال قطري، اي 9 أضعاف.

إن بناء منظومة غذائية ذكية، أو بمعني أدق إيجاد منظومة غذائية اكثر كفاءة، لا يمكن أن يتم إلا من خلال التكامل الزراعي الاقليمي الذي يجمع المزايا النسبية لكل البلدان العربية. فاستحداث التكاملية قد يؤدي إلى ضبط دورة الإنتاج وبالتالي تحسين معدل الاستهلاك بنسبة 56٪؛ لا سيما أن منطقة الخليج تستورد حالياً 50 ٪ من احتياجاتها الغذائية، وسترتفع هذه النسبة لتصل إلى 64٪ خلال عقدين من الزمن. عليه، لابد من تطبيق أنظمة رشيدة لإدارة الموارد الطبيعية، البشرية والمالية. لم يعد من الممكن العمل علي إنتاج الغذاء دون النظر إلي التكلفة البيئية أو الاقتصادية في عالم يكتنفه الحصار، الحروب المصطنعة والنزوح والهجرات والأزمات المالية وانعدام الموارد. مثلاً، لقد سعت السعودية الي إنتاج الأعلاف في العقد الماضي دون النظر إلي التكلفة البيئية وإذا بها تفاجئ بنضوب مخزونها من المياه الجوفية.

وإذ يسعي قطاع السعودية الخاص لتعويض الفجوة من السودان، فهي إنما ترحل أزمتها إلي بلد مجاور، مستفيدة من الغياب التام لأسس الشراكة ذات النتائج المستقبلية المربحة والمستدامة (فالبلد سايبة وعزتها غايبة). بهكذا أسلوب يُضيع العالم العربي علي نفسه في كل مرة فرصة عقد شراكة ذكية ويؤجج من فرص الاستثمارات الانتهازية التي يقبض أثمانها القائمين علي الأمر ويحتفظ المواطنون بحقهم في المطالبة بالأصول، ولو بعد حين. إن إشاعة طرق التفكير العلمي والديمقراطي كفيل بحفظ حقوق جميع الأطراف، سيما كفالة حق الأجيال القادمة في الكرامة وتوفر سبل العيش الكريم. إن تعزيز سبل الحوكمة يتطلب توعية السكان بقضية الأمن الغذائي، تشجيع الابتكار وتطوير البحث العلمي، والتنسيق الاستراتيجي الفعال للسياسات.

إن ممارسة زراعية مستدامة وعالية التقنية يتطلب النظر إلي مصفوفة الأمن الغذائي والتي تقيس الإنتاجية من القمح أو اللحوم بحجم الاستهلاك من المياه والطاقة. إذ إن إنتاج واحد كيلو غرام من القمح يتطلب استهلاك 10 متر مكعب من المياه و 1.5 ميغاوات من الطاقة، فإن استهلاك واحد كيلو غرام من اللحم يتطلب استهلاك 200 متر مكعب من المياه و15 ميغاوات من الطاقة. هذا ما تضمنه تضمنه تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «حوكمة المياه في المنطقة العربية : إدارة الندرة وتأمين المستقبل» لعام 2014 وأدرجتها التقارير السنوية للمنتدي العربي للبيئة والمياه (2010) والاقتصاد الاخضر (2011) والبصمة البيئية (2012)، والذي نوه إلي أن هذه التكلفة ستتضاعف ب 1.7 لعام 2050. إن الإنتاج الزراعي في العالم العربي حالياً يستهلك 85٪ من إجمالي احتياطي المياه، الذي يهدر بنسبة تفوق 60٪، كما إن الطاقة المهدرة تمثل 50% من الطاقة المنتجة. لقد أشار برنامج قطر الوطني للأمن الغذائي إلي أن إيجاد منظومة غذائية اكثر كفاءة من شأنه ان يضاعف من مساهمة الفرد المباشرة في الدخل الوطني الي ثمانية اضعاف مقابل كل وحدة مستخدمة من المياه ويحقق وفورات علي المستهلكين في دولة قطر بقيمة 3.4 مليار ريال في السنة.

إن تحقيق الاستدامة كمطلوب أساسي للتنمية منوط بتفعيل شرطي الحوكمة والتنمية الاقليمية — العاملان اللذان يعتمدان كأساسيات: تنويع الاقتصاد بشكل مستدام والذي يأتي نتيجة لوجود أطر مؤسسية، أهمها توفر الأراضي وحقوق الملكية الفكرية والسياسات العامة؛ تحسين الحوكمة المنهجية وذلك بمساعدة الحكومات الأفريقية والعربية في تلبية المعايير البيئية وتحقيق تطلعات المجتمعات المحلية والمجتمع المدني والقطاع الخاص من خلال تحسين التكنولوجيا وبناء القدرات والتدريب؛ ضمان وضع استراتيجيات فعالة للمسؤولية الاجتماعية للشركات في كافة المبادرات العابرة للحدود التي يتبناها المستثمرون، وبالتالي تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، فضلاً عن تحقيق التماسك الاجتماعي. هناك حاجة إلى القيادة القائمة على القيمة في شكل استشارات ومشورة فنية لبروتوكولات محددة تتطلب التوافق مع المعايير العالمية وتعزز الشعور بالمسؤولية فيما يخص القضايا العابرة للحدود.

وإذ تسعي كثير من الأقطار الجادة إلي مواءمة خططها الوطنية وتطوير أهدافها كي تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة 2030، فإنها تعتمد الاتي: تحسين استجابات السياسات وتعزيز التخطيط وبناء القدرات؛ تعزيز إدارة الطلب على المياه والطاقة والأراضي الصالحة للزراعة وذلك باعتماد ممارسة زراعية مستدامة عالية التقنية، تنويع الاقتصاد لخلق ثروة دائمة ودعم الجدوى الاجتماعية؛ تعزيز التوسع الحضري الأكثر استدامة وخلق بيئة معيشية أكثر صحة، تحقيق ائتمانيات الكربون اللازمة للوفاء بالتزام إبطال مفعول الكربون. رغم فارق الأمد الزمني لكل خطة، فهنالك مكاسب تتوخاها قطر من التغيير في نمط الانتاج الزراعي الذي استهلك مساحات هائلة من الاراضي والمياه بالتركيز علي انظمة الزراعة المحمية والحقول المفتوحة وأخرها قد تجنيها من خلال التنسيق الذي يغني بعض دول مجلس التعاون الخليجي عن محاولة كل دولة لتلبية كامل الطلب المحلي من القمح، وذلك في عام 2025. إنه لمن المحزن أن ينشغل بعض قادة الخليج بالتآمر علي بعضهم البعض، في وقت من المفترض أن يعملوا فيه ويتعاونوا علي تأمين حاجة شعوبهم من الأغذية. بل أن يعملوا علي توفير الأمن للشعوب الأخرى، خاصة الجارة التي ما فتئوا يحرصون عل إفقارها حتي رمتهم بآفاتها، والأسوأ لم يحدث بعد.

أنظر مناشدة الاستاذ/مالك المدان الحنينة المؤلمة للشعب السوداني: "من الشعب اليمني العريق إلى شعب السودان الشقيق. من أرض سام إلى أرض كوش ابن حام، من التبع شمر يهرعش إلى الملك طهراقا وتنوت، من العظيمة بلقيس أبنة الهدهاد إلى أماني كتشو، من معدي يكرب إلى كاشتا وملوك كرمة، من سبأ عظيم النبأ إلى مكرة ونوباتيا، من السيوف والحصون الحميرية إلى التيجان والأساور النوبية، من أنصار أحمد الرسول إلى من إتبعه بالقول الملين! سلام من الله عليكم وحرب تفتك بالمعتدين لقد تجاورنا لعصور …. وتعايشنا لدهور … وتبادلنا البن والصمغ والعقيق والبخور. ولم أنسى بعد ولن أنسى رفاق دراستي السودانيين وتلك السنين التي كانت بيننا بكل ما فيها! أما اليوم، فأعلموا بأنه قد أزفت الأزفة وطغت العاصفة وأنشق القمر، وضاق الخناق وأشتد الحصار وسعرت البحار وانتشر الدمار ونحن في حرب لم تبق ولم تذر . منذ ثلاث سنين عجاف قتل فيها البشر وأحرق الشجر وطحن الحجر ووصلت الدماء إلى كل منزل وفناء، وظلم فيها شعب اليمن وأستضعف من قبل العالم أجمع وبيعت أرواحنا بالريال السعودي وأسترخصت حرماتنا أمام مرأى ومسمع العرب ولم يكن هذا بجديد!"
 
أقول لمالك: لقد أسمعت إذ ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي. فهؤلاء الذين برعت في أوصافهم لا يملكون لأنفسهم موتاً ولا حياة ولا نشرواً. هم يتلقون تعليمات من الإمبريالية العالمية التي ما عادت تستحي أو تتجمل في الطلب. فالرئيس ترمب يكيل السباب ويوجه تهمة الإرهاب لمن يشاء وكيفما شاء، علي سنة "رمتني بدائها وأنسلت". وهو يعلم أن قليل من الأعراب من يجرؤ علي رفض أو مقاومة الابتزاز الرخيصة هذه. فإنّ ممّا يغري هؤلاء الطغاة وأذنابهم، أيضاً هو الوضع الهلامي والوهمي المتمثل في الفراغ السياسي والثقافي والاجتماعي الذي خلفته الفوضى الخلاقة في المنطقة بأسرها – بيد أن الضرر لن يقتصر عليها وسيشمل الكل وربما تسبب في حرب عالمية ثالثة تكون بدايتها في الخليج – كنتيجة مدروسة وتبعة محسوسة لحرب الخليج الأولي والثانية، اللتان يسميهما المرحوم المهدي المنجرة الحرب الحضارية الأولي والثانية .
 

وها هي طبول الحرب تدق علي باب الشام بعد أحداث الغوطة التي أتهم فيها النظام السوري بقتل مدنيين مستخدماً الغار الكيماوي (أبريل 2018)، وعجزت فيها الأمم المتحدة علي استصدار قرار بالإدانة أو حتي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق مما جعل أمريكا تهدد بضرب النظام مستخدمة صواريخ كروز وجعل روسيا تتوعد بحرق المنطقة بأسرها. ما بين مخبول أمريكي يحس بالتضخم وجاسوس روسي يعاني من التوحد لا أشك أننا علي أبواب حرب عالمية ثالثة. حينها ستكون الحاجة لتأمين الغذاء أجل وأعظم!

 د. وليد مادبو

auwaab@gmail.com

الحكمة الشعبية والحداثة

(إفريقيا نموذجاً)

دكتور الوليد آدم مادبو 

بفضل المتغيرات الكونية طرأ تغيير مفاهيمي دفع بالحوكمة (أو ما يسمى تجاوزاً الحكم الراشد) من كونها أداة للتحكم إلى كونها إحكام لدورة اتخاذ القرار على المستوى الأفقي وتحاكم إلى جهة سيادية عليا على المستوى الرأسي. ربما يساعد تأسيس مستشارية توفر الخدمات الحصرية اللازمة في مجال الحكمانية في التعريف بخصائص النموذج الرواندي والأثيوبي والغاني والجنوب إفريقي، إلي أخره، الذي ازداد حيوية بفعل التحول الاقتصادي، السياسي الاجتماعي مما أفرز قيادات فكرية وحركية واعية بأهمية الإطار البيئي والمؤسسي الذي يتم فيه هذا التحول. إذ أن تحقيق نهضة كاملة في فترة وجيزة  مثل هذه (الأمر الذي يعتبر في حد ذاته شبه خارقة) قد أضفى شرعية على النظم السياسية وقوى الإحساس بالمسؤولية المدنية والشعور بالهوية القومية.

تحتاج بلادنا إلي مراكز بحثية وطنية ينتدب إليه علماء ممارسين للعمل التخطيطي تساعد في شحذ الأفكار، تعمل علي تمحيصها وتساعد في التفاعل مع الأجيال الصاعدة والواعدة. لقد اندرجت اقسام التخطيط في السابق تحت وزارات الاقتصاد يوم كان الازدهار مرتبطا، بل مقتصرا علي الفعل الإنتاجي المادي. وكانت وسائل تحقيقه الموجهات السيادية، بل الفوقية التي تعرف مصلحة المواطنين وتدرك مالات فعلها! بنهاية الاتحاد السوفيتي انتهت حقبة التخطيط المركزي واتجه الكل نحو التخطيط اللامركزي الذي يعتمد علي النهج التجريبي – علي الأقل من الناحية النظرية – وشرعت بعض الدول في استحداث وزارات للتخطيط تعني بالتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية (يشمل ذلك التنمية الصحية والتعليمية والثقافي) والبيئية وتري ضرورة تطوير رؤي تكاملية تجعل الإنسان أداة النهضة ومِراسها العضوي والفاعل.          

لقد امتلك بعض القادة في العالم الإفريقي من الأريحية ما سهل لهم ربط الحكمة الشعبية بالأسس الحداثوية لبناء الدولة، لذلك لابد من اعتماد مثل هذه النماذج الناجحة والمتميزة كمرجعية في مسعانا كباحثين لتطوير منهجية وفلسفة إدارية وسياسية تناي بنفسها عن الأسلوب الفضفاض الذي يتناول القضايا بأسلوب مبتسر لا يراعي الخصائص الثقافية والمجتمعية للدولة المعنية ويهمل الإرث التليد والفعل المجيد لرجالات قادوا بلادهم وطورا لحمته بإمكانيات بشرية ومالية ضئيلة جدا، مع أهمية تطوير حس نقدي قادر علي التميز وتفعيل ملكة قادرة علي الاقتباس وتجويد فعل المواءمة. فالمواءمة لا تعني بتطابق الأهداف –  مثلاً، تطابق الأهداف الوطنية للتنمية مع أهداف الألفية –  لفظياً إنما فلسفياً وفكريا. 

مثل هذه النماذج الحديثة يجب أن تلقي الترويج على أساس أنها نماذج قد حققت بفعل الترتيبات الإدارية والسياسية السديدة – سيما الاستراتيجيات – وليست فقط الصدفة التاريخية ما تسمو إليه القيادات في زمن بزوغ "التحولات". اهم عناصر هذه النماذج القُطرية: احترام الإنسان لكونه إنسان، فهو غاية في حد ذاته وليست وسيلة لتحقيق أية أهداف أيديولوجية؛ التوافق بعيدا عن التنافس السلبي الذي يفضي إلى فرقة، نزاع وتشتت؛ الأمر الذي لم يكن ليتأتى لولا وجود شخصية محورية تتمتع بصدقية عالية ترعى مصالح الكل بعيداً عن الهرمية العرقية أو تلكم العقائدية التي تودي بوحدة الأمة وتؤدي إلى تصدع الكيان الأدبي والاجتماعي؛ القابلية للتطور وفق مقتضيات المرحلة ومحددات الهوية– وهذا أمر مهم وطلوب في حد ذاته لأن النخب لا بد أن تدرك أنها تعمل وفق محددات زمنية ومكانية تقتضي البعد عن التفكير المطلق.

لست مؤمناً بالديمقراطية الليبرالية كما إنني لا أري بديلاً لها خاصة إذا اتخذت تدابير تحمي آلياتها من المتوغلين والدغماءين، أعني أولئك الذين لا يؤمنون بالديمقراطية كقيمة لكنهم يقدسونها كألية. هل يمكن تطوير نموذجاً إفريقيٍ يرعي الخصائص الأتية: حكم شوري يحفظ حقوق الجميع؛ ينفذ سيادة القانون ويقدس حق المواطنة؛ ويتوق الي النظرة الإنسانية العميقة والراسخة؟ فهذه المبادئ تستوعب التراث الديني وغيره، لكنها تتجاوزهما الي روح النص وتوفي بميثاق البقاء مستعينة بإشراقات الروح وإبداعات الفعل البشري والبشري فقط. هل هذه علمانية أم عقلانية؟ لا أدري وحقيقة لا يهمني. 

لترسيخ ثقافة الحوكمة أو الحكمانية (الاولي تنطبق علي المؤسسات والثانية علي الدويلات) وشيوع مفهومها في مختلف القطاعات لابد من تطبيق نظم الحوكمة والفلسفة الإدارية  التي تتطلب التمعن في  الاتي: التأرجح النظري وخطورة الإبقاء علي نظام إداري وسياسي عتيق لا يتماشى مع طبيعة المتغيرات الكونية الحالية؛ الانعتاق من القديم يتطلب النظر بعمق إلي الذات، استحضار قيمها الجمالية وشحذ همتها للحاق بالركب الإنساني من خلال التواصل الثقافي، السياسي والاجتماعي؛ الارتقاء بالدولة إلي أفق حضاري يؤهلها لاستدامة المستوي التقني المطلوب للمنافسة الإقليمية والدولية؛ الاستعاضة عن الرقابة الخارجية من خلال التفعيل لمنظومة رقابة داخلية تعول علي الذات الأخلاقية وتدلل علي أهمية  المسئولية الجماعية في مواجهة الجشع، الأنانية واللامبالاة، وأخيراً توافق المؤسسات علي صيغة تشريعية يحتكمون فيها إلي مجالس شورية (علي المستوي المحلي والقومي) حال التعارض في المصالح أو التباين في وجهات النظر. متى ما ترسخت دعائم المشروع في دولة ما فيمكن التوسع ليشمل هذا النشاط المحيط الاقليمي، بيد أن الكثيرين في خضم الانشغال بالتحولات السياسية الطارئة قد يهمل فكرة تنمية القدرات الإدارية والمؤسسية المنوط بها إحداث تنمية مستدامة.

كي لا نفقد فرساننا

(اعتذار دون إبهام)

انطلاقاً من واجب التقصي لأنجع السبل في إيصال الحق وانحيازا لقيم الخير والبر التي تستوجب مراجعة النفس وإلزامها ساحة الفضيلة، فإنني أكتب هذه المقالة اعتذرا مني لإخوتي في الحركات الذين ربما أصابهم "رايش الكلمات"، وأرجو أن يتقبلوا اعتذاري فهم أخوة كبار كبّرتهم ساحة النضال والالتزام الوطني ووسّعت صدورهم عظم الحادثات قبل النبال.

 لم أكتب ما كتبت في شأن مؤتمر باريس طعناً في صدقيتهم، إنما اختلافا معهم في تقييم الموقف وتبارياً في الحب الذي نكنه جميعاً لدارفور وللسودان، الذي لا يدعى فيه واحد منّا وصاية فيه على الأخر. إنّما رصداً للسلم عبر التواصل الحيوي والتفاكر المضنى. كلمت بعض قادتهم  في شأن المؤتمر الذي عقد فلم يتبرموا أو يسعوا أن يحجروا علي أحد، كما لم يستنكفوا عن قبول المنطق، لكنهم رأبوا بالكل عن التجريح الذي ورد في معرض المقالة التي نشرت الأسبوع الأخير من شهر مارس 2018. 

تذكرت حينها قول النابغة الزبياني الذي تأسست به ثقافة الاعتذار في الأدب الجاهلي وكانوا من قبل يرونه ضرباً من الضعف وصنفاً من صنوف التراجع عن خوض بؤرة العلاقات الإنسانية عميقة التنازع والتشابك: 

أتانى – أبيت اللعن – أنك لمتنى      وتلك التى اهتم بها وأنصب
فبت كأن العائدات فرشننى        هراسا به يغلى فراشى ويقصب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة     وليس وراء الله للمرء مذهب
 
ولئن كتبت منوها إلى تحمَل البعض وزراً أعظم في تردي الأحوال في هذا البلد العزيز، فإنّا سنظل شركاء نتقاسم مسؤولية انتشاله من هذا الدرك السحيق. فلا المثقف يحق له أن يضجر ولا السياسي يحق له أن يضرب عن العمل، فالضجر يؤثر سلباً علي إمكانياتنا لتشخيص الواقع بعلمية وموضوعية والإضراب عن العمل يعني انتصار فئة ظلت تسعي لتكييف السودان علي رؤاها الخاصة يعينها في ذلك بؤس المنظومة الإعلامية والتعليمية والتربوية والثقافية والاجتماعية التي تثبط العقل من الاستنارة وتدحر الضمير عن الإنابة: اثنان اذا ما اجتمعا حدث الوئام وإذا ما افترقا حدث الفصام: فكر واعد وقلب راشد.   

إذا أردنا أن نبني بلداً مفعماً بالروحانية تواقاً للالتحاق بأسس الحداثة فلابد من العمل الدؤوب الذي يُعني بتفكيك تلك المنظومة ويسعي لإعادة بنائها، أي تقويمها، بطرق تخدم الاستقامة الفكرية وتعزز من سبل العدالة الاجتماعية. لا سيما أنه لا مصلحة لأحد في هدمها، كما إنه لا مستقبل للسودان البتة حال الإبقاء عليها، كما هي! 

قد يؤثر الكثيرون السلامة، ويكتفي الأخرون بالملامة نسبة لما رأوه من مآل قليلين صادقين عبر التاريخ السوداني سعوا لتغير بنية الوعي الجمعي. بيد أن التقهقر يعني التأخر كما إن التلكؤ لا يعني مطلقاً تبدل الحال من طوع نفسه فسنن التدافع باقية وحيل الانتصار علي الطغاة زاهية. 

إنّ الانهيار  والتدهور ما فتئ يلقي بظلاله علي المشتغلين بالشأن العام والغيورين حتى كاد يخرج البعض عن طورهم ويحيد بهم عن مصاف الكلام الطيب. وهذا ما أردت الاعتذار عنه، فإن عظيم وجهتنا لا يلغي أهمية التحكم في أمزجتنا، كما إن جميل المقصد لا يغنى عن المرصد. 

أود أن اثمِن من هذه الخانة دور قيادتنا الوطنية وأقدر جهدهم المبذول، وتحمّلهم للمسؤولية رغم اعتلال صحة بعضهم، وتقدم العمر لدي أخرين، علي رأسهم السيد/الصادق المهدي الذي يسعي حالياً لحقن الدماء التي سالت في ساحة الوغي دونما مفازة حتى الآن، إنما تردى كان يغنى عنه التأسيس لثقافة الاختلاف والتقنين لآلياتها التي لا يمكن أن تنجح إلا إذا برئت النفوس وسلمت النوايا.

لقد كتبت في مساحة ضاق عنها صدري (الواتسب)، ولم يتسع لها وقتي، فلم أنتبه إلاّ وقد ضجت الأسافير بحاشيةِ لغوٍ ورد في فضاءٍ خاص سربه أصحاب الغرض ولم أتورع عن تبنيه تأففاً عن الكذب وليس اعتزازا بالإثم. فقد لمزت قائداً فجّر ثورة وطنية كبرى كنّا أول المسارعين لنصرتها والمفتديين لها بأرواحنا وأموالنا، توحد بموجبها ربوع السودان وتحررت بهمتها أركانه من براثن الاستعمار. لقد عبرت بحرقة وآسى وبطريقة لا أعتبرها مثلي عن عجزنا في استلهام تلك القيم السياسية الباهرة، والدينية الراسخة، اغترارا بالدنيا وأزوارا عن الحق.

فأود أن اعتذر في هذا الصدد لجموع الأنصار، أتباع الأمام محمد أحمد المهدي الذاكريين الطاهرين، القابضين علي الجمر الوجلين غير الولهين ولرجالات حزب الأمة الراسخين الثابتين، الأمناء الماهرين، وللسودانيين أجمعين وإلي كآفة محبيه الوطنيين. لم يقلقني غير الحب ولم تستفزني غير الوجل. وفي تلك البرهة آمل!

دارفور والمهدي التقيا قديما فعبرا عن دور بطولي نادر وجسدا لمثل ونموذج يحتذى به في الوطنية، بيد ان المسافة المعنوية بين قدير وباريس ما فتئت تتباعد حتى ضربت الحرب أوزارها وتجادع الفرسان بالمنجنيق فُدق اسفينا لا يمكن إزاحته إلا إذا افلحنا في إعادة تعريفنا للتخلف السياسي والتنموي. إذ إن الأخر ليس هو  انعدام التنمية المتمثل في غياب البنيات الأساسية، انما غياب المفاهيم السيادية — فرض الوصاية — التي من دونها لا يمكن  تقنين سبل العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

أود أن اعتذر أولاً لوالدي الكريم آدم مادبو الذي ظل متنازعاً بين وفائه القديم لكيانه واعتزازه العميم بكبير أبنائه، ولقرائي الذين الفوا مني بدعة في اللفظ ومهارة في تصريفه، فَصُدِموا إذ رأوني أنشد (فدوي)، ولا أكاد أترفع عن (نجوى)! فلهم وللأولي منى العتبى. 

لا يفوتني هنا إسداء الشكر  للنعمان ولغفاري اللذان ذكراني بالقرآن وأشهرا فيه من حِكم وسبل عظمي للتبيان، كما أود أن أعبر عن مودتي للشاعر محمد مدني الذي اتصل ملاطفاً، مؤبنا، وناصحاً فأعظم به من كهل هميم وأجمل به صديق فخيم. 

أشكر لأئمة الأنصار بجامع ود نوباوي حرصهم على صون حرمة الرحم وتواصيهم دوماً بالحق وتواصيهم أبداً بالصبر(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الفتح: 26) صدق الله العظيم.

دكتور الوليد آدم مادبو

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية

تابعت مسلسل الدهباية الإذاعي وأنا في المرحلة الثانوية، لم يكن لدينا تلفزيون في داخلية مدرسة كتم الثانوية، كنا نهرول للتجمع جوار جدار احدى العنابر، لمتابعة المسلسل، عبر إذاعة هنا ـ امدرمان، حتى قبل ان نغيّر ملابس الرياضة، وأحياناً "نكلفت" صلاة المغرب، ونتجاوز الباقيات الصالحات من أجل حضور الحلقة من قولة "تيت"، وعندما بثت حلقات المسلسل التلفزيون، لم اكن مشدوداً للمتابعة، لكنني شاهدتها قبل فترة لمرتين متتاليتين، متقمصاً عدسات ناقد "جرمندي" ودونت عدة ملاحظات، آمل ألا ينظر إليها خارج إطارات هذه العدسات.
بإجراء مقارنة بسيطة بين مسلسلي الدهباية ودكين، نجد أن عباس قد تشيطن، لرفض الدهباية الزواج به وتفضيلها الأفندي الغريب عليه، حيث قال في لحظة مناجاة مع نفسه، عندما اسودت الدينا في وجهه، وضاقت عليه الارض بما رحبت، وتعب من ملاحقة البوليس قال: يا عباس، كنت رجلا زين، إلاّ الدهباية!. الشيء نفسه، لو أن ابنة عم دكين، قد قبلت الزواج منه، على الأرجح أن يستقيم، فقد طُرد شرّ طرده من قبلها، بمعنى أن الصدمة العاطفية، هي الدافع الرئيس للجريمة، التي قد تهز مجتمعات بأسرها، هنا يحضرني، مشهد من مسرحيات الفاضل سعيد عندما فقد وظيفته بسبب الآنسة محاسن، قال: والله انتو يا بنات حواء، طلّعتوا ابونا آدم من الجنة، ما تطلعوني أنا من الوظيفة! ثم غادر عتبة المؤسسة التي كان يعمل بها.
ــ من الموازنات، كما ترفض الأسرة (الامدرمانية)، زواج ابنهم من إنسانة من الهامش، في نظرهم غير معروفة الأصل والفصل، كذلك في البداية، يرفض اقرباء الدهباية الأفندي زوجاً لها لأنه غريب وغير معروف الأصل والفصل، رغم انهم في النهاية رجحوا اخلاقه وطيب معشره فظنوا به الخير متجاوزين التثبت من اصله وفصله.
ــ ومن المفارقات ايضا أن اسرة الدهباية، والتي تمثل الهامش، تبدو اكثر قبولا للآخر من اسرة زوجها خالد والتي تمثل مجتمع المركز في عقر تمدنها "البقعة"، إذ تعكس الأسرة (الامدرمانية) قمة التعجرف والاستعلاء، انطلاقا من ادعاء والد خالد ان سبب "مرمطة" ابنه لسمعة الأسرة تتمثل في رفضه زواج ابنة اخيه، هنا يبدو المشهد مقلوبا، فالمتوقع إن ينحاز اقرباء الدهباية إلى ابن خالته عباس ضد ابن البندر الغريب، بحكم التركيبة العشائرية، وحياة البداوة.
ــ من المفارقات أن اسرة خالد تسأل عن قبيلة عروس ابنهم، وانهم ينظرون نظرة سالبة للغاية للمرأة العاملة، والإصرار على وصفها بأوصاف قاسية مثل مطلوقة وواحدة من الشارع، واذا استندنا على السياق الزمني من الأزياء والأثاث المنزلي، فإن الأمر ليس في زمن بعيد، مثل هذا التصرف لا يمت للتمدن بصلة.
ــ لم ترد كلمة قبيلة او عشيرة من أي من افراد اسرة الدهباية، في حين ترددت الكلمة مرارا على لسان رب الأسرة الامدرمانية، منها
ــ يقول والد خالد: "ايوه، ما لقاها فرصة، ولد قبايل" اعتراضا على تزويج ابنه خالد من الدهباية دون حضوره او من ينوب عنه
ــ يرجئ حاج مبارك سبب حنقه على أبنه، انه رفض أبنة عمه التي يصفها بانها بت القبائل وبت الاصول، ليتزوج واحدة مطلوقة تعمل في السوق، لا اصل ولا فصل لها، على حد وصفه لها.
ــ يقول حاج مبارك لزوجته، هسي الزعل دا لوزمه شنو؟ طالما ولدك نسى مركزو، ونسى أصل، ونسى قبيلته، وإتزوج واحدة بيّاعة في السوق
ــ تنتفض الأرملة نصرة التي تسكن حي كوبر لكرامتها، عندما سئمت من الاعيب عباس قائلة، ترا أنا بت اصول وبت قبائل، يا تطلبني عديل بالدرب، ولا اطلع برّا، وتاني ما تجي البيت دا
ــ يقول عباس لابنة خالته الدهباية: انتِ من توب وهو من توب، وانا دمك ولحمك، ويقول لحاج سليمان: ترا انت كبيرنا وشيخ الفريق، عندما حضر له متسللا طالباً منه الحماية من ملاحقة البوليس، ولم يذكر القبيلة او العشيرة.
ــ تبدو الأسرة الامدرمانية معزولة تماماً، وليست لها اية امتدادات، أو صداقات من اية نوع، خلافاً لأسرة الدهباية اليتيمة، لها كبير "حاج سليمان" وصداقات واقرباء وترابط وزيارات متبادلة ومناسبات أفراح وأتراح متكررة ومتنوعة، يفرحون لفرحها، ويشاطرونها الحزن.
ــ يقول حاج سليمان لحاج خالد في اولى زيارة عائلية لهم في دارهم بالبقعة: بلدنا بخيره، بهايمنا كتيرة، وعندنا سمن ولبن وعسل. كان الأجدر بالمخرج تسليط الكاميرا على هذه المنتجات، سيما وان المشاهد قد صورت خلال فصل الخريف، فقد عكست الكاميرا سوق الخردوات، والصناعات اليدوية، بدلاً من منتوجات الألبان والخضروات الموسمية، واقتصر مشهد قطيع الأبقار في بضع ثوان خلال المدة الكاملة للمسلسل، ومعلوم أن منطقة جنوب غرب دارفور، من اغنى بقاع البلاد من حيث تعداد الثروة الحيوانية، وتوجد بها أدغال كثيفة وتنوع بايلوجي ثر، فإن كان المخرج معنى بإبراز هذه المقدرات الاقتصادية الهائلة والجمالية، لرصد قطعان مهولة من الابقار في مراعيها الطبيعية، وكذلك سرب من الحياة البرية، وهنا يحضرني المشهد الموفق لكاميرة مسلسل دكين وسط سوق تمبول، فقد رصدت جِمال معروضة للبيع على مد البصر تقريباً. 
ــ الطائرة التي هبطت في مطار نيالا، وعلى متنها حاج مبارك وزوجته، بدون هوية وكأنها طيارة "كارقو" متسخة، ولا أدري لماذا ركّز المخرج على مؤخرتها (العادم)؟ إن كان المخرج معني بسمعة البلد، بإمكانه تصوير الطائرة الرئاسية، إن لم يعد وجود لأسطول سودانير
ــ طلب ام خالد لفتيل الريحة (باس وورد) إضافية لنفسها، بالإضافة لواحدة كهدية للعروس، حسب توصية وذوق ابو خالد، هذا التصرف فيه ترويج مجاني قد يكون لريحة رديئة
ــ خالد الذي يمثل دور الأفندي والرجل الملاك، في وجه عباس (كتال الكتلا)، وكذلك زوجته الفنجرية والرقيقة الدهباية، بالإضافة إلى آدم وزوجته حواء، جميع هؤلاء يتفوهون بالقتل ويهددون به، ولم يسلم من هذه النزعة العدوانية سوى حاج سليمان وتربس وزوجته الرهيفة النعمة. ومن الملاحظ أن آدم عندما حضر الي البقعة، في معية حاج سليمان وبقية افراد اسرة الدهباية، كان جالساً في صالون حاج خالد الوثير، وواضعا سكين الضُراع في وضعية عدوانية؟ هذه مبالغة في تصوير اهل الدهباية على انهم اشرار.
ــ بهذا التنميط والرمزية التي لا يخطئهما المتابع الحصيف، صور المخرج مجتمع الدهباية، كمجتمع عدواني، لا يعرف إلا القتل سبيلاً لحسم مشكلاته الاجتماعية، ولم يسلم من هذه العدوى حتى الأفندي خالد الذي ناسبهم وعاش وسطهم، فقد سمعناه يتلفظ بالقتل، وكذلك رأيناه حاول قتل محبوبته الدهباية، لمجرد وسوسة وشبه واهية بخيانة زوجية لم يتثبت منها.
ــ تكالب الثلاثي عباس "الشيطان" وحاج خالد وحسن افندي، على أمرأه حامل في شهورها الأخيرة، يتيمة ومكسورة الجناح، في مشهد تراجيدي، يصور مجتمع البندر، كمجتمع معدوم المرؤة، لا يحمى شرائحه الضعيفة، فقد هموا بتسليم إنسانة ضعيفة حتى قبل أن تضع لهم مولودهم، إلى رجل يتطاير الشرر من أعينه، دون رغبتها.
ــ الأفندي خالد، وسط مجتمع غريب عليه، يتجرأ ويأخذ شبال من اجمل بنات البلد، مع سبق الإصرار والترصد، ليس غريباً أن يتعرض للطعن بالسكين على يد ابن خالتها "عباس"، ومن الطبيعي أن يردع من تصرفه المستفز هذا، إن حدث في اية بقعة بقاع الريف السوداني، ولكن الردع ليس بالضرورة ان يكون قتلا، هنا كان ينبغي أن يتمحور تحري وكيل النيابة مع عباس الذي اعترف بالإصرار والترصد، وهنا كان ينبغي ان يكون مرتكز نصائح حاج سليمان (كبير فريق عباس) وخلاصة لومه له عندما لاذ به من ملاحقة الشرطة له.
ــ غير منطقي، أن تحلف الدهباية بالشيخ احمد التجاني، وهي لا تعرف إلا البقعة كاسم لامدرمان، ومعظم الرجال من اقربائها، يلبسون الجلاليب الأنصارية، علماً بأن رهيد البردي هو معقل خليفة المهدي عبدالله ود تور شين؟ ودلال العنقرة من توابعها.
ــ من المعلوم أن الشلالات موجودة في السودان في جبل مرة وعلى النيل، ومعلوم أن جبل مرة من نيالا اقرب للعريسين، افندي خالد والدهباية من النيل، وبها استراحات مجهزة للعرسان، فلم لم يهتبل المخرج هذه الفرصة لتصوير شلالات مرتا جلّو وقولو في ابهى مناظرها، بدلاً من الشلال على النيل والتي تظهر وجود اشجار النخيل، سيما وأن  الدهباية غير مرحبة بها من قبل اسرة الأفندي خالد في  العاصمة "الملازمين"؟
ــ لس هنالك في غرب السودان، من يشد (يحّمل) جركانات ماء على حمار عِري (بدون سرج)، وهو ما حاولت الدهباية القيام به في المشاهد الاولي للمسلسل، وهي ورفيقتها النعمة، مما تظهر البطلة ورفيقتها كبنات بندر وليست قرويات.
ــ نصرة الساكنة في حي كوبر بالخرطوم بحري، لديها برندا مبني من قش (قصب الدخن)، اعتقد ان هذا المشهد من نيالا. اولاً قصب الدخن كمواد للبناء غير متوفر في ضواحي الخرطوم، ثانياً هذا المشهد غير مستق زمنياً مع نوع الأساس الموجود في صالون حاج مبارك، ونوع العربية التي يمتلكه لاندكروزر VXR
ــ رغم المقدرات الفنية الرفيعة لكافة نجوم هذا المسلسل، هالة اغا، طارق على، صالح عبد القادر، عوض صديق، محمد شريف على، بلقيس عوض، ألا أن ما شدني وابهرني، هو دور حسن افندي، والذي قام به صديق صالح، كأخ أكبر لخالد افندي، تمنيت ان يكون لي اخ بهذه المواصفات، اخ حلاّل المشاكل، حاسم، واثق من كلماته وتصرفاته، يقول الكلمة المناسبة لوالديه، واخيه الأصغر، وحتى الدهباية زوجة شقيقة خالد رغم بعض مواقفه غير الكريمة منها. اشهد ان الاستاذ صديق صالح فنان بارع، وممثل جاد للحد، اتمنى أن اراه في كافة الأعمال الجادة.
ـ بلا شك أن الموسيقى التصويرية لمسلسل الدهباية التلفزيوني، آسرة للحد البعيد، واصبحت آيكونة نغم، على غرار شعار فيلم الكاوبوي الأشهر عالمياً (من اجل حفنة دولارات A Fistful of Dollars  بطولة Clint Eastwood، سيما وأنهما متشابهين إلى حد كبير، أي الموسيقى التصويرية، وأنه الأقرب للحن االمقطوعة الموسيقية الخالدة (القمر بضوي انا شن بلاني بالنجوم) إلا انني اعتقد أن كلمات شعار المسلسل الإذاعي أكثر عمقا وتعبيرا عن محورية البطلة (الدهباية) في مجريات الأحداث، ومحيط مجتمعها
كلمات الشعار الاذاعي تقول:
يا يا خلاصة الدهب الاصلو ما بتغير
لو جار الزمن 
وخلي الجميع يتحير
هنا الوصف مباشر عن الذهب الخالص والصمود على الخلق القويم أو عن جمال الخليقة الذي حيّر الجميع
اما كلمات المفتاحية لشعار التلفزيوني تقول:
شنقلي طوباية
تلقي لي دهابية
هنا رغم ان مدخل الاغنية تراثية راسخة في غرب السودان، إلا انه يتحدث عن البحث عن الذهب المغطى بالطوب، أي الكنز، وهو مدخل عام وليست ذات خصوصية بالبطلة.
ــ الإيحاء بأن افندية نيالا وطلابها، لا يذهبون إلي دلال ـ العنقرة إلا من اجل الرقص في النقعة (ساحة اللعب)، إو من اجل مشاهدة الفنجرية الدهباية، فيه شيء من الابتسار يظهر أن الريف معدومة الخيرات الجاذبة لأفندية "المدن" غير اللهو اللعب، كما يظهر الدهابية كراقصة استعراض تشد لها الرحال، ولا اظن أي من هاتين تعتبر قيمة إيجابية.
ــ أعتقد ان الراحل الكبير فاروق سليمان شيخ المخرجين، عليه الرحمة، يبدو كان "شفقان"، وفي عجلة من امره بعض الشيء، أو أنه لم يضع اية اعتبار للبعد السياحي والترويجي لهذا العمل الغير مسبوق في غرب السودان، ويبدو انه التزم بنص السيناريو وليس روحه، أو كأنه كان مهموماً بتحويل مشاهد المسلسل الإذاعي إلى مشاهد حية كما هي، او لم يدر بخلده أن هذا العمل الكبير، قد يجد حظه في العبور إلى خارج الحدود، فقد علمت أن مسلسل الدهباية قد عُرض في بعض الدول العربية منها سوريا وجيبوتي.
أعتقد ان مثل هذه الأعمال الكبيرة، تحتاج لمستشارين عدول في التراث والموروث الشعبي المحلي، ومستشارين سياحيين، ومستنيرين ملمين بالمنطقة من كافة جوانبها، ومن الضروري الالتفاف إلى آراء نقاد محايدين قبل البث.
ليس ثمة جدل في أن مبدأ الفن للفن قد تخلى عنه الكتاب والمخرجين والدرامين الكبار، واصبح النظرة الشمولية للعمل الفني تضع رموز الفن في مصاف رجالات دولة، يروجون للقيم الفاضلة، ويعكسون الأبعاد السياحية والوجه المشرق لشعوبهم وبلدانهم، يعالجون التعقيدات الاجتماعية بعيداً عن الترويج للجريمة والانحلال، سيما وإن كان مسرح الأحداث لا تزال بكر امام العدسات، فمن المخل الانحسار في حدود العقدة الدرامية.
———————————
ابراهيم سليمان
ebraheemsu@gmail.com

الالية الافريقية كشفت اوراقها

الالية الافريقية كشفت اوراقها….. النظام صنع معارضيه … فماذا انتم فاعلون؟!
بانقلاب عسكري سُمي ظلماً (ثورة الإنقاذ الوطني)، استطاع عمر البشير اعتلاء السلطة وتربع فيها في السودان منذ عام 1989 وحتي اليوم، وبعد الفساد والقتل والتشريد والتهجير وفصل جنوب السودان، اعلن البشير علون ؟
حوار الدم والمهزلة في يناير 2014 . بعد الزيارة الخاطفة  التي قام بها للعاصمة القطرية ( الدوحة) قبل أسبوع من وثبته، وتحت إدعاء العلاقات، ولإتمام المؤامرة والتخلص من المد الثوري والحراك السياسي النشط الذي امتازت به تلك السنة وخصوصا في العاصمة، وللتحايل علي هذا الواقع، عمد (البشير) إلي بدعة سياسية أسمها "الحوار الوطني"، استطاع من خلاله الإمساك بخيوط اللعبة السياسية، وحصر الحراك السياسي ضمن مكوناته، وتحريم ما دون ذلك.
الحوار الوطني "وثبة البشير" التي ضمت في صفوفها 120 حزبا سياسيا من ضمنهم حزب المؤتمر الوطني (الحاكم)، كأحزاب مؤسسة، ضمت إليها فيما بعد 23 حركة مسلحة إكمالاً لخيوط اللعبة، ولكن ما يميز تلك المكونات أمران اثنان: الأول أن جميع تلك الأحزاب والحركات تدور في فلك حزب المؤتمر الوطني (الحاكم),  وتمول منه, وتعمل ضمن أجنداته، دون أن يكون لها موقفاً يخالف توجهاته، والثاني أن طريقة بناء الحوار الوطني وعدد ممثليه يعطي لحزب المؤتمر الوطني الأرجحية في التصويت حتي لو اجتمعت كل بقية المكونات بجهة واحدة ضد حزب المؤتمر الوطني.
تلك التجربة وبعد ثلاثة أعوام، يستحضرها (عمر البشير) للهروب من الواقع الذي وصلت إليه الثورة السودانية التي تكاد تطيح بحكمه ومصالح حلفائه في السودان، الاستنساخ  لمعارضة موالية له عبر تشكيل معارضة (علي مقاس البشير) يستطيع من خلالها إيهام الداخل والخارج من أنها معارضة وطنية (تحت سقف الوطن) كي يحاورها  ويتفق معها علي حلول لا تخرج عن أجنداته ولا تبتعد عن رغباته ومصالح حلفائه ومناصريه وميليشياته وأبواقه…
الحوار الوطني, الذي تم مؤخرا في الخرطوم، عكس هذا التوجه من تلاقي مصالح ما بين سلطة النظام وما بين الاتحاد الأفريقي ومن خلفها دولة قطر وبين ثلة من العاطلين عن العمل والمعينين ل(معارضة داخلية) من قبل حزب المؤتمر الشعبي (أمراء المخابرات الإخوانية).
الغباء الذي تجلي به الحوار في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا، بعد فشله الذريع بتوقيع علي خارطة الطريق أمبيكي مع النظام، هو أنه كشف  أوراقه منذ اللحظة الأولي عبر التماهي مع طلبات وفد النظام، أو عبر التوقيع علي البنود للخارطة التي تشير  عن الوجود الاثيوبي وعناصر من الاتحاد الأفريقي في دارفور، وربط أي حلول بسلطة النظام. وحكومة(البشير)، بعيدا عن أي نقاش بمصير رأس النظام أو بتشكيل هيئة الحكم الانتقالية، وبخنوع كامل لإملاءات "ابراهيم محمود وأمين حسن عمر) والمندوب الاثيوبي المشرف علي الحوار، الذي تكفل بإعداد بنود الخارطة بينما كان وفدي النظام وبعض من تلك المعارضة يتبادلان الأحاديث وشرب الشاي في أحد مواقع وزارة الخارجية الاثيوبية، ورغم المعاملة المذلة التي تعرض لها وفد (المعارضة) من القدوم بعربات (التاكسي) وسيراً علي الأقدام في وقت يتنقل فيه وفد النظام بعربات دبلوماسية ومرافقة أمنية، لكن تلك الأمور لم تحرك ضمائر هؤلاء، ولم تستطع أن توقف تمرير تلك التمثيلية المبتذلة، فحضر كل شئ في هذا الحوار وفقط العدالة والحيادية .
ممثلي الثورة وحراكها السياسي والعسكري مطالبون اليوم بنفض الغبار عن كواهلهم والتصدي للموقف تحت قاعدة (نكون أم لا نكون)، فمآلات الوضع تنذر بعواقب وخيمة وتمهد لمقدمات قد تعصف بكل الأثمان التي قدمها الشعب السوداني علي منذ 27 عاما، طالته فيها كل أشكال القتل والاغتصاب والتشريد والتهجيروالنزوح والتدمير، ولم ترحمه آلة عسكرية إخوانية عنصرية دفع ثمنها من قوت شعب السودان لتحمي حدوده فقتل فيها.
نداء السودان وكل من رفض وثبة البشير،مطالب بإعادة ترسيخ معني التمثيل الحقيقي للثورة السودانية من خلال إعادة تسويق أهدافها المحقة للمحافل الدولية، وطرحها كحقيقة تؤكدها الوقائع،مع عدم الوقوع بالخطأ، وإهمال الجناح العسكري والقيادة العسكرية الحقيقية القادرة علي قيادة الدفة، وعليهم أيضا فضح أساليب التعويم  الرخيصة لشخصيات لا يعرفها الشعب السوداني ولا تمثل ثورته، يلمع صورة النظام، ويدفعها لتمضي معه  في حوار أشبه ما يكون باجتماع للقيادة هيئة الشوري لحزب المؤتمر الوطني (الحاكم)، وبالتالي تُختزل الثورة  بهؤلاء وتعاد هيكلة النظام من خلال عملائه، وتبقي المعارضة الحقيقية غارقة بأحلامها والوعود الوردية التي ما حصدت منها سوي خيبات الأمل.
التصريحات الأفريقية الأخيرة سواء كانت من رئيس الاتحاد الأفريقي أو رئيس الآلية الأفريقية رفيعة المستوي (ثابو امبيكي) عندما قال: " بأن أي مفاوضات بشأن خارطة الطريق يجب أن تكون بين الأطراف، وليس مع الآلية الأفريقية".. وتابع قائلا: "عليه فقد أحلنا الوثيقة لحكومة السودان وطلبنا ردها، لذا فإننا سوف نعود إليكم في أقرب وقت ممكن", كما قال: "إن الآلية الأفريقية باعتبارها مسهلا لن توقع علي أي مذكرات تفاهم مع أي من الأطراف السودانية"!!!؟ تلك التصريحات لم تفاجئ الثورة السودانية، بل أعطت صورة واضحة عما تضمره السياسة الأفريقية للشعب السوداني وثورته، وأظهرت للعلن ما كان يتم تحت الطاولة وفي الغرف المظلمة ، وأول الغيث قطرة هو الإنتقاد الذي وجهه "نداء السودان" لأصدقاء الشعب السوداني بأنهم يشعرون بتخاذل الاتحاد الأفريقي ورئيس أليتها الرفيعة بدعمهم الشعب السوداني بما يشبه الكرتون المقوي، مقابل دعم فولاذي لنظام البشيرمن قبل قطر وروسيا واثيوبيا وتشاد والسعودية…
هذا الانتقاد يجب أن ينعكس فعلاً ميدانياً وسياسياً من مفاصل الثورة، وعلينا الالتفات لبناء تحالفات إقليمية- دولية هي الأقدر علي مساندة الشعب السوداني وتقوية شوكته أمام بعض  الدول التى مارست علينا العهر السياسي خدمة لأجنداته السياسية!
الآلية الأفريقية كشفت أوارقها، عندما وقع مع النظام خارطتها.أما النظام فصنع معارضيه وجمعهم في (وثبته). والشعب السوداني يستحق الأفضل.. فماذا أنتم فاعلون؟؟؟
————————-
احمد قارديا خميس

صراع هوية و ليس صراع مصالح

 ربما قادت العولمة والإنفجار المعلوماتي و التحولات الإقتصادية الدول لمرحلة الخروج من التحالفات و الانتماءات الضيقة, الي كلٍ عالمي موحد و معياري ذو خاصية يميزها الإنفتاح علي الكل, و المصالح المشتركة, و المصير المشترك, و الاخوة الإنسانية و جميع السرديات الكبيرة. و بشكل متناقض ظاهريا paradoxically هو ذات التطور التاريخي الذي أفضي للمرحلة الحالية من عمر العالم "مرحلة الانغلاق علي الذات". كان هذا جزء من حتمية التطور و كنتيجة للصراعات التي صاحبت العولمة و إفرازاتها, ومنها التغريب alienation ,إقتصاديا أو إجتماعيا أو سياسيا, الذي عانته الشعوب في فترات العولمة لإبتعادها عن جذر تكوينها, و بنيتها الإجتماعية و الإقتصادية و السياسة المحلية, التي تمثل مصدر إلهام سلطتها و شرعيتها و قوانينها و مصالحها, فهي بني مستمدة من أعراف تلك المجتمعات و خبراتها الشعبية المتراكمة. و هي علي ذلك ،و علي الرغم من تناقضها مع ذاتها المتمثل في بعض الفروقات ما بين أجيال هذه المجتمعات و تمركز السلطة أبويا patriarchy عند جيل الشيوخ و تراتبيتها hierarchy، تمثل هذه الجماعات و تسعي لتوفير نموذج أساسه التراضي consent. عوضا عن الإمتثال للمعيار الكلي الذي تشكل وفق ثقافة جديدة ناشئة و غير ضاربة بشكل مؤسس في عمق المجتماعات التقليدية و غير محاذ لخصوصيتها .وهو بالتالي يؤدي لتغريبها. لو أخذنا كمثال قوانين الإدارة الأهلية في دارفور, كانت منبثقة عن إرث تنظيمي شعبي متفق عليه. و قائم علي تحقيق حياة يومية للقبائل المختلفة وفق منظومات قانونية و إجتماعية. إن الإتجاه نحو القومية nationalism و الإنسلاخ عن العولمة globalization لا يمثل نهاية المطاف فحالما يتحقق عمليا لدولة ما هذا الانسلاخ, كما حدث لبريطانيا, ستسعي المكونات الاجتماعية و الوحدات السياسية, اي الاقاليم التابعة لها في السعي نحو مزيد من الانفصال, بما يحقق لها المزيد من الخصوصية. و ما حدث في اوروبا كان من الأولي أن يحدث في إفريقيا, باعتبار انها مجتمعات تقليدية. غير ان الواقع هو أن افريقيا ما زالت تتجه نحو الاقليمية و القارية و العولمة, و لم يحدث التحول نحو العولمة بعد بشكل جذري وكامل, حيث مازال هناك إرتداد استدراكي للإرث يستقي خلاله القادة الافارقة من حين لآخر من التقليدي من محتواة او فنياته. لخلق موائمة مع الواقع التقليدي. و هو ما جعل التحول نحو المعياري العالمي بطيئا و سبب ململة وسط النخب. و هي ذات الوضعية التي مكنت بعض الحكومات الإفريقية من الاستفادة من الفجوة والارتباك و عدم التجانس و من المرحلة التاريخية التحولية غير الناضجة ، مكنتها من البقاء و الإستمرار في سياسات لا تمت للمصلحة العامة بصلة و لا تستمد شرعيتها من المواطن. و ظهرت معضلة أساسية متمثلة في مفهوم المواطنة و تعريف المواطنة و تحديد حقوقها المعيارية في ظل واقع يسمح بالتلاعب و التشويش. هذا علي خلاف ما حدث في أوروبا, و قاد حلم المواطنة إفريقا و القارات الاخري للالتفاف حول النموذج المعياري الاوروبي "المثالي". غير ان واقع تحقق النموذج المعياري علي الأرض في اوروبا كان مفبركا, وإعتمد في إستمراره علي سياسة إرضاء consent قائمة علي إستخدام استراتيجيات تضليل و إلهاء manipulation علي مستوي عالي. و تحكم في العقول mind control مقابل أساليب القمع في المجتمعات الإفريقية, و الهندسة النفسية و الإجتماعية social and psychological engineering و الذي أظهر عورة الانظمة الإستبداية بالقارة الإفريقية بوضوح قاد الشعوب الإفريقية للبحث عن أوطان حاضنة. يحدث هذا في ذات التاريخ, في ظل تناقضات و صراعات شبيهة و تغييب للمواطن في اوروبا. مما أظهر تيارات مناوئة جديدة و أكاديميين و نقاد تناولوا المعيايير المزدوجة و التناقضات في سياسات العالم الأول. و هي بذرة الوعي التي أدت لنشوء تيارات موحدة في جميع أنحاء العالم ذات موقف فاعل و وعي مستنير تجاه ما يحدث في العالم. و هي ثمرة من ثمار العولمة و توفر المعلومات و سهولة إنتقالها و تداولها. و هي في تقديري تمثل معول داعم للتغيير و مسئول عن التنوير و كشف الحقائق و ليس الجلوس علي كراسي وثيرة و العمل من وراء زجاج يفصل ما بينهم و الشعوب. فنموذج الإنسان العالمي المتصالح و الواعي و المطلع علي ماوراء الظاهر و المضطلع بدوره في التغيير يمثل حلقة الوصل مابين العوالم و الثقافات. و هذا إسترسال في سياق يمكن العودة له لاحقا في موضوع منفصل. و بالعودة للمحور الخاص بأروبا, لا يمكن فصل ما حدث اليوم من توجه نحو القومية الذي قادته المملكة المتحدة من واقع بنية الوعي الجمعي الأوروبي, المنطلقة من ثقافة الفردية individualism التي تميز الشحصية الأوروبية. و هي بحكم تكوينها النفسي اقرب للإنغلاق علي الذات و التمركز حولها عن الشخصية الافريقية الغارقة في الاجتماعي و الجمعية. إن ما سيحدث و حدث و سيستمر في الحدوث في أروبا من توجهات نحو الخصوصية القومية ثم المحلية ثم الي وحدات إثنية أو سياسية أو اجتماعية أخري, هو نتيجة حتمية لافرازات التغريب و التضليل و الالهاء. لم يعد السؤال سؤال مصلحة طالما إنتبهت الشعوب لغياب مصالحها . و هي ردة معقولة. حيث أضحت الشعوب الأوروبية تبحث عن ذاتها و تسعي لتحقيق هويتها. في ظل إغراق هذه الهوية في معايير ملزمة دوليا و غير متجانسة مع مصالحها. فلا غرابة في أن الجيل الذي دعم صوت الإنفصال في إستفتاء بريطانيا هو الجيل المحافظ. حينما نقارن ذلك بالنموذج الافريقي المتمثل, مثلا, في إنفصال جنوب السودان و سرديات الإنفصال المتصلة بجبال النوبة و النيل الازرق و دارفور والنوبيين في شمال السودان, فإننا نتحدث عن حالة صراع و إحتدام لصراع هوية ناشئ عن محاولة فرض نموذج دولة قومية بدون مراعاة لتمثيل الهويات الثقافية و الإثنية و السياسية المختلفة, المكونة لحيز الدولة الجغرافي و التاريخي. و هو ما قاد لمقاومة شرسة, أدت لإنقسامات لوحدات جغرافية و إثنية تسمح بوجود تمثيل للهويات التي عانت الاقصاء والتغريب لفترة طويلة. غير أن هذا الانقسام ,كما حدث بالفعل في نموذج إنفصال جنوب السودان,لم يكن نهائي فبذات المنطلق ستسعي وحدات إثنية و ثقافية و سياسية اخري ,غير ممثلة, للانفصال او ستسعي للحصول علي حقوقها في التمثيل المعياري. و هذا يفسر نشوء و إعادة إنتاج الصراع في جنوب السودان و شماله معا. الشاهد أن المرحلة التاريخية للصراعات العالمية مصدرها البحث عن الهوية لغيابها بسبب القمع و الاقصاء او الالهاء و التضليل. كنت دائما ما انظر لنموذج الهجرة العكسية من و الي القارات المختلفة كنموذج واعد للاندماج و للدبلوماسية الشعبية. و لخدمة مصالح الشعوب بدون وسطاء يستفيدون من خلال صناعة فائض قيمة معنوي و مادي لخدمة النخب الحاكمة و المؤسسات الرأسمالية التي تحكم العالم. و هو ذات النموذج الذي يسمح للشعوب بأن تجد ذاتها الإنساني وعلي قدم المساواة. و تبعد شبح وجود شعوب حاضنة و شعوب هاربة لاوطان جديدة. فلكل أرض ميزة إستثنائية ما يجعل منها حاضنة للإنسان و صديقة له. فعلي الشعوب السعي لتغيير النخب الحاكمة التي لا تمثل مصالحها و الإتحاد و التعاون علي فعل ذلك. و لكل شعب مزايا جديرة بتعرض الآخر عليها. فهنالك إرث إنساني هو حق يتوجب أن يكون مشاعا للجميع. تحتاج الشعوب أن تقدم نفسها لنفسها بنفسها. و أن تختار قادتها وفق رؤية تمكنها من ذلك. و لا غلو في أن حرية الشعوب في تقرير مصيرها مبدأ لا يمكن العبث به .
—————————————–
 نجدة منصور najdamansour@gmail.com

مواطن الجنينة ضحية صراع الكراسي

أشباه السياسين وانصاف المتعلمين داخل منظومة المؤتمر الوطني بولاية غرب دارفور ظلوا في صراع دائم في ما بينهم وهذا الصراع طويل المدى أنتج لنا مجموعات بغيضه كل مجموعة بتحاول بقدرما تستطيع ان تسيطر على مجريات الأمور بالولاية حتى تكون سيدة الموقف ومتحكمة علي الحقب الوزارية، وبعد الاتفاقيات الكثيره التي وقعتها حكومة المؤتمر الوطني مع بعض الفصائل العسكرية التي تدعي بأنها تمثل إرادة الشعب و لم ترفع السلاح إلا  إيماناً منها بحتمية التغيير وفي الأخير باعوا القضية بأرخص الأثمان وارتموا في حضن النظام وهو بدوره جعل منهم قيادات كرتونية ليكسر شوكة الثورة و يغبش وعي الجماهير بهؤلاء الارزقية ،وهللوا وكبروا ورقصوا إحتفالا بميلاد قيادات من العدم ليتم استخدامهم لفترة محدودة لحين انتهاء صلاحيتهم، وبعد ان أوشك زمن  انتهاء الصلاحية وبدأ الأعداد لرميهم في الزباله انتفضوا وكشروا عن انيابهم، وصنعوا تحالف عريض مع بعض المجموعات الغاضبة داخل المؤتمر الوطني التي لم تجد حظها في آخر توزيع للكيكه ،وبداوا يلعبون علي النسيج الاجتماعي ليكون وسيلتهم في حربهم ضد المجموعات المستحوذه علي السلطة، ومنذ تلك اللحظة لم تنعم ولاية غرب دارفور بحياة آمنه في كل يوم تجدهم يصبون المياه في الزيت الساخن، والآن كل المجموعات داخل المؤتمر الوطني بدأت في تصعيد الأمر عبر الاستقطاب القبلي من أجل الانتصار لمواقفهم ومصالحهم، وهناك عدد كبير من الناشطين تأثروا بهذا الاستقطاب القبلي بوعي أو  بدون وعي وركبوا الموجه وتناسوا دورهم الطليعي وسط المجتمع، فتجدهم يوزعون البيانات القبلية المشحونه بالجمل والعبارات المهيجه والمستنفره والعجب اؤلائك الذين تحولوا الي طبالين حروب، في كل رأس ساعة ينزلون المناشير و يسيئون فيها لكيانات اجتماعية بعينها متناسين ومتجاهلين لأدنى القيم الأخلاقية التي يجب ان يتحلى بها المسلم. ..
رسالتي لاشباه السياسين وانصاف المتعلمين داخل المؤتمر الوطني بولاية غرب دارفور في كل مجموعاتكم المختلفة التي تصارع علي كراسي السلطة، تصارعوا كيفما يحلوا لكم تقاتلوا في ما بينكم ،اغرقوا بدماءكم حتى الموت،لكن ابتعدوا عن نسيجنا الاجتماعي فهو الشيء الوحيد الذي تبقى لنا بعد ربع قرن من تسلطكم علينا و نحنُ لن نرحم من تسول له نفسه علي الاعتداء عليه و إستخدامه مطيه لكراسي السلطة. …
….
رسالتي للناشطين. …
أنتم الآن تم وضعكم في محك تاريخي اما ان تثبتوا لمواطن الجنينة أنكم قدر التحدي و اما ان تسقطوا وتتلاشوا كغيركم من الذين يتبجحون في زمن البارده و تأتي الصعاب فيصبحون كان هنا ناشطون. 
إذا اردتم ان تواصلوا في مشروع الإصلاح فابدوا من داخل البيوت من اقاربكم حاولوا انسفوا المفاهيم التي تم بثها في اليومين الماضيين وهي الآن تسرى في أواسط الناس كما تسري النار الهشيم. .
ادفعوا بمبادرات لتهدئة الخواطر و ادعموا كل المبادرات الرامية للإصلاح …
اجعلوا من صفحاتكم في الفيس وباقي المواقع منابر للسلام
———————–
الطيب ال إسحق

يحدث (في دولة الباطل)..!

يحدث (في دولة الباطل)..!

تذكرة:
* ليس أمام الشعب السوداني سوى (الفرجة) كما يبدو؛ وهو يرقب إنهيار كل شيء أمامه.. لا يوجد مسؤول (صاحب مسؤولية) إنما مجموعة (منافقون) يقولون ما لا يفعلون؛ وآخرون يتلاعبون بالوقت ولا يُنتظر منهم غير تخريب هذه البلاد أكثر مما هي (خربانة).. هذا هو المشهد؛ فلا تأملوا في هؤلاء خيراً.. بل انتظروا الساعة..!
النص:
* البرلمانيون الذين أرادوا إعادة أسطوانة (الشهادة والجنة) وكأنهم يمتلكون مفاتيح الرضوان؛ فات عليهم أن العقل السوداني لم يعد مغلقاً ليثيره هباء ألفاظ من طرف الألسن؛ أصحابها (يقولون ما لا يفعلون) حتى مقتهم الناس..!
* فقد دعا بعض البرلمانيين إلى تحفيز الشباب على التجنيد من أجل الشهادة والجنة..! لم يدع هؤلاء إلى التجنيد من أجل (الروح الوطنية) التي نفتقدها الآن.. ولا من أجل تنمية الحياة وعمارها..! ولم يدعون لدولة العدل والقانون والشفافية..! كما أنهم لم يحددوا الوجهة التي يجب أن يذهب إليها الشباب حتى ينالوا (الشهادة!!) بينما ينعم البرلمانيون بسياراتهم وبيوتهم.. يترفهون بين البلدان بدلاً عن (دخول الجنة!!).. إنه المنطق الانتهازي (القديم) باسم الدين؛ والذي مزق المجتمع وجعل (الولاء التنظيمي) مقدماً على المواطنة.. فقد عشنا زمناً رأينا فيه كيف أن بعض الناس حينما يتقدمون بطلب لأي خدمة من السلطان يشفعونه (بأن منطقتهم قدمت الشهداء وهي موالية للتنظيم!!) فصار الوطن إلى غربته الراهنة وضياعه العظيم..!
* على البرلمانيين توضيح (الأراضي السودانية المحتلة!) التي يجب أن يذهب إليها الشباب لينالوا الشهادة..! وقبل ذلك.. أليس من الأولَى لأصحاب الدعوة أن يفكروا في الصعود إلى الجنة قبل غيرهم؟! فمؤكد أنهم يعلمون مكان الشهادة..!
* إياكم أن تعتبروا جميع السامعين (نعاج) يستجيبون لأي هراء؛ مراء..! 
خروج:
* لا تعليق على حكم قاضي سنجة ببراءة (مدير الحج والعمرة) الذي كان متهماً وسبقت محاكمته؛ فالموضوع برمته متروك للرأي العام وجدل المتجادلين بالحق وبالباطل..! لكن الإشارة التي تؤسس للخطورة تكمن في هذا السياق: (أعلن المحامي عن مدير إدارة الحج والعمرة صدور حكم ببراءة موكله، وأن الحكم السابق مبني على خلوة دون رباط شرعي، ولا يوجد نص في القانون يحرم الخلوة دون رباط شرعي). انتهى.
* ما سلف يعني أن الخلوة برباط غير شرعي لا غبار عليها.. لا شائبة تشوبها.. لا مكان للشيطان فيها، وبالتالي لن نسمع ــ بعد اليوم ــ بمختلٍ تم القبض عليه.. وكأن القانون الذي لا يُجرّم المختلي عُمِلَ (رحمة للعالمين!!)..! 
* ورد في التفاصيل الخاصة بالبراءة أن المتهمين (الرجل والمرأة) كانا بكامل ملابسهما ساعة توقيفهما وفي وضع طبيعي داخل العربة..! 
* ولما كانا (بكامل ملابسهما!!!) فلماذا تم التبشيع بهما..؟؟!!
* أيها الناس: من أراد الإختلاء فليفعل؛ شريطة أن يكون (لابس) حتى لا يضايقه (الطقس)..!!
أعوذ بالله
ـــــــــــــــ
عثمان شبونة

المارحة … “تقرعها” السدارة!

السَّرحة والمرحة، من ادبيات البادية، واهلنا الأبّالة (رعاة الإبل) يسوسون إبلهم كما يسوس الحاكم او الزعيم السياسي أو القائد الثوري رعيته، ذلك أن الجِمال بقدر ما هي صبورة، وطويلة النَفَس، هي كذلك عنيدة وحقودة، لن تنسَ الإهانة وإن طال الزمن، ولن تستكين للخنوع متى ما كان قادراً  على صد الإهانة، اضف إلى ذلك لها نزوات، وتعتريها تشنجات خلال دورة حياتها، ويتطلب التعامل معها الحكمة والروية، منها خرت القتاد والمرحة، أي الشرود والعرض خارج السرب او القطيع، باندفاع ودون إنذار مسبق. الأبالي لا يأبه كثيراً بالبعير المارِح، مفارقا القطيع، طالما كانت وجهته السدارة (التل الرملي او القوز)، إذ هي تمثل الكابحة الطبيعية لمثل هذه النزوة العابرة، وهم يعلمون أن مبعث المرح، لا يخرج من كونه الإحساس بالبدانة، او الشعور برتابة المسير او وجهته، وقد يكون مرده ضيق الحيز المسموح للعرض من قبلهم، لذلك تجدهم مطمئنين على البعير المارح من انتهازية الهمباتة، ذلك أن الشارد الأصيل صعب المِراس على الغرباء.
وكثيراً ما يلجأ الساسة إلى صفات الإبل في خطبهم السياسية، منها، لا ناقة لي لا فيها ولا جمل، دونها خرت القتاد، ذروة سنامه، ترك الحبل على الغارب، يَرغي ويَزبِد، وما هكذا تورد الإبل، خبط عشواء، والباب يفوِّت جمل، وفي التشظي تستخدم كملة "فصيل" وفصائل، وهو ولد الناقة إذا فُطم وأبعد عن أمه، ومن فقد مكانته السياسية أو الاجتماعية وتحسر على ماضية يقول: لقد كنتُ، وما يُقادُ بي البعير، وللذي يخالف الجماعة، ويولي الأدبار دائماً يقال: أخلف من بَوْل الجمل، لأَن بول البعير هو الوحيد إِلى الوراء دون سائر الحيوانات.
والمارِح الأصيل، غالباً ما يمرح وعيناه لا تبرحان القطيع، وليس أحمقٌ لتغيير وجهته 180 درجة، مهما عانى من يأس، وليس اخرقٌ للعن ماضية، او التفل في البئر التي شرب منها، مهما واجه من تجاهل، يشبع غروره، ويرضي نزوته، ويعود بالتدرج إلى مراحِه وإن طال المسير، أما غريبو الأطوار، والدخلاء، والمنافقون، والمؤلفة قلوبهم، فيتيهون في فلاة السياسة، يمرحون لأول شعور بالبدانة السياسية، ويشردون من أول مأزق يواجهونه، يعانون اللجاجة الفكرية متى ما تشابهت عليهم بقر السياسية، وفي آخر المطاف يجدون أنفسهم مشردون، يسألون الساسة إلحافا اعطوهم بثمنٍ باهظ من "قيمهم" او منعوهم بازدراء.
لا يخفى على المراقب السياسي، أن منازلة ثوار الهامش لنظام الإنقاذ قد طال أمده نسبياً، وأن مواجهة المعارضة المدنية لذات "الكابوس" قد إستطالت، الأمر الذي هدى بالكثيرين من مناوئي النظام بشقيه، من الشرود والمَرَح خارج السرب، زرافات ووحدانا، لأسباب لا تختلف ولا تخرج في مجملها عن دوافع مرح البعير من المُراح، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الظاهرة مصدر قلق لأحد، فهي طبيعية، ومهما اُعطيت هذه الشريحة من قوة وفاعلية، فليس في استطاعتها تغيير وجهة المسير عن جادة التغير الحتمي والراديكالي.
لقد اثبت المؤتمر الوطني أنه أكبر كابحة سياسية "للمارحين" من الثوار، والساقطين من ثقوب المعارضة المدنية، بسبب عدم استعداد رموزه الآثمين، السماح للأصلاء والصادقين من هؤلاء ــــ إن وجدوا، الصعود إلى قمة السدارة، ومشاهدة الجوانب المظلمة من نظامهم على الضفة الأخرى، بالإضافة إلى الشروط القاسية التي يمليها على هؤلاء، والتي تجردهم من كل نخوة للبقاء في كنف منظومتهم القائمة على الابتزاز وحياكة الدسائس، والمشاركة في ولائم السحت، لإبداء حسن النوايا. أما العامل الآخر، فيتمثل في أن هؤلاء الناشزين يراهون على بقاء النظام ليس إلا، وأن مستقبلهم على المحك مع أي تشكيل وزاري او منعطف سدّاري للنظام، وتتجلى "سدارة" نظام الإنقاذ، في أن الذين يلوذون به، بالضرورة أن يهتفوا بحياة جلاديهم، ويتغنوا بفضائل قاتلي أهلهم، طيلة فترة الحضانة، وبعدها يدخلون في نوبة هذيان إلى أن يصمتوا إلى الأبد.
وإذا كانت الحمير والخيول تتمتع بحاسة قوية في الاسترشاد نحو الاتجاه وتعرف طريقها، فإن الجمال لا تتمتع بهذه الحاسة، لذلك فإن الجمل الذي يتأخر عن القطيع ليرعى، يفشل في أغلب الأحوال في الاهتداء إلى باقي القطيع، ويظل يدور، ويدور إلى أن يسقط، وكذلك يفعل بعض الساسة التائهين، لكن الجمال الأصيلة، وكذلك السياسي الفحل، او الثائر ذوي الانتماء المتجذر، إذا تخلف احدهم عن القطيع أو ضل الطريق، فإنه يتجه رأساً إلى مسقط رأسه (الثوابت الوطنية، والمنطلقات الثورية). 
يقول مثل آخر ذو صلة بالجِمال: الذود من هَدرة الفحل، لكن في الآونة الأخيرة، ازداد الريب من "الفحول" الهادرة، والنُوق "المتختخة"، إذ ان المبالغة في الهدر، اصبحت تنذر بالغدر، ولعل السبب انتشار ظاهرة البلوغ المبكر في الساحة، بسبب الهرمونات السياسية المسمومة، رخيصة الثمن والمفضلة لدى نظام الإنقاذ، وبلا شك أن الإكثار من جنس هذا "الكسب" المسموم، سيعجل من مفارقة النظام للحياة السياسية، بأعجل مما يتصور، فهنيئاً لهم، وبكل تأكيد، أن في مرح بعض الدخلاء على الثورة، خير على الثوار، وبركة على مسيرة التغييرة، و"المارحة تقرعها السدارة".
وقفة تأمل:
نحن نطارد العنزه الفارده   ونحمي الدود مشارع النيل
خانني ذكائي، وخذلني اصدقائي في إدراك مقصد خليل افندي فرح من "العنزه الفارده" في هذا البيت من قصيدته الخالدة "الشرف الباذخ" وإن كان هنالك رابط بينها والدود في عجز البيت.
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة: 
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk
————————–
ابراهيم سليمان

إقليم دارفور بين الأمس واليوم!

ظل المجتمع الدارفورى لعقود مضت عصى على التفتيت نسبة لطريقة العيش المتداخل حيث ينقسم السكان إلى مجموعتين زراعية والغالب الأعم زرقة و رعوية والغالب الأعم يسمون عرب واشك في ذلك نسبة للفرق الشاسع بينهم والعرب أنثروبولوجيا و حتى علميا عبر DNA ثبت أن أصولهم ليست عربية منهم من جاء من غرب إفريقيا و منهم آخرون لا تعلمونهم طريقة عيش المجموعتين أسهمت في تكوين صداقات أسست لعيش آمن مبنى على مصالح دائمة communal bound.
 يوفر المزارع المنتوجات الزراعية خاصة الغلال والراعي الحيوانية بكل أنواعها و لعهد قريب كان يوم السوق في دارفور عبارة عن عيد و لقد شهدت سوق في وسط دارفور في أوائل الثمانينات يتم ذبح أكثر من مائة بقرة و ضعف ذلك العدد من الماعز و الضأن أسبوعيا دون أن يؤثر ذلك على الماشية نسبة لتوفير المجتمع الرعوى لذلك العدد.  أيضاً أسهمت الآلية المحلية المتبعة في فض النزاعات في مجتمعات دارفور حيث تتشابه هذه الآلية على طول الإقليم وعرضه مما سهل فض  النزاع بين الراعي المتحرك والمزارع المستقر حيث أينما يذهب الراعي يعرف ماهى ألاحكام المترتبة عليه في حال اعتدائه على المزارع ظلت الجوديه وهى الآلية المجتمعية التى تحكم نزاعات كل المجتمعات في دارفور دون استثناء و أحكامها مرضية للطرفين نسبة لموافقة الطرفين على الأعضاء مسبقا مما يجعل أحكامها مرضية و ايضا وجود عرف غير مكتوب لكنه منقول شفاهه و هو بمثابة قانون أسس بين الأطراف لعشرات السنين مما يسهل عملية الحكم.اسهمت هجرات المجموعات المختلفة على مر السنين في خلق زيجات ساعدت على تذويب الفوارق بين المجموعات المختلفة و عضضت من لحمة المجتمع. كانت في دارفور تحالفات بين خشوم البيوت وسط القبائل و كانت صيغة التحالف هى (أن الجميع يسل الدية ويعقل الوليه ) وهى تحالفات أسهمت فى تقليل النزاع حيث كل خشم بيت يكون هو الضامن و المدافع عن خشم البيت عند قبيلته. أيضا أسهم النظام الاهلى مع أنه وراثي (هرقلى) فى حفظ السلام بين المجتمع الدارفورى هذا النظام المتوارث أسس لحفظ القوانين الغير مكتوبة حيث يورث نظام الحكم من الناظر او العمده أو الشيخ إلى أحد أبنائه بعد أن يكون صقله أثناء حياته حيث يكون هذا الابن ملازم لأبيه في كل مجالس فض النزاعات مما يكسبه خبرة تجعل منه شخصية كارزميه تحظى بالاحترام من الرعية و الآخرين عند موته يخلف هذا الابن المعد لهذا الدور سلفاً و تكون عملية انتقال السلطة سلسة. كانت المجموعات الرعوية تتحرك في خطوط متعارف عليها بينهم والمزارعين تسمى محليا بالمرحال هذه المراحيل يمنع منعاً باتاً زراعتها من قبل المزارعين و الشيخ هو الضامن لبقاء هذه المراحيل مفتوحة في الخريف مما يقلل الاحتكاك بين الراعي والمزارع، بجانب المراحيل هنالك قوانين تنظم موارد المياه حيث يمنع استخدام الرعاة  الرحل لمصادر المياه خاصة تلك التى تقع بالقرب من التجمعات السكانية من قرى وحلال. إن حركة الرحل من خلال هجرتهم المعروف من الجنوب إلى الشمال في فترة الخريف و من الشمال الى الجنوب في فترة الصيف حيث تضع كل أسرة من الرحل الشمل وهو أغطية منازل الرحل في فترة الخريف عند اسره معينه حليفة لها في القرى حيث لكل مجموعة رحل أصدقاء يضعون عندهم الشمل في رحلتهم إلى الجنوب حيث لا حوجه له في رحلة الجنوب لعدم و جود مطر في تلك الفترة من العام في أثناء وضع الشمل يتزود الرحل بالدخن أو الذرة من الأسرة التى وضعوا عندها الشمل و غالبا ما يكون هنالك غلال مقابل حيوانات أو منتجاتها جزاء من الصفقة هنالك مزارعين في دارفور يمارسون الزراعة و تربية الحيوان فى فترة الصيف يودع بعض المزارعين مواشيهم إلى الرحل في رحلتهم إلى مواقع توفر الماء في فترة الصيف لتصيف معهم وتعود في رحلتهم إلى الشمال في الخريف إلى أصحابها أسهم هذا النمط الحياتي المتوارث في جعل المجموعتين تعيش في أمن وسلام إلى أن تفجرت الأوضاع في دارفور في بداية الألفية الثالثة 
المجتمع الدارفورى بعد الحرب
غيرت الحرب في دارفور نمط حياة السكان رعاه أم مزارعين من خلال تفكيك الآلية التى كانت تحكم عيش هذه المجموعات.  بعد الحرب و انقسام المجموعتين بصورة غير معلنة و الكل ينكرها لكنها موجودة على أرض الواقع رعاه مع النظام و مزارعين مع المعارضة هذا الانقسام الغير معلن باعد بين الطرفين بصورة صارخة و غذى ذلك وجود طفيليه سياسة نشأة من خلال بحث النظام عن أشخاص key persons من الطرفين للتسهيل عملية التحكم في الإقليم متجاهلا الآلية المجتمعية التي كانت تحكم و تسهل عيش المجموعات المختلفه مع بعضها البعض
دور النظام في تدمير النسيج الاجتماعي
عند قيام ثورة الإنقاذ سعت إلى إحداث تغيير في الشخصية السودانية و ذلك من خلال برنامج اسلمة المجتمع تلك الأسلمة الغير مدروسة أنهت النظام الديني الذي كان يسهم في تذكيه المجتمع المحلي و تستجيب لحاجاته الروحية بناء على فهمه البسيط و كان الفكى وهو الفقيه وهو  مرجع هام و أيقونة محلية تمثل النموذج الأخلاقي الذي يقتدى به المجتمع و يمثل ركيزة تضمن سمو  اخلاق المجتمع.  مشروع الأسلمة هذا غيب دور الفكى في المجتمع المحلي و جاء بآخر يقول كلام غير مطابق مع واقعهم المحلي فهذا الآخر يدعو للحرب و مناصرة  إخوانهم في أفغانستان التي لم يسمعو بها من قبل و ما تسمية طورابورا إلى واحدة من  تلك المصطلحات الوافدة على  المجتمع الدارفورى. بدأ النظام في استمالة الإدارة الأهلية لتصبح كلها منظمة تتبع للنظام وهو بذلك افقرها للحياد لتلعب دورها الرائد في المجتمعات المحلية و في بعض الأحيان غير النظام بعض الإدارة الأهلية و جاء شخصيات تفتقر للخبرة كل مؤهلاتها هى الموالاة للنظام أو في بعض الأحيان عدم الاعتراف ببعض رجال الإدارة الأهلية كما حدث في غرب دارفور حيث سعى النظام لدق اسفين بين آل  بيت نظارة عريق معلنة أن من هو على رأس هذه الإدارة العريقة غير متوج ك……  وعلى ذلك قس. أحدثت هذه الأسلمة قيادات منافقه حيث تربت هذه القيادات على نمط معين وفجأة وجدت نفسها في وضع مختلف لكى تعيش عليها أن تظهر مدى تقيدها بالدين  كمنهج حياة وكان المسخ رجل نشاء لايصلى فجأة وجد نفسه كى يعيش و يتماشى مع النظام ان يكون رجل صالح يتردد على المساجد و هو في قرارة نفسه غير مقتنع بما يعمل و من هنا ظهرت قيادات فاسدة على مستوى السودان وليس دارفور فقط  تتمسح باسم الدين وهى بعيده كل البعد عن الدين هذه القيادات هى من يقود دارفور الآن بل كل السودان وهى تحدث كل يوم دمار أكثر على النسيج المجتمعي. خلق النظام في بداياته تنظيمات جديدة كشباب الوطن و اللجان الشعبية من غير قوانين و أخلاقيات مهنة واضحة هذى الأجسام الجديدة سعت سعى جاد لتحل محل النظم المجتمعية الموجودة من قبل وهى لا تملك الخبرة و منسوبيها  أغلبهم من الذين يعيشون صراع داخلي بين شخصيتهم القديمة و الشخصية الدينية الجديدة و هى فى الغالب تدخل في صراع مع القيادات الأهلية و غالبا ما تنتصر نسبة لسندها من النظام و هكذا انزوت القيادات ذات الخبرة في شؤون المجتمع تاركتا المجال للقيادات الجديدة.  أما على صعيد المجتمع المجتمعي أثر النزوح في نظام الإدارة الأهلية وذلك من خلال فقدان قيادات كانت ذات وزن في قراهم الأصلية هذه القيادات جاءت إلى المعسكرات و وجدت نفسها بين ليلة و ضحاها من غير سلطان حتى على رعيتهم هذا الوضع جعل من المجتمعات تجمعات من غير قيادة تتحرك حركة غير منتظمة و ضاعت هيبة الإدارة الأهلية و انفرط عقد المجتمع. عند وصول المجتمعات النازحة إلى المدن وجدت نفسها تتبع نظم تختلف عما طورت عاشت عليه من نظم حكم مجتمعى في مناطقهم الأصلية هذا التحول خلق نوع من الصراع الداخلي بين التمسك بالقيم الموروثة أو الانصياع للقوانين و الأعراف الجديد هذا على مستوى النازحين وهم من الزرقة  المزارعين  اما على صعيد الرعاة فقد تغير نظامهم الاجتماعي و ذلك بتغيير نمط حياتهم حيث استقر بعضهم فى بعض القرى التى هجرها أهلها نتيجة لقصف الطيران الحكومى أو قارات الجنجويد وهم جلهم رعاه هذا الاستقرار جمع الكل في محل واحد و هذا أمر غير مألوف لهم فهم في الغالب رعاه متجولون و فجأة استقروا و لا توجد قيادة لتدير  المجتمع المستقر و بالتالي كثرت النزاعات الداخلية حتى بين المجموعات التى تنتسب لبعض و ظهر جيل جديد من الشباب لا سلطان لأحد عليه جيل يمتهن القتل و كل ماهو محرم   تأثرت المجموعات الرعوية بالقادمين الجدد وهو مصطلح يطلق على مجموعات رعوية قادمة من دول الجوار لا تتبع النظام الأهلي الرعوى المتبع  وهى قادمة من ثقافة أخرى ثقافة أقل ما توصف بأنها لا تراعى الأخلاقيات  الموجودة و السائدة بين المجموعات الرعوية المحلية في دارفور تأثر الشباب المحلى بشباب المجموعات القادمة من دول الجوار حيث الجنس مباح وليس بمشكلة هناك وبدأت سلسلة من جرائم جديدة دخيلة على مجتمع دارفور بل كل السودان  وهي جرائم الاغتصاب حيث لأول مرة تسجل بلاغات بهذه الكثافة في تاريخ السودان حتى حرب الشمال والجنوب لم تسجل فيها حالات اغتصاب كالتي حدثت في دارفور و لم تدول حينها.
سوف تتفاقم مشكلة المجتمع الدارفورى ولن يحل السلام لحين مخاطبة الأزمة المجتمعية وللأسف الكل في المحادثات يتحدث عن قسمة السلطة والثروة و التعويضات دون تطوير أهداف واستراتيجيات مناسبة لإعادة النسيج الاجتماعي في دارفور  وأقول  (أن أصعب النزاعات حلا هو النزاع المجتمعي) حيث يحتاج التصالح أن يمر بعده مراحل وقد تستغرق هذه المراحل عدة سنين فعلى الجميع العمل على وضع استراتيجيات لحل مشكلة دارفور على المستوى المجتمعي اذا أردو لدارفور أن تتعافى حيث إيقاف الحرب وحده لن يحل المشكلة.
————-

بقلم جميل محمود
12 ديسمبر 2015