أفراح

أمي ليس لدي حل سوي الزاوج من عبدالخالق وامتحانات الشهادة السودانية بعد عام..هكذا قالت افراح الي أمها..يابتي لو من الأول جلستي مع خطيبك قبل عامين كان خلاك تمتحني وبعد داك يكتمم العرس..انت جنيتي علي نفسك كل مايجي عبدالخالق لزيارتنا بالبيت انت تسلمي عليهو بس وتمشي وبعد دا كله كنتي تأخذي منه مصروف شهري وتقولي عايزه تتركيه..أحمد ود عمك وانت بتكرهيه قرب يجي واو وبكون معانا في البيت ولو جاء اكيد ابوك حيختاره ويفضله علي الغريب وانت عارفه ابوك صعب قدر شنو..انا بطني بتطم منه اذا لمحت شكله وما بطيق اتكلم معاه..أفراح كانت تذهب الي المدرسه التي تقع قرب سوق واو مع صديقتها فيحاء وكان عبدالخالق صاحب دكان لأصلاح الساعات اليدوية وكروت شحن الرصيد..في احد المرات عبرت فيحاء لأفراح عن اعجابها بصاحب المحل عبدالخالك وطلبت منها الذهاب معها الي المحل بعد انتهاء اليوم الدراسي بالمدرسه ويعملو فيها انهم عايزين يشوفو نوع الساعات الجديده العنده للبيع لم تعجب افراح بالفكره ورفضت ان تذهب معها وقالت ليها امشي انتي وانا حأنتظرك في ذلك العمود وعندما ذهبت فيحاء الي عبدالخالق سألها عن افراح فقالت له انها تنتظرني قرب عمود الكهرباء رجعت فيحاء وخبرت أفراح بعبدالخالق وبأنه سأل عنها..وبعد يومين قررت فيحاء معاودة زيارة المحل بحجة أصلاح ساعتها وطلبت من افراح التي تخاف ان يشاهدها والدها بزي المدرسه وهي بالسوق ان تذهب معها وبعد جدال كبير وافقت أفراح علي الذهاب مع فيحاء وهن يرتدين زي الثانوية السماوي اللون..فيحاء كانت تتجاذب اطراف الحديث مع عبدالخالق بينما التزمت افراح الصمت ولم ترد علي اسئلة عبدالخالق والذي بدوره طلب من صديقتها ان تعاوده في الغد لأخذ ساعتها..خرجت افراح مسرعه الي سوق واو واشترت النبق والفول والتسالي في فسحة الأفطار وعندما اعطت الحاجة النقود رفضت ان تأخذهم وردت عليها وهي تدلها الي أحد الرجال من علي البعد بأنه دفع لها فلوس الأشياء التي أخذتها وعندما نظرت اليه من بعيد وجدته عبدالخالق وكان يبتسم اليها كشرت افراح في وجه الحاجه واعطتها النقود وطلبت منها ان ترجع النقود لصاحبها او تفعل ماتريد بيهم..وفي نفس اليوم وهو المقرر لأستلام الساعه رفضت افراح مرة أخري ان تذهب الي محل عبدالخالق مع فيحاء وقررت أن تنتظرها بعيدآ..لم يعطيها الساعه بحجة انه لم ينته من اصلاحها واعطاها أخري وطلب منها أن تأتي في الغد لأستلام ساعتها وسألها عن صديقتها أفراح فقالت له انها تخاف ان تدخل السوق بملابس المدرسه وان شافها والدها سوف يعاقبها وربما يحبسها في البيت..ثم رجعت الي افراح وحدثتها بأن عبدالخالق يسأل عنها بأستمرار وانا ماعارفه حكايته شنو يا أفراح واعطاني الساعه دي وقال أجي بكرة أستلم ساعتي لم تعجب أفراح بما سمعت من فيحاء وطلبت منها الذهاب اليه قبل الغد وعندما وصلتا سأل أفراح عبدالخالق عن الساعه فكان رده بأنه لم يكمل اصلاحها كشرت أفراح في وجه عبدالخالق وضربت الطاوله الأمامه بشده وقالت كيف ما صلحت الساعه وهي عندك من أمس انا حركات الأولاد دي ما بتنفع معاي وما دايره أي لف ودوران معاك خلي قلة ادبك دي وادينا الساعه حتي لو ما اصلحتها وساعتك دي سعرها غالي من ساعتنا..فتح عبدالخالق درج الطاوله وأخرج ساعة فيحاء التي اصلحها واعطاها لأفراح والتي بدورها رمت ساعته في وجهه وخزجت مع صديقتها واعطتها ساعتها..وبعد خمسة أيام من استلام الساعه..تتبع عبدالخالق أفراح وهي في طريقها الي البيت..اوقفها وقال أنه يريد ان يتحدث معها كان ردها بأن يتركها في حالها..انا عايز اسألك عن بيت أبراهيم قالت له أنا لا أعرف شخص بهذا الأسم وهو والد أفراح..وجد فتاة صغيرة بالشارع وهي أخت أفراح وسألها عن بيت أبراهيم فقالت له هذا بيتنا..أعطاها خطاب وطلب منها ان تعطيه الي أفراح أختها الكبري..استلمت أفراح الرساله وذهبت الي الحمام للأطلاع عليها خوفآ من والدها كتب علي الرساله انا بحبك يا أفراح وعايز اتزوجك ولازم أشوفك واتكلم معاك دا كله قبل مايمش لوالدها عندما رفضت هي ان تكلمه..قطعت أفراح الرساله واختارت لها تكون داخل ظرف محكم وأعطتها الي عائشه وطلبت منها أن ترجعها الي صاحبها عبدالخالق..استفسرت منها عائشه عن مكانه وانها لا تعرفه شخصيآ..وعاتبتها عن أستلامها الي الرساله وهددتها أن شافها والدي سأقول له انك من احضرتها الي البيت وأنك تحدثت مع شخص لا تعرفيه..واستمرت أفراح في صمتها خوفآ علي مدرستها ومن والدها الذي قد يزوجها بشخص لا تحبه ومضي عامين وهي تحاول أن تتخلص منه عسي ولعل تذهب اسرتها الي الخرطوم لأن والدها قارب علي سن المعاش وخوفآ من ان يزوجها عبدالخالق ان علم أنها تحدثت معه او أبن عمها وهو عينه عليها..في أحد الأيام كانت أفراح بالمدرسه ذهب عبدالخالق الي والد افراح وطلب ان يعقد قرانه عليها حتي لاتذهب الي الخرطوم مع اهلها  واحضر معه والدته وعندما كانت افراح في طريق عودتها الي البيت لمحت من بعيد صيوان فرح في باب بيتها واصوات غناء ودلوكه دخل الشك الي قلبها وابطأت من خطواتها وصديقتها فيحاء وقرب باب البيت استقبلتها أختها الكبري عائشه بزغرودة كبيره وهي تقول لها مبروك أفراح انت صرتي زوجة عبدالخالق تسمرت افراح بمكانها وصامت عن الطعام والحديث مع امها ووالدها لأيام عديدة وتبخرت أحلام افراح في الدخول الي الجامعه..وتركت بيت الأسره وانتقلت الي بيت عبدالخالق بكوستي واصبحت أم لستة أطفال بينما انتهت فيحاء من دراسة الجامعة وذهبت خارج السودان وتزوجت بزميلها في الجامعة وانجبت بنت وولد وما زال عبدالخالق يحتفظ بالرساله المقطه التي ارجعتها له أفراح..بعد مرور خمسة عشرة عامآ علي زواجه من أفراح.
——————
سلمي أبوبكر

ليالي المولد

اقترب مغيب الشمس في الفاشر وكانت فتيات حي الكرانك علي موعد للذهاب الي ساحة المولد وهو اليوم الختامي بعد عدة أيام متتالية.. كانو يذهبون بالعشرات ويقطعون مسافة طويلة للوصول الي قرب مستشفي الفاشر الكبير قرب ساحة المولد حيث نصبت الخيام وبداخلها الحلوى المصنوعة من السمسم والفول السوداني والكبكبي وعروس المولد.. ارتدت البنات اجمل الثياب وتجمعو قرب شجرة اللالوب المشهورة في الحي وكل واحدة تحمل معها مبلغ من المال وشنطة صغيرة حتي تستقر الحلوى بداخلها.. وبما ان اليوم هو الأخير لابد من اذدحام البشر القادمون من أحياء الفاشر المتعددة نساء وأطفال وشباب.. وصوت النوية والدراويش يمدحون يسمع علي بعد مسافات طويلة.. بعض النساء اعدت الأطعمة في الخيام لتقديم الطعام والمشروبات.. كان هنالك صغار يضيعون وسط الزحام… كل فتاة تمسك يد الأخرى حتي لا يتفرق الجمع او تضيع احداهن ويتعكر طقس الإحتفال..عروس المولد كانت الأهم للفتيات وكل واحدة تشتري عروس من نقودها وترص العرائس علي الرمل بعد الخروج من زحمة الخيام وكل بنت عروسها بالقرب منها ويبدأ السمر والضحك علي الرمال ومن تنام يكيلون الرمل علي رأسها ويدسون عروسها.. وعندما تستيقظ بصراخ احداهن على اذنها ولا تجد عروسها وطرحتها وحزائها تبدأ المطاردة بين البنات والبعض علي الارض يحرسن العروسات من السرقة يعودون بعد ان يتعبن من الجري والعطش..يأكلون كل الحلوي التي احضروها من المولد وان تبقي منها توزع بينهم بالتساوي..كان البئر الذي اخذ مكانه قرب المستشفى مفضل للبنات وان كانت مياهه مالحة لكنها صالحة للشرب.. هي مضخة ولابد من بذل جهد لإخراج الماء من قاع البئر يشربون الماء ويعودون الي حيث باقي المجموعة لتذهب الأخرى للشرب.. لايوجد اناء علي حوض البئر سوي باقة من البلاستيك شقت الي جزئين وتركت للأرتواء ومسموح للحيوانات بالشرب منه.. تعود الفتيات ويتجمعون مرة اخيرة في شجرة السينما محل بيع التسالي في انتظار عودة الصبيان للعودة إلى البيوت في منتصف الليل.. لايحمل الأولاد اي من ادوات الدفاع عن النفس ولا العصي.. حتي الكلاب كانت ترمي بالحجارة.. والناس نيام في ذلك الوقت حتي صدأ الكلام يكاد يسمع وكانت الفاشر في منتصف التسعينيات آمنة وهادئة..توصل كل بنت الي اهلها ثم يتفرق الشباب كل الي بيته..
————
سلمي ابوبكر

قالوها مقلوبة

قالوها مقلوبة 
( يا ريت نعيدا)

جابوها مقلوبة قاصدينا هوبا
و نعجبك نحن ما ناساً لعوبة

قالوا لينا زغاوة عداوة 
لكن هم قاصدين غلاوة
ولقربنا ما خلوا حلاوة 

قالوا هرليل مصايب الليل
ودي الفراسة وركوب الخيل

تقد كان شافا جمل بقوم وبقود
برضو نحن بس حلاليين العُقد 

كم للإبل أصحابا وركابا
والباقين الليسفوا ترابا
لينا الصحاري والغابا
حماة المظاليم والغلابا
جيابين النفايس والبابا

رواد الثريا سمار الليالي
شقاقين الدروب للعالمين
ومن بعدنا الناس جايين

للمال عندنا فهم وقانون
والتجارة حرفتنا أم الفنون
الأسرة والقبيلة فى العيون
وكرمنا يعرفو عاقل ومجنون
الضيف نكرمو و لو ملعون
ويدنا لكل محتاج ومحزون

قالوا ود الغرب بسر القلب
تفتكرو مين هو سيد اللعب 
ما القالوهو كتير ما بيتكتب
بيضة ومكوية وكده تتحسب
الاغتراب لظى وليها نتكرب 
والقمر هين بس وين الدرب

ونقلة السبعينات مننا هدية
وعمت البلاد طفرة ومدنية
والأسواق كانت كلها ليبية
كسرنا الحاجز وكلو بالنية
تمدُن تحضُر جهود ذاتية 
رؤوس أموال كانت خرافية
تكافل تضامن أذهلت جلابية

العاصمة مسحناها أراضي
وناسبنا الكل قرش وتراضي
مين يقدر يقول فينا حكاوى 
وفي الجامعات عملنا بلاوي 
اها بري طب و بور هندسة
و الكليات خليناها مدنقسة
برضو جايين تقولو دغمسة 

ما نحن الزغاوة والعطرون
وكل الصعب عندنا بيهون
لحمنا مُر زي شجر الزقوم

وبكده كترت علينا الأعادي
وتكالبت الدنيا وكل الايادي
والكل أصبح باسمنا ينادي
ما عرفنا هلوسة ولا بتهاتي
و البعض افتكرونا البعاتي

قلناها ثورة وضربنا الأعماق
الفاشر امدرمان وده السودان
ما أظن بعدهم تاني في بيان
الرجالة دانقر ونحن البوادر
شلناها على اكتافنا شهامة
هم النشاما أولادك يا زغاوة

الحكومة خافت ضاقت حالا
جابت مرتزقة لتحمي عيالا
جيشت البلد طيران وذخيرة
عشان يواجهو بحر الدميرة
ولكن الفارس ضربتو أليمة 

ما سمعنا دولة تحارب قبيلة
سجل يا تاريخ والناس عليمة
فعلا دي سابقة وحالة فريدة
وما تجي الا من ناس عظيمة

النصر أتي بصمود وعزيمة
وبرجال عُرفو بقوة الشكيمة

ولكن زعزت الصفوف هزيمة
والكرة ستعاد أقوى بالتنظيمة
فلنبعد العلل والفرقة والقطيعة

ولنشرك اهل الارض الفسيحة
وهم الصحب والأهل والعشيرة
وبهم ستكتمل اللوحة الكبيرة
وكفي التاريخ يسطر المسيرة
———————
كمال الدين مصطفى

تمبوش والموس

كان الصغار يخافون منها لايذهبون الي منزلها ويركضون عندما تأتي عابره بالطريق المؤدي الي سوق القش بالجنينه.. لا ادري لماذا أطلق عليه هذا الاسم.. فقط هو تجمع للباعة والمشترين وحتي القادمين من محليات المدينه المختلفه.. يحمل بداخله قش للحيوانات وقد استقر علي الأرض وبعض الخضروات والمانجو المتوفر علي طول السنه القادم من بيضه وارارا.. لا يبعد السوق عن وادي كجا حيث جنائن المانجو.. كعادة أهل الجنينه وتمبوش الذهاب اليومي الي السوق لشراء حاجيات الطعام.. لا توجد ثلاجات لحفظ الطعام سوي بأعداد قليله جداً.. او لربما اعتاد الأهالي علي تذوق الطعام الطازج يومياً.. لم تكون هنالك كهرباء متوفره كانت تأتي لساعات قليله وتقطع.. تولد من مولدات الجاز وعندما لا يصل الجاز من الخرطوم تكتسي المدينه الخضراء السواد عدا من بعض الأضواء المبعثره للرتينه او الفانوس في الدكاكين والشوارع للسمر الليلي..واضواء الشموع تتسيد المنازل.. كان لدي تمبوش دكان في منزلها بحي النهضه تفتح ابوابه في الصباح الباكر ويغلق في المساء تتوفر فيه اغلب الإحتياجات اليوميه..يطل على الشارع الترابي ومقابل لمطعم مصطفى الذي يبيع الأطعمة بأسعار معقوله من فول وطعميه واغلب الزبائن من الأطفال..في الاجازة يذهب معظم أولاد الحي الي العمل نهاراً في ورش الحداده والنجاره ومحلات بيع الملابس لكسب المال.. وحتي لا يطلبونه من أهاليهم.. كان لدي تمبوش ولد يدعي إبراهيم وهو من أكثر فتية حي النهضة شقاوتا لايذهب الي العمل مثل باقي الصبية ولا يعمل مع أمه بالدكان.. طول اليوم يتنقل بين بيوت الجيران يلهو ويخرب ان أتيحت له الفرصه.. هو في الخامسه عشرة من عمره ودائم التغيب عن المدرسه واعتادت هي علي زياره المدرسه عدة مرات في الأسبوع وكان مشاغبا حد الإعياء لاساتذته.. وتم فصله من المدرسه… كثر تردده علي مطعم مصطفي طلبا للطعام بالدين يأكل يومياً ويذهب مصطفي الي تمبوش شاكيا وتدفع هي الدين لمصطفى.. كان يأكل ويغسل يديه خارج المطعم ويجري ضاحكاً.. والد ابرهيم كان جزارا بسوق العطرون أكبر اسواق اللحم بالجنينة.. يذهب باكراً الي السلخانه لإحضار اللحم بعربته الصغيره ويعود ليلاً يأكل وينام وحتي في يوم الجمعه يذهب مع اصدقائه للعب الكتشينه ويعود الي البيت في نفس الزمن المعتاد.. وتمبوش تقول برعاية البنت المعاقه زات السبعة اعوام وهي لا تستطيع حتي ان تأكل لوحدها او تقضي حاجتها مشلوله منذ الولاده والولد المشاغب إبراهيم وكل شيء آخر هو علي رأسها..
كانت ليلي كغيرها من الصغار تخشي الذهاب لمنزل تمبوش اشهر سيده تقوم بالحجامه في الحي.. في الإجازات يزدهر عمل تمبوش الحجامي نظير بعض الجنيهات وقليل من السكر والشاي.. تتدافع اليها النسوه يومياً طالبين الحجامعه للأطفال واعتقادهم ان ذلك يقلل من شغبهم اليومي.. كانت تمبوش تقوم بالحجامه مستخدمه الموس ويضمد الجرح بذرات من الرماد.. علي جنبات العينين.. عندما اعياها ابنها إبراهيم صارت تحجمه كل يوم علي وجهه وبطنه ورجليه واصبح جسمه مثل الخرائط واستمرت هي في دفع المال لصاحب المطعم..كانت ليلي الصغيره تلهو مع صديقاتها في حوش بيت جدتها جارة تمبوش عندما لمحت من على البعد اخاها وابن خالها يدخلون من الباب الصغير لبيت جدتها الذي يحوي ثلاثة أسر.. كان الدم يسيل من جنبات اعسنهم ممزوج بالرماد.. لقد كانو عند تمبوش وسالت دموعها.. كانا دائمي الشجار مع الأولاد في الشارع.. سألتهم بماذا يشعرون؟ بلا شيء كان ردهم..خافت ليلي وهددتها امها وقالت بأن مصيرها سيكون مثلهم عند تمبوش إن  لن تسمع الكلمه منها وتصير هادئه.. خافت ليلي من موضوع تمبوش الجدي وتركت البيت وذهبت الي منزل عمتها وظلت هناك لأيام هي خائفة جداً من الحجامه.. لم تعود الي البيت إلا بعد ان وعدتها أمها بعدم حجامتها.. كانت تمبوش تضع الرؤوس علي أرجلها السمينه وهي تمدهم علي فرشه في الأرض وضفائرها السوداء المشبعة بالدهن تكاد تلامس الأرض واسنانها البنية البارزه بائنة ولا تفارقها الابتسامه أثناء الحجامه وأحيانا الضحك وليلى تتنصت عليها بعض المرات من قرب الباب.. من كثرة الحجامه التي تعرض لها إبراهيم من تمبوش امه وضرب السوط في الخلوة بقساوة من ذلك الرجل فقد عقله وهجر البيت وبات ينام على في السوق وعلي الطرقات متسخ الثياب ومقطعه عليه.. واستمرت تمبوش في الحجامه..
————
الكاتبة/ سلمي ابوبكر

شجرة الجنة

اسرعت ريا من الخطي حافية القدمين نحو منزل فاطمة الذي يبعد عن منزلها بخمسة بيوت وشارعين ممتدات بحي النهضه بالجنينه كانت ريا تلهث من التعب والجري في الشارع حتي تصل بسرعه.. كانت ريا منكوشة الشعر طويله القوام سمراء دفرت باب منزل فاطمه الخشبي بأرجلها ودخلت الي المطبخ حيث فاطمه تغسل في العده وذلك المكان مقابل لباب الشارع كانت جالسه علي بنبر خشبي وامامها نشافة العدة الحديدية نادتها وقبل ان تسلم عليها اخبرتها بما قالته لها الجده بأن شجرة الحناء بالجنة قد مالت وسوف يأتي الموت قريبا جدا وسيموت كثير من الناس.. حيث ان الورق الذي يحمل اسماء البشريه في كل بقعه من الارض سوف يجف وكل من جفت ورقته تقع ويموت..قالت ريا لابد ان لا نموت ونعيش اطول فتره لازلنا صغار ولم نتزوج وننجب اطفال.. وصارت فاطمه تبكي وريا تحاول ان تمنعها من البكاء وهي كذلك دمعاتها تجري وتحاول ان تخبيها من ريا وهي تمسك بعنقها كانتا تجلسان علي الارض تحت شجرة النيم.. وما ان مرت دقائق حتي عم الضحك الصديقتين وتسرب الي قلبيهما الفرح.. تبدأ طقوس الحكايه لشجرة الجنة عندما تميل هذه الشجرة لابد ان يتحنن الجميع وهن فتيات وتخضب الارجل والايدي حتي تصير سوداء كسواد الليل.. قررت ريا وهي اكبر فتاة عمرا وسط صديقاتها السته بحي النهضه ان تذهب مع فاطمه الي كل واحده في بيتها لتخبرهم بأن يحضر الجميع الي بيت فاطمه عند المساء وان تأخذ كل واحده معها مبلغ من المال لشراء الحناء والسرتيه والدلوكه لطقوس الحناء وفي المساء تجمعت الفتيات في المنزل وعلي الارض تحت شجرة النيم وتم جمع مبلغ من المال.. وذهبت فاطمه وريا الي السوق الكبير لشراء الحنه والسرتيه اما تقوي وصفاء كلفن بأحضرار الدلوكه من سوق الرمل بالجنينه ولابد ان تكون كبيره حتي يسمع الجيران القريبين اصوات الغناء في نهار اليوم التالي تجمعت الفتيات في منزل فاطمه تحت شجرة النيم وعلي صينية الجرتق مزجت الحناء والسرتيه في صحن كبير وبقربها مبخر يشتعل من حرق البخور ومن وراء السريرين زينت الحيطه بفروع الجهنميه الخضراء وورداتها الحمراء وافرع من شجر العرديب حيث تحظي بزيارة الصبيه في سبوع الختان.. علي الأسره تمددت ارجل الفتيات واخريات علي السباته يطرقن الدلوكه ويغنين غناء السيره كما في الأعراس وبعض من الجدات تكون موجوده لتبارك للبنات الحناء.. كل واحدة تخضب ارجل واحده وايدي اخري ويتبادلون الادوار عندما تجف الحناء مع تناول الحلويات والمشروبات الي ان يأتي المساء وتعاود الطقوس نفسها في اليوم التالي وعلي مدي ثلاثة ليالي تستمر الطقوس الي ان تصبح الحناء سوداء وفي اليوم التاني تتعالي اصوات الغناء والزغاريد وهذا دليل ان الجميع قد تحنن وضمن بأن لايموت علي الاقل في هذا العام وان الاوراق التي تحمل اسماء البنات ستظل خضراء علي مدي عام كامل في الجنه. 
——————-
سلمي ابوبكر

كفانا ترحم!!!

ما بالكم اخوتي كيف تحكمون
ونحن صباح مساء مترحمون
من غدر وقتل واغتصاب فارون
ندفن نستر نصلي والكل باكون
نتناقل الأخبار ونحن مشاهدون
هل هذا كل ما لدينا ام معنيون

ماذا بحق السماء منتظرون
ولماذا ندعي بأننا مناضلون
اين النضال ممن هم يقتلون
هل تبقي من عنهم مدافعون
لقد ذهب كل البنات والبنون
وفقط نحن للتعازي متبادلون
ولعبارات الترحم لجد متفننون
وهل هذا كل ما لدينا تفتكرون
لماذا لم نتوحد لحرب المنون


ولنحمل السلاح فقط مقاتلون
لا امنيات لا رجاء ولا متأملون
فالسماء لا تمنحك الا بقانون
فأين منا الواقع أيها العاقلون

لا صبر لا انتظار ولا يحزنون
ولنحسم أمرنا اليوم ومبكرون
كل قول سوى الحرب مخدعون
هي نهاية أمة هم لها مدبرون
ستعملونها يوما وانتم نادمون

لا يعقل تقتلون ولا تحاربون
أين ادميتكم هل انتم دمى
ام تماثيل وهم بكم لاعبون

الاغراب لأرضكم غاصبون
سائحون مالكون قاتلون
وانتم لا تتحركون ولا تثأرون
ماذا بعد المهانة تتوقعون
الإبادة كُنْتُمْ بها توعدون
اليوم تكتمل بكل صمت
وننقلها نحن هنا مندهشون
فأصبحنا منها ومشاركون
——————–
كمال الدين مصطفى – أمريكا 
Atron89@yahoo.com

حكاية إزابيلا

سر الحياة هو التجاذب حسب ما قرأته مؤخراً مدعوماً بمادة من الملتميديا الأتش دي (بعد فراغي من الموضوع نظرت إليها بعمق أكثر وقارنت الأشياء ببعضها البعض لعلها تكون فيها سر هذه الجاذبية
ومن باب الفضول قررت خوض تجربة .
في مكان العمل والذي يتطلب الظهور بمظهر حسن وبعض الهندمة والشياكة والأناقة قابلت فتاة ريعانه وجميلة ولكنها خجولة أكثر من اللاذم .
للحقيقه الفتاة يسيل لها اللعاب من حلاوته
أخوكم المسكين ربما أصابه شيئاً من هذا القبيل .
ثم توالت الأيام ومخيلتي لا تفارق صورتها 
نشاطي تجاه العمل أكثر من رأئع
وبدأ سر الطبيعة تعمل معي بصورة لا يمكن أن تصدق .
قيل أن السر تكمن في :-
أن الشئ الذي تفكر به تجذبه إليك
لو كنت تفكر في الثروة 
أو تشتهي أكلة ما 
المهم قانون سر الحياة يبدأ في العمل
…….
قضيت الليلة الفائتة ولساعات متأخرة أعمل علي فلم  أصنعه بواسطة الموفي ميكر وللإرهاق إستيقظت متأخراً علي غير العادة
كان الصباح جميلاً منعشا 
تبدو الشوارع نظيفة لامعة 
طلبت قهوتي النسبريسو وجلست ألاعب هاتفي بالرامبا
كنت إستمع إلي موسيقي تصويرية لمسلسل كوري في غاية الرومانسية 
لم يكن هناك أحد عندما جاءت
قالت
صباح الخير 
قلت
صباح النور
جلست علي الأريكة المجاورة وأشعلت سيجارة 
وضعتها بين شفتيها الرقيقتين وأخذت منها نفساً عميقاً
ثم أطلقتها ببطئ في الهواء
وكأنها تحاول إخفاء توترها بسحابة من الدخان 
قلت لها :- هل يمكنني سؤلك عزيزتي 
إقتربت مني قليلاً وهي تقول طبعاً تفضل:
هل يمكنك أن تخبريني إسمك؟
أجابت قائلة إسمي إيزابيلا 
قلت:- عظيم
إسم جميل إيزابيلا 
قالت
شكراً ثم سألتني بدورها إنت إسمك إدريس؟
أجبتها مبتسماً 
إدريس هو إسم أبي أنا صلاح
قالت
صلاح؛؛؛؛
قلت نعم إيزابيلا
إبتسمت تلك الإبتسامة التي زلزلتني من قبل وقالت:
سعيدة بمعرفتك
قلت وأنا أيضاً سعيد 
ثم صمتنا لحظات قبل أن أسألها مجدداً
أنت تعملين في قسم الجافا أليس كذلك ؟
أومأت برأسها إيجاباً وهي تضيف كيف عرفت ؟
قلت لها لم أعرف 
لم أشأ أن أخبرها بأنني أراقبها طوال الوقت منذ الصباح حتي نهاية اليوم
بل صارت هي نقطة قوتي لذهاب الي العمل كل صباح بذات النشاط والرغبة 
واللهفه 
أنتم أيضاً تفعلون ذلك لا أحد يستطيع أن ينكر ستأخذ حماماً شتوياً بارداً خصباً عنك لعيون إيزابيلا
ما أجمل التفاؤل والتحرر من عبودية ألوان سوداوية قاتمة طغت على حياتكم، رغم أن لديكم خيارات غير اللون الأسود، ألوان كثيرة، بإمكانكم تلوين حياتكم باللون الأبيض أو الوردي، وأنتم قادرون على ذلك إن أردتم ذلك، فلا تختزلوا حياتكم في زاوية معتمة مظلمة ولديكم غيرها زوايا أخرى مشرقة!

 السابعة صباحاً عندما اوقفت دراجتي في الطابق الخامس 
أنه روتيني المفضل عبرت باب المدخل بعد أن  حييت الحارس بتحية الصباح 
رد مبتسماً صباح النور مستر (إدريس)
وقعت حضوري بالبصمة علي الشاشة البلورية 
قبلت حضوري بإطلاق صفيرها المعتاد
ثم شباك الملابس والي إستراحة الموظفين حيث غرفة تبديل الملابس 
ومنها الي غرفة الطعام التي جهزت بكل شئ
إنترنت تلفزيون والكثيرمن الأشياء الرائعة
تناولت فطوري وخرجت الي الرامبا للتدخين وهناك لحقت بي أشعلت سيجارتها 
الأنوثية وأخذت نفساً ثم إلتفتت نحوي بإبتسامة رائعة وهي تقول صباح الخير 
صباح النور عزيزتي تبدين جميلة وأنيقة
إحمرت خجلاً وإكتفت بقولها أشكرك سيدي
ثم تواصل الحوار بيننا لدقائق تحادثنا خلالها في العمل والروتين اليومي وبعض الأنشطة ذات الصلة.
 وعبرنا معاً بعض الحواجز 
وللحظه شعرت بأني أمتلك القارات الخمس 
يا للحيوية التي أشعر بها (يا لرقتها ورشاقتها وإشرها الشتيت البراق
يا للون الغروب التي تكتسيها 
من وداعة ونضارة لو رأه ابا نواس لأناق لها زاملته
إنتشلتني من هذه الأفكار صوتها الناعم وهي تستأذنني للذهاب لمكان عملها 
نهضت بدوري وقلت هيا إذاً للعمل
وفي المصعد إختارت رقم الطابق الثالث 
سألتها 
كيف العمل عزيزتي ؟
ردت :بوجها المشرقه كالصباح :
تمام ورائع
أمسكت بيدها الطريه وأنا أتركها في الطابق الثالث
وقلت لها متي أراكي ثانية؟
أطرقت خجلاً وقالت لا أعرف ثم سحبت يدها 
برفق وهي تغادر المصعد و تقول :-
ربما بعد الغداء 
ورحلت مسرعة
.
.
سألني زميلي في العمل عن طبيعة ذلك الشعور الذي يجعلني دائم الإبتسام 
قلت له أنه شعور يفرح القلب ويريح الأعصاب ويشفي الجسم من الأسقام ويفتح الرئتين للهواء العليل
شعور لو نثرته في الهواء لكان دواءاً لكل المكلومين
تبسم صديقي وهو يضيف :- يا له من شعور
وإنصرفت وأنا أحمل عدوي العشق للجميع
في الثانية عشرة والنصف
موعد الغداء
وقفت أمام المرأة لأري كيف أبدو
رأيت نفسي 
ثم داعبت شاربي
أتممت ما ينقص أناقتي 
ثم ذهبت الي غرفة الطعام
شوكة وسكينة وطبق وصحن وطعام ثم الي الطاولة
وهناك
إلتقيتها
من جديد
تختار دائماً من الطعام ما أختار
إبتسامتها تكفي لإشعال ثورة يمكن أن يضيع فيها حكومة المؤتمر الوطني
نظرة من عيناها تفطر الصائم حتي لو كان شيخاً في الأزهر
عندما تخالط عيناي عيناها يتوقف الزمن.
تبدأ الحوار 
حبيبتي ستقتليني بنظراتك
هي تجيب
كلا حبيبي بوجودك قربي لا يهم أن يمضي الزمن أو يتوقف 
طالما أنت أمامي
فارس أحلامي 
مشعل ثورتي 
في صمت يدور الحديث بيننا 
فلا أنا قادر التركيز لغدائي
ولا هي قادرة ……….دي تخيلوها براكم فلا قبل لي بوصفها
نظراتها 
شعرها
دهشتها
إبتسامتها
خصرها
إشرها
بتكهربني عديل
###########

مستر ادريس هل يسمح وقتك بإعطائي بضعة دقائق؟
المديرة وهي تطلب مني الصعود الي الطابق الخامس والعشرون لإيصال بعض الأوراق 
أومأت لها رأسي بالإيجاب 
ناولتني الأوراق وهي تغمز لي إحدي عينيها دلالة علي الإمتنان ثم إستطردت قائلة إدريس؟
أجبتها أجل سيدتي
خلال الأسبوعين الأخيرين لاحظت وجودك الدائم لماذا؟
أليست لديك عطلة إسبوعية كا بقية الموظفين ؟
أجبتها قائلاً:-
نعم سيدتي ولكن كما تعلمين لدينا الكثير من العمل في هذا الشهر 
سألتني منذ متي لم تأخذ عطلة ؟
منذ ثلاثة اسابيع سيدتي 

عندما إلتقيتها للمرة الأولي عرفت حالآ بأن الأمور بيننا ستكون جدية 
أنها تضاهي جميلات هوليود وقد قلدتها بنفسي تاج ملكات إفريقيا أحب  فيها"الطاقة الإيجابية" في نظراتها ، وفي المرة الأولى التي تعرفت عليها  ، لم أجد الأمر صعبا على الإطلاق ، وفي ذلك الوقت ، لم أكن أعرف أيا من المعاني التي تحكيها الموسيقي  ، ولكن على الرغم من عدم معرفتي بذلك ، فإن أي شخص يستطيع أن يشعر بالطاقة الإيجابية في هدوئها في إبتسامتها .
 وكما يعرف الكثيرون ، فإن بيتهوفن كان مريضا عاطفيا ، وعلى الرغم من كل الانتهاكات والأمور غير الطبيعية التي كان يتعين عليه مواجهتها طوال حياته ، فإنه لم يستسلم أبدا لليأس ، وبدلا من ذلك ، واجه بقوة هذه الصعوبات من خلال الشيء الذي كان يحبه بحق ، وهو الموسيقى ،  وأعتقد بأن هذه الطاقة سرت في أوصالي بوضوح في كل خلجة من خلجاتي ، وقد شعرت بهذه الطاقة مع إزابيلا .وسأتمسك بها بشدة 
 وعمليا ، كلما توغلت في الإقتراب منها ، كلما وجدت الأمر صعبا ، وكلما نقبت في معرفة كل العوامل الممكنة التي تقف وراء طاقتها الإيجابية ،  وسر هذه الجاذبية التي أشعر بها كلما وجدت العملية تبدو أكثر صعوبة.
 فهذه الطاقة التي علقت فجأة في جسدي لم يشعر بها شخص  منذ مئات السنين لم تظهر هكذا بين يوم وليلة ، فأنا مقتنع بأن هناك الكثير من الأمور التي تقف ورائها  ، وما زلت  في البحث عن هذه الأمور وطبيعتها.
 وإذا حصلت على فرصة ، سأود أن أفعل المستحيل مع إزابيلا حتي أستطيع أن أكون معها بشكل دائم.
  ——————–
بقلم الأستاذ /صلاح ادريس 

عمر البشير وألفة فصلنا… قصة من الواقع

هذه قصة لن أنساها أبدا وهي قصة الألفة (ص، م) الكبير والعاتي المعضل بل العنقالي الذي كان يكبرنا سناً وقد إختاره الأستاذ (100) ألفة لفصلنا سنة أولي دون مشاورة أي واحدأ فينا ( إنقلاباً على شرعية التلاميذ) بل أمرنا جميعا بأن نقف (قيام) في أول زيارة له في الفصل بعد قبولنا، عندما كان يحمل سوط العرد ك(مصدر قوة ) والذي كنت أطول منه قليلاً، بعدما وقفنا له قيام كما أمرنا، إختار أطول ثلاثة من زملائنا وسط حيرتنا وخوفنا معا، منها  أمر الجميع  بالجلوس ووأصل في عملية إختياراته فأختار أعتى واحد من هؤلاء الثلاثة، فقال له إسمك منو:
إسمي (ص،م) وهو يرتجف خوفاً من سوط إستاذ (100)! وسط شفقتنا جميعا على مصير زميلنا (ص، م) المسكين.
قال له أستاذ (100) إنت تقف هنا فاهم! وأشار الي الفراغ بين الكنبة الأولانية والسبورة، وأضاف أنت ألفة هذا الفصل من يوم الليلة، وذاد تشيل معاك ورقة وقلم وتكتب إسم أي زول مهرجل بعمل فوضى وشغب، وأضاف مستدركاً هل تعرف تكتب إسمك؟
قال له لا ما بعرف والله يا أستاذ؟
قال له إذن أي زول بعمل هرجلة (شغب) خليهو يقف هنا، وأشارة بخط على الأرض بسوطه من الحائط الي الحائط في نفس الفراغ الفاصل بين الكنبة الأولانية والسبورة، كرر كلامه له فأهم كلامي دا !.
ردد زميلنا وهو يرتجف حاضر يا أستاذ.
قال لنا وهو خارجاً من الفصل، ما داير أسمع أي إذعاج من هذا الفصل ووقت أعود سوف أعاقب المهرجلين، وأضاف ما داير أسمع ولا نفس فاهمين.
رددنا له بصوت واحد فااااااهمين.
لم نكن ندري أن عملة الإختيار العشوائية للألفة هذه سوف تترتب عليها نتائج كارثية علي مستقبلنا في هذه المدرسة، بل شفقنا على زميلنا وقلنا يا له من حظ عاثر أن يكون حجمك سبباً لتعاستك.
المهم الأسبوع الأول مر عادي ونحن (مخدوعين) ونحرص أن نكون في قمة التعاون مع هذا الزميل المسكين، الذي (بدى لنا) مهموماً في أن يخدمنا ويوفر لنا سبل السعادة والهدؤء في فصلنا الطرفاني في المدرسة، ولكن في الأسبوع الثاني بدا هذا الألفة في إنتهاج بعض السلوك الغريب، تمثل في عدم مشاركته في نظافة الفصل مع مجموعته التي كان عليها كنس ونظافة الفصل كل يوم ثلاثاء، فعمد أن يعطي زميلنا (أ ، ح ، أ) مكنسته وهو يقوم بالإشراف فقط، مع إن هذا كان ليس من مهامه.
وايضا حدثنا زميل أخر أثناء فسحة الفطور ويسكن مع الألفة في حلة واحدة، بأن الألفة (ص، م) لا يحمل حقيبته المدرسية ذهاباً أو إياباً من المدرسة ككل التلاميذ،  بل كلف بها زميلنا (ع، م ، د) لهذه المهمة، وعلمنا أيضاً أن ألفة الفصل الثاني كان قد جلس مع ألفة فصلنا مطولاً في حديقة المدرسة الشرقية وأخبره بمزايا هذه السلطة التي منحت له مجاناً، وكيف أن هذه السلطة ممتعة وهو في صراع دائم للبقاء فيها نظراً لأمتيازاتها المتعددة. 
جاء السبوع الثالث وبدون أي مقدمات أصبح (ص، م) متشدداً ويكشر وجهه أمام أي واحداً فينا دون سبب مقنع، ذات يوم أخرج ثلاث أرباع الفصل مهرجلين وجلدوا شديدا بواسطة أستاذ (100) والذي كان لا يسأل الألفة أبداً من الأسباب ولا يعطي بالتالي فرصة للمهرجلين للدفاع عن أنفسهم تجاه تهم الألفة لهم بإحداث الشغب في الفصل والتي كان أغلبها ملفقة.
من جراء هذا التشدد من الألفة (ص، م) أصبح لا يستطيع وحده ضبط الفصل فإختار زميلنا (ع، م ، د)  حامل حقيبته إختاره نائباً أولاً له وبعد يومين أضاف زميلنا (أ ، ح ، أ) حامل مكنسته إختاره نائب ثاني له، وبعد مرور أسابيع أصبح نوابه حامل حقيبته وحامل مكنسته ذات سطوة وجبروت كبيرين قاربت جبروته،  فكبروا على ذلك الدور الوضيع وهو حمل الحقيبة والمكنسة، خاصة عندما أصبح محل سخرية وتندر من زملاء الفصل، فأختاروا هم آخرين على التوالي لتلك المهام.
أصابتني الملاريا وغبت أسبوعاً من المدرسة أتعاطى حقن الكلوركين الذي كتبها لي الحكيم العم حاج أميكو (رحمه الله)، وبعد معاودتي للمدرسة وجدت الزملاء الآخيرين الذين كلفوا بحمل الحقيبة والمكنسة بعد تعيين الأوئل نوباً للألفة وجدتهم أصبحوا نوباً كذلك أطلق عليهم النائب الثالث والنائب الرابع على التوالي، فمن كان يحمل الحقيبة فهو ياتي في النيابة أول ممن يحمل المكنسة وهكذا دواليك وإستمر الحال الي أن أصبح لألفة فصلنا (16) نائباً أطلق على آخرهم الستاشر.
الألفة (ص، م) كان فقير للغاية لا يملك قبل إختياره ألفة حق الفطور ولا حق الطعمية وحلاوة قصب يشتريها من الحاجات الفرشات أمام بوابة مدرستنا (الرديف الإبتدائية بنين)، ولكن بعد هذا الإختيار للألفة بسبب القوة والبسطة في الجسم (كبر عضلات) و (الهرشة) من إستاذ (100)، أصبح (ص، م ) يفطر يومياً بساندويتش فول معدل وبالجبنة (كمان) ويتسطيع شراء حلاوة قصب، فول مدمس، تسالي ، بافرة بالشطة وهذا كله من جود  بعض زملائنا الذين يخافون من أن يدونهم نوابه في قائمة المهرجلين ويجلدوا من أستاذ (100) عشرة سوط كل مرة. 
كانت كل هذه الرشاوي للألفة من قروش وفواكهة من اللارينج والجوافة والقشطة والليمون والبرتقال له كنظام للتقرب منه وإصطناع الصداقات لكسب وده والبقاء في بلاطه أو قل كسب ثقته لكي يصبحوا  نوابا له في القريب، وقصة النائب هذه طبعا يتم تعينه بمزاجه دون مشاورة أي أحد حتى الأستاذ نفسه، يرجع سبب النواب أيضا بالأضافة للخدمات التي يسدونها له من رشاوي والتمسح في بلاطه هو أن الألفة (ص، م) كان لا يستطيع كتابة أسماء المهرجلين حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة شهر في المدرسة لبلادته وغباءه وسقوطه يومياً في مادة الإملاء.
بالأضافة للجلد عشرة سوط من أستاذ (100) فهذا الألفة كان لديه أسلوب عقاب خاص به  لكل من لا يروق له ولا يجلب له هدايا، فهو يأمر نوابه بأن يسجل فلان هذا مهرجل (حتى دون معرفة السبب) ويطلب من هذا المهرجل  أن يقف على ركبتيه أمام السبورة ووجهه عليها حتى يأتي الأستاذ، وإذا لطف ربك وأخرج أحد المهرجلين منقة أو قروش أو قشطة، عندها يأمر الألفة بأن يطلق سراح هؤلاء المهرجلين، والويل لكم إذا كنتم مثلنا لا تخفون عداءكم له، فهو سوف يكتبكم لا محال أمام أسماءكم عاصي ويضع شارة (+) أوعاصي جداً ويضع الشارتين (+ +). 
ف (ص، م) كان لا يغيب كثيراً من المدرسة لأنها تمثل له مصدر رزق ووسط يمارس فيه هوايته التسلطية المطلقة والتي لا تخضع لأي نوع من المراقبة والتقويم. 
أنا كنت شخصياً أنبسط شديد عندما يظهر علينا في  فصلنا حزمة أسوط الأستاذ (ي ، م) قبل أن يصل هو معلناً تسميع بعض سور جزء عم، فالألفة في ذلك اليوم كان يجلد ويبكي ويتمخط ويكسر جبروته مع الأخرين لانه بالطبع مع زمرة الما (حافظين) للسورة المراد تسميعها،  كنا نضحك مع بعض الزملاء أعداء الألفة عندما يبكي ويولول بحضور أستاذ (ي ،م )طبعاً، وعندما يغادر الأستاذ نصمت، ولكنه يظل داسيها لينا متى ما حانت له الفرصة .
فهذا الألفة طبعاً كان ما بعرف يلعب الكورة ففي حصة البدنية (أروش وأشتر كمان) وفريقه مغلوب دوما ولا يحبونه في التيم كل كباتن الفصل الثلاثة. والمضحك أنه في يوم النتائج طبعا متزيل القائمة نطلق عليه با(الطيش) مرأة الشاويش، ولكن نوابه كانوا يقولون له الأول با (المقلوب). 
بصراحة، حتى الأن لا أشتاق لهذا الألفة (كزميل ) ولا أحب أن أقابله (شوق زمالة ساي) مهما طال الزمن بيننا، الهم الا صدفة، وأتذكره طوالي كلما أرى عمر البشير مع نوابه.
———————–
مبارك أردول

الأمن مستتب يا حضرة الطيار

نعم يا أيها الطيار¹
ويا قائد سلاح الجو المغوار  
يا رئيس هيئة الأركان صاحب القرار 
يا وزير الدفاع عبالرحيم البتار 
يا رئيس الجمهورية الأسد الماك حمار 
يا كل جياشي عدو الثوار
 أقول لكم بدون تكرار
أن الغارة لم تقضي على الأطفال² الأخيار
فقد حفظتم أمن البلاد والعباد وأدمتم الأستقرار

*******************************
 
لقد أديتم واجبكم بالتمام والكمال بقتل هؤلاء الأطفال الأشرار 
المهددين للسلام والأمن القومي بكل إصرار  
أذهبوا الي مغاوركم ونوموا وأغمضوا أجفانكم بأرتياح وبدون إستغفار  
فإنه لم يعد هنالك مهدد طالما لديكم طائرات بدون طيار  
ولا يوجد من يخوفكم من الشعب بعد تصفية هؤلاء نصف النهار 
رجال والله بدون سؤال أو إستفسار 
 
***********************
 
سوف نخبركم إذا خرج أطفال مثل هؤلاء أو أراد أحداً أن يسلك طريقهم وبدون إنتظار  
نعم سيادتكم! بعد قتل هؤلاء الأطفال سوف يعيش السودانيين بأمن وأمان من الخرطوم الي سنار 
سوف تتمكنون في الحكم والأستحكام وبكل إستكبار 

****************************************
إن الله سوف يغفر لكم يوم القيامة بكل تأكيد
لأن هؤلاء الأطفال مخطئين ومذنبين و سوف يذهبون الي الحجيم ولا جديد
لأنكم قمتم بالواجب وأزلتم كل المهددات بيد من حديد 
وإن شفاعة الرب وأنبياءه ستعمكم وإنكم سوف تدخلون في ملكوته بعمر مديد
 
*****************************
 
تباً لهؤلاء الأطفال فإنهم قد تعمدوا إذعاجكم 
لإنكم قد أديتم واجبكم
 وهذا هو دوركم  
وإن الشر لن يغشاكم
والمكهروه لن يصيبكم  

****************************
 
إن فزع جيرانهم مجرد حمى خفيفة
وعويل أمهاتهم³  ليس حقيقة
ومصيبة أهلهم٤ طريفة
وإن أسكات هؤلاء الأطفال الي الأبد لهي أفضل طريقة
 
 
**************************
 
نعم يا أيها الطيار 
ويا قائد سلاح الجو المغوار  
يا رئيس هيئة الأركان صاحب القرار 
يا وزير الدفاع عبالرحيم البتار 
يا رئيس الجمهورية الأسد الماك حمار 
يا كل جياشي عدو الثوار
أقول لكم بدون تكرار
أن الغارة لم تقضي على الأطفال الأخيار
فقد حفظتم أمن البلاد والعباد وأدمتم الأستقرار
 ———————
مبارك أردول 
_______________________________________________________________________________ 
1- الطيار : هو قائد طائرة أنتنوف تتبع للحكومة السودانية قامت بقصف خمسة غارات جوية على مدينة هيبان بجبال النوبة يوم 16 أكتوبر 2014م .
2- الأطفال : هم سيرا جال 16 سنة، يايا جعفر 14 سنة، عبدالعزبز جعفر 10 سنوات، انور جعفر 7 سنوات، كوكو جميس 6 سنوات قتلوا في هذا القصف وجرح كل من نواة جعفر 5 سنوات ونوادر جعفر 10 سنوات .
3- امهاتهم : أمهات هؤلاء الأطفال 
4- أهلهم : سكان مدينة هيبان بجبال النوبة 

“شاورما”.. تحولات المجتمع السوداني في رواية

يرسم الروائي السوداني عماد البليك في روايته "شاورما" -التي صدرت هذا الشهر عن "دار مومنت" بالمملكة المتحدة- مشهدا سياسيا واجتماعيا عن السودان يمتد لثلاث حقب تاريخية.

وتتناول الرواية العهد المايوي وفترة الديمقراطية الثالثة ثم فترة الإنقاذ الحالية عبر شخصيات تمثلها، في تلازم مع ما عاشه المجتمع السوداني من تغيرات وهزات اجتماعية غير مسبوقة في تاريخه.

واتكأ البليك في سرده على الأشخاص وما يعانونه من أزمات إنسانية واقتصادية ونفسية ومدى انعكاس ذلك عليهم أخلاقيا وعلى المجتمع بأسره، كما حرص على إخفاء أسماء شخوص الرواية والتدليل عليها بصفاتها داخل المجتمع مثل "الأعرج، والسيدة، والخال" في سياق سردي متكامل، اعتمد فيه على واقعية اجتماعية، مما أعاد الذاكرة إلى المدارس السردية الكلاسيكية.

كما ابتعد صاحب "شاورما" عن سيطرة الراوي العليم على عوالم الرواية، وترك لأبطاله حرية التعبير عن أزماتهم على الرغم من محاولته إبداء صوت الراوي تعليقا على ما أصاب أبطال الرواية من تمزق وتشتت وانكفاء على الذات والبحث عن الخلاص الفردي حتى ولو تجاوزوا المجتمع وانفلتوا منه.

من الواقع
وتأسست الرواية على مبدأ التبني من جانب الثري التركي صاحب مطعم الشاورما الذي فقد ابنه ووجد في تبني بطل الرواية سلوانا له، محاولا ربط مصيره به، وما أصاب البطل من تغيرات جراء ذلك ودخوله في صراع نفسي جراء الثراء المفاجئ وتأثيره على شخصيته.

وهذه الصدمة هي المماثل لصدمة المجتمع وظهور الأثرياء الجدد وما تبع ذلك من تبدلات وتأثيرات أخلاقية واجتماعية ساهمت في هزات عانى منها المجتمع السوداني في الثلاثة عقود الأخيرة، حيث برزت الطبقة الطفيلية واختفت الطبقة الوسطى وظهر الفقر الشديد في المجتمع.

وكان للثراء المفاجئ الذي أصاب بطل الرواية دوره في دخوله عوالم لاأخلاقية ارتبطت بالأثرياء الجدد وتصوراتهم للمجتمع وعلاقتهم القائمة معه على المنفعة والمتعة.

وكانت الحياة السابقة لبطل الرواية متعددة في منشئه من هروب جراء عنف الأب واللياذ بالتشرد واختبار حياة أطفال الشوارع وحياتهم الخارجة عن القانون والمجتمع، "فكرة الهروب لم تكن جديدة، كانت تراودني من مرة لأخرى خاصة مع شعوري المستمر بالغربة في هذا البيت، أبي كان يستمر في أفعاله السيئة، وأمي كانت لا تفعل شيئا.. تتخذ الحياد المؤلم".

ويقول الكاتب عماد البليك للجزيرة نت إنه اكتشف وهو يكتب أنه كان يسجّل ثلاث حقب من تاريخ السودان والأوجاع المستمرة والأنين، وتناول سرديا تفكك المفاهيم الاجتماعية التقليدية ونهاية الأسرة. وبين ثنايا ذلك كان يحاول الإجابة على السؤال الذي يهمه كإنسان يبحث عن مستقبل أفضل لبلده.

نص مفتوح
من جانبه، يقول الناقد عز الدين ميرغني للجزيرة نت إن "شاورما" كتبت بتقنية السيرة الذاتية للراوي، وقد أفادت هذه التقنية في استدعاء جزء من التاريخ المنسي في مجتمعاتنا الحديثة لأنها دخلت بعمق في فجوات الواقع.

وأضاف ميرغني أن الرواية كانت موفقة في عدم تسمية الأماكن جغرافيا، مما ساعد على أن يكون النص مفتوحا على كل المجتمعات الإنسانية.

وأشار ميرغني إلى أن الكاتب استفاد أيضا من تقنية الحكي داخل الحكي، وهو ما جعل الرواية مشوقة، لاسيما أنها تخضع لمنطق الواقع الذي حكت عنه دون مبالغة أو شطح خيالي.

من جهته، يذهب الروائي والناقد عيسى الحلو إلى أن البليك في هذه الرواية يأخذ من الواقع بشكل مباشر ويبدو متأثرا بفكرة بلورة شكل الواقع الاجتماعي وتشابكاته السياسية والاقتصادية، وذاك منهج الرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر.

وأشار عيسى إلى أن هذا الاتجاه الروائي بدأ في الاندثار لأن طبيعة العصر الراهن أصبحت أكثر تعقيدا، فالواقع يتجلى في الممكن والمحتمل والمظنون والمتخيل وليس واقعا خارجيا فقط يمكن أن يلتقطه الراوي.

ويؤكد الحلو على أن درامية الرواية الجديدة لا تتبع طريقة واحدة في الكتابة، وهناك طرق متشعبة يسيطر عليها موقف أخلاقي واحد هو المغامرة ومفارقة الجمود والثبات.

أما الناقد عامر حسين فيرى أن الكاتب تطور سرديا منذ روايته "دماء في الخرطوم"، وهذا الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة في الرواية منبعه مدرسة السرد الواقعي الأوروبي.
————
المصدر : الجزيرة
محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

Shawrrmah

الصومال.. اغتيال مغنية شهيرة

قالت مصادر في الشرطة الصومالية، الأربعاء، إن مسلحين مجهولين أقدموا في مقديشو على اغتيال برلمانية تحترف الغناء إلى جانب علمها السياسي.

ونقلت "فرانس برس" عن شهود ومصادر، أمنية لم تسمها، تأكيد مقتل النائب سادو علي ورسام، التي كانت مغنية ذائعة الصيت.

وأضافت الوكالة أن المسلحين أطلقوا الرصاص على ورسام وسائقها في أحد أحياء جنوب العاصمة الصومالية.

وسادو علي ورسام انتخبت نائبا في أغسطس 2012، وكانت مغنية ومؤلفة كلمات أغان مشهورة في الصومال منذ السبعينيات.

يشار إلى أن الصومال شهد منذ مطلع 2014 اغتيال 3 نواب، ليرتفع عدد البرلمانيين القتلى إثر مصرع ورسام إلى أربعة.

وكانت حركة "الشباب" المرتبطة بتنظيم القاعدة قد هددت في أبريل الماضي بقتل جميع النواب "واحدا بعد الآخر".

بركة ساكن و”خيانة الرواية” في “الرجل الخراب”

ما هي الرواية؟ سؤال يثير الكثير من القلق! خاصة إذا كان السرد شاغلا إنسانيا لدى الكاتب، يمثل جزءا من حياته بحيث لا يفرز بين موقع التخيل وناصية الواقع.. هل الرواية هي إذن في أعظم تجلياتها رحلة البحث عن "اللارواية"؟.. جائز وممكن ولكن ليس قطعيا!! فكل الدلالات تصبح مفتوحة والقداسة تنهار جدرها وتفض أبكار الحقائق، ساعة يتعلق الأمر بالبحث عن الرواية الجديدة أو السرد الجديد.
هذا الاستفهامات ضرورية للكتابة عن مشروع عبد العزيز بركة ساكن الروائي، بالتحديد عن روايته الجديدة التي ستظهر للنور قريبا، وقد أطلعت على مسودتها "شبه النهائية"، والتي أغوتني بالتوقف عندها، ليس كنص روائي بالشروط الممكنة والمدركة بل كمحاولة تجريبية كبيرة على حد تقديري، تتعلق بالأسئلة التي طرحتها أعلاه. 
في رواياته السابقة كما في أغلب أعماله، استطاع بركة ساكن أن يناقش قضايا السودان بهاجس إنساني، وهو يمسك بثيمة العنف وتحرير الذات من المصائر السيئة والقيود التي يراها البعض أزلية، وهذا تقريبا الدافع الذي يكتب به الروائيون في بحثهم عن العالم الأفضل عن طريق الفن والجمال لغة وانسجاما، حيث يمكن للكتابة أن تعيد ترتيب العالم من خلال الفوضى أو تفكر في الفوضى بطريقة منظمة ليكون ممكنا الاقتراب من وعي الكائن وكينونته ودوره في هذا العالم، إن تبقت له هذه الأدوار أو هي مفهومة يمكن تلمسها ذهنيا بأضعف الشروط. 
في هذه الرواية التي اسمها الأولي "الرجل الخراب".. نحن أمام رسالة إنسانية متشكلة في صيغة الفن المسمى بالرواية ولكن مكتوبة بطريقة "اللارواية".. وهو ربما الجديد ليس في السياق الكلي لتجربة بركة ساكن، بل في مشهد الرواية العربية بشكل مجمل. فهي رواية بسيطة من حيث تعني البساطة ما تعني من مسؤولية ومعرفة ومغامرة، يتداخل فيها السارد بالكاتب بالشخوص لنكون أمام عدد من الأبطال الذين يشكلون ارتكازا حول الشخصية المركزية للنص وهي "الرجل الخراب" واسمه درويش (السوداني الأب/ مصري الأم) أو هاينرش Heinrich (النمساوي).. ذلك الإنسان الذي يعيش عددا من الأزمات داخل أزمته الكلية والشاملة واللانهائية.. أزمة المهاجر إلى بلد أوروبي منشطر الذات وفي التفرعات أزمة الهوية والله والدين والمعنى وجدليات أخرى تتعلق بسؤال الكائن وحجم الدمار الذي يتعرض له في هذا العالم. كما أن مهنة الرجل التي امتهنها في النمسا قبل أن يصنع عائلته الصغيرة هي مهنة مخزية يصعب الحديث عنها إنه "مخري كلاب".. والتي اعتذر ذات مرة عن التصريح بها أمام رجل سعودي وزوجته. 
أمام بساطة تعني العمق كما أسلفت يأخذنا النص من مشهد افتتاحي لابنة درويش ومن زوجته النمساوية التي تزوجها غصبا عنه بعد أن ماتت والدتها صاحبة الكلاب التي عمل الرجل على تخريتها.. وتزوجها لأنه لا مفر أمامه في مقابل أن يحصل على الإقامة الدائمة والجنسية، في مقابل حصولها هي على المال والإقامة في الشقة الموهوبة من الأم لمخري كلابها.. فإن النص يأخذ بهذه الابنة وحبيبها النمساوي إلى غرفتهما الانفرادية لكن الأب ذي المرجعية النمطية أو هو "بالأخرى" – ليس بالأحرى- المنشطر بين كونه منفتحا ورجعيا أمام سؤال حول هذا السلوك وكونه ليس خادشا للحياء فحسب، بل لا يليق بأب مسلم أن يضع ابنته في هذا الشرط المسيء للقيم.. وفي مقابل ذلك فإن الرجل سوف يتنازع بين ماضية ويحوم في عوالم سيريالية من ابتكاره لعالم القرية أو "البلاد السفلى" التي جاء منها حيث يكون هناك شيء اسمه الشرف والقتل أيضا، وهو ما سيفكر فيه. 
هذا الشاب النمساوي لكن حتى إسلامه لن يكون مخرجا، لأن الأب شكيك لا يؤمن بشيء سوى نفسه وخرابه الذي اكتسبه عبر سنوات منذ أن كانت فيه أو سكنته بذرة "الأصولي" في الجامعة بمصر إلى أن صار صيدلانيا إلى هروبه الملفق لأوروبا بجواز مزور إلى أن عبر إلى مستودعه الأخير في شاحنة الخنازير.. وهو لا يتورع أن يمارس الجنس وبقذارة بين الخنازير مع فتاة أفريقية اسمها نادية.. هي عاهرة تصنع الحياة وفقما تريد.. لها فلسفتها عن الله والكون والإنسان والحب.. لكنها جميلة أجمل من رأى درويش في حياته.. والحياة لا تنقاد للإرادة.. إذن لتزوجها..
كما أن الراوي في الرواية لا يريد إلا هواجسه.. ولهذا في نهاية الرواية نجد أن الشخصيات الثانوية تتكلم لتخبرنا بربما العكس تماما.. المهم الحقيقة التي قد نكون متأكدين منها أم لا أن درويش انتحر بنفسه أم مات مقتولا عند هاوية جبل لا ندري، وبدفع من زوجته التي تحبه وتكرهه معا – لا أحد متأكد – .. وليس هذا سؤال السارد ولا الرواية ولا الكاتب إذن لكان ثمة إجابة واضحة. فالروايات الجديدة لا تقدم إجابات.. ولا هي تطرح أسئلة بالشكل التقليدي أيضا والروتين السمج.. 
صعب أن ألخص الأفكار التي يأتي عليها النص، هي كثيرة جدا.. الهجرة.. الدين.. سؤال الله.. سؤال الهوية.. العنصرية.. العلاقة بين وادي النيل.. كما صعب أن أتوقف عند نقطة ربما سيشير إليها البعض لاحقا بطريقة غير مدروسة/ ممنهجة، عن مقارنات بين هذه الرواية و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح و"مدن بلا نخيل" لطارق الطيب، باعتبار أن الثيمة أو العلامة الطازجة هي الهجرة. فلم يرد بذهني ذلك، فالرواية تجربة مختلفة وجديدة، لأنها تحركت في سياق تقني وتجريبي حداثوي وجديد تماما. كما أن هذه الرواية هي مشغولة بالتفكيك الشخصاني والنفساني أكثر من الاهتمام بالمكان.. حتى لو أنه كان جليا.. فوجوده أشبه بلسعات النحل.
لن استبق النص لكي أحدده كموضوعات لأن ذلك فعل ساذج.. لكن من يبحث عن العنف سيجده. ومن يبحث عن الجنس سيجده. ومن يبحث عن الله سيجده. ومن كان هواه الشيطان سيجده. فقد ترك بركة التأويلات مفتوحة لنص يقوم على الاستنساخات المتواترة ومحو الآيات.. 
كما أن القارئ سوف يجد أن بركة هنا في فضاء آخر غير ما عرفه.. لن يجد فضاءات "مسيح دارفور" ولا "الخندريس" ولا "العاشق البدوي".. سيجد مساحة أخرى ربما كان لتجربته الأخيرة في الهجرة دورا فيها.. تحديدا حيث هو الآن في النمسا.. لكن هذا سطحي جدا أن نفهم النصوص كانعكاسات مباشرة لتجاربنا الحياتية.. إنها بالأخرى استلهامات معرفية وفلسفية وإعادة تدوير هائل للمعاني والمدركات أيضا.
هذه رواية إذن جديدة من حيث التقنيات والشاعرية.. وأقصد تحديدا الشاعرية في إطار السرد لا بالمعنى الشعري المباشر. كما أنها جديدة من حيث ما يمكن أن يشعر به القارئ من إرباك لذيذ ومحبذ.. وما تفعله أشبه بما جاء في النص نفسه:
"لا يمكن ان يُصاب الشخص بالسُكر والسَطل في آن واحد، ولو تناول المُسكر والمُسطل بذات القدر" 
ويمكن التلميح مبكرا إلى أن النص سوق يقع تحت طائلة بعض القراءات الكلاسيكية ما سيجعله يفقد حظه باعتبار أنه لا يستوفي شروط الرواية المعروفة.. وقد لمح الكاتب نفسه لذلك في الرواية:
".. ذلك سيورط النص الأدبي فيما يسميه بعض النقاد الكلاسيكيين الحَرفِيين: الخروج المريع وغير المبرر فنيا عن الخط العام للتحقق السردي. في السودان يدفع الكثيرون من المتمرنيين في النقد بتقديم بعض النصائح للكاتب في ذلك الظرف بالذات.."
إننا سوف نفهم في النهاية.. أحسب أني فهمت وقد لا أكون كذلك .. أن درويش ليس إلا صورة مجازية ومتناسلة للشرير الذي يسكن كل منا.. والذي يتجلى في صورة ملائكية.. لكن أيضا ليس منتزعا عن سياقات الأزمة والأمكنة ولعنات الوجود وأزمات الإيمان المتكلس والروتيني.. 
إنه نص مفتوح في شتى النواحي وعبر كافة نوافذ القراءة..
———–
عماد البليك

Sakin

تراجيــــــــــــديا (30)

الهلاك المنتظم التي سببها المجاعة والجفاف الذي هاجم المنطقة (بري بيع) بصورة شاسعة و(دوقوبا) بصورة محصورة , في حين ان هولاء البسطاء يعتمدون بشكل اساسي على الزراعة والرعي ,والتي في اغلبها تعتمد على موسم الخريف(الامطار) مباشرة. توقف السماء اطلاق رشاشاتها , نماء ظاهرة عدم اتزان بين مستخدمي الماء في عين الماء المكتشف قبل قليل ,( توم) فضل نفسه ان كان هو في بلاد الزعيم , لكن الاقدار جلبه الي بلاد لا فيها مياه وتسيطر اليها الجفاف والحرارة …الخ
(مديم) انتفق بطنها بشكل مزري وهي قابلة لدق الناقوس الولادة , حشد المعاونين عملية الولادة خاصة العجوزة العمياء التي شغل نفسها بكامل الحيوية . علقوا الحبلى بحبل الولادة المتدلي من سقف القطعية بينما انشغل المعاونين الداية بين ساقين (مديم) , جرى هذه العملية على نحو ساعة كامل ,( توم )كان واقف على قدميه وهو على مقربة من نفاد صبره , اطلق المولدة اصوات جائعة مجرد اخراجها من منزلها العامر التي اقامة فيها تسعة صيف وكذا ايام , برر رئيسة القابلات ان هذه البكاء تؤكد على جوع الام .مضى الاسبوع دون هناك اي تسمية (سماية) , دعوا اسم بينتهم هذه على اسم جد جدة امها (كريبا) و اردف امها كلمة (صغرى) واصبح يطلقون عليها (كريبا الصغرى)
في طيف هذه الاحوال ,(توم) اتخذ قرار في وقت التي كانت غير ملائمة بنسبة لزوجته , القرار هو ترك مكان الذي ترعرعوا وازدهروا فيها, بل مكان اسلافهم الي مكان اخر بحيث ان هذا القرية وما جاورها اصبح صعب للغاية العيش فيها , لذا جمعوا من الحظيرة ما تبقى من الابقار والماعز والضان وشدوا ما ملكوا من الثروات على ظهور الدواب , واتخذوا الهجرة هو سبيل الامثل للخروج من هذه المعضلة البيئية التي اصبحت تحصد اليابس واللين, الحي والميت , البري وغير البري. علق (مديم) الطفلة ذو الايام على ظهرها و طوقها بقطعة قماش مبتذلة وامتطي على ظهر حمار الكسول في وقت كان ما زال (توم) يطارد صغار الجداد لوضعهم في الحجيزة ذو قضبان الخشبية.
الهجرة الذي اختاره توم و زوجته وكريبا الصغرى و طري يو وام توم , هي هجرة مجهولة غير واضحة الملامح , ومحفوف بالمخاطر والمتاعب , من القطيع الذي سيجاورهم في السير ,من مصيدة الحيوانات المفترسة التي تشتهر بها المكان, من هجوم العواصف الغبارية , من الاعياء, الجوع ,العطش , الحرارة, الجنين, المكوث, الاستظلال في ظل الاشجار غير الظليلة. منذ البداية هذه الانطلاقة والذي يبدو مجهول النهاية ,على اي حال الآن ,تتبعوا ممر الترابي المتجه نحو الجنوبز.
ملاحظة !
سنتوقف من نشر باقي الاجزاء من تراجيديا على مواقع تواصل الاجتماعي لحين اكتمال باقي الاجزاء في مشروع الكتابة (رؤية) وسنعرض الاجزاء الاخيرة منها في مواقع التواصل الاجتماعي…
———————–
بقلم/ اورقـــــــــو بونقـــــي جــــــوروك

تراجيــــــــــــديا (29)

في عام 1972م سدد (دوقوبا) كارثة طبيعية ضخمة وبالتحديد خريف ذات العام , الذي لم تكن كما تعاود اليها محليي (بري بيع ) عامة و(دوقوبا) خاصة , في اول من يونيو من نفس
العام تمظهر حالة من القحط الغير العادي , وفقا لما قاله مفسر الاحوال الجوية التقليدي نسبيا بنسبة لنا من (دوقوبا) .." ان الاله ما عادت تزرف لهم اي دمعة من عيونه السحابية , بسبب المناوشات الطفيفة الذي نشاء هنا وهناك بين مجموعات المكانية في اجزاء العليا " و واصل المفسر الارصدي هذا, بعد ان ارتشف كوبا من الماء " الاله غضب الينا جمعيا ويجب ان نتظر العقاب" بعد محاولات مميتة استطاع ان يمسك واقعة المستقبل الكارثي الحتمي والتي ستضرب المنطقة باكلملها ,وذلك عن طريق رمى ما يقارب اربعة خرز في بطن رمال الجدول المائي الواقعة من ناحية الشرقية من (دوقوبا).
نشب الذعر والتوجس من هذه المستجدات البيئية , تغير امزجه الوجوه , ضجر من ضجر , ذهل من ذهل ,وفرض القلق سلطتها , واضطهد المتفائليين ,بعد ايام قليلة ارتضم (دوقوبا) الجفاف بشكل غير استثنائ , السماء ابت تزرف دمعة واحدة كما قاله رامي الخرز , شمخ الحرارة في مستواياتها المتعالية ,تضخم امواج العواصف الغبارية , شح الماء , يبس الابار, فرغ الخزانات , لفظ الحياة البرية النفس الاخير, سقم النبات , لا احد حصد حبة واحدة.
دنى ملامح بروز عام 1973م , بعد انقضى اكثر من احدى عشر شهر على بزوغ القحط والشحاحة , هلك في (دوقوبا) وحدها اكثر من نيف ارواح سكانها في مجابهة هذا الجفاف , كما هو مثيلها في القرى المتاخمة, كانت الخسائر والاضرار الحيوان والانسان بشكل هائل سواء كانت من جوانب الروحية و الجسدية , تبخر هذه الارواح مباشرة مع درجات الحرارة المتعالية الي قبة الزرقاء , كان مردود الانتاج من المحاصيل تشير الي درجة صفر ضخم في يمين العدد , هكذا لجا الاهالي الي طرق حديثة لجمع وصيانة المحاصيل ومن بينها تنقيب بيوت النمل , وتعدين ما فيها من حبوب الدخن والمؤن الاخرى.
في زريبة (ام توم ) وحدها فقد جل ابقارها والتي كانت تستدعيها باسماء مثيلة لابناءها , الآن اصبح تعبق من ذات الحظيرة رائحة كيميائية نتنة من فيزياء الجثث الابقار الميتة و لا شئ غيرها , وهي ايضا اصبحت نحيلة و واهنة بسبب النسق الغذائية الجديدة التي اتخذها كوسيلة وحيدة للبقاءها , ومن يعرفها من قبل ,تتصور في ذهنه او ذهنها ,هي عبارة عن هيكل عظمي تطوف القرية ,هي ايضا تسمع حركة عظامها اثناء السير.
البئر الوحيد الذي كان الناس يتجهون اليها ,الآن ابتلع مياها الي القعر , فقط تلمع من هناك خيوط الماء الشبيه بالزيت اثناء انعكاسها للشمس بنسبة لرؤية عيون الظمآن , سريعا تختبئ مياءها ما بين اللا معروف حبيبات الرمل و الحصوات,لذا فرغ المارة من الممر المؤدي الي البئر والذي كان تعبر من امام سياج ( اهالي توم)..منهم من اعتمد اطفاء ظماءه على طريقة نحر الجمل لاخراج ما في بطنها من الماء او على طريقة (توم) في الصحراء.
كما اسبقنا ان الموت اصبح امر حتمي واساسي لأي كائن كان , هو او هي في (دوقوبا) , هتك فضيحة التخليص (ماء) في احدى الوديان القريبة التي تستمد مياها من الجبل الاسود التي تبدو قريبة من (دوقوبا), في الآن ذاته ليست قريبة, على عجالة هرع الاهالي نحوها ,و تشكل حشد كبير واكتظ بها مكان الينبوع او النافورة المجاذفة او كما سماها الاهالي بال(عين الماء) . ما تبقى منها سوى هذه النتيجة , هو نشوب صراع ما بين مكتشفي عين الماء والظمآن الذين انكبوا صوب المكان .

————————-

بقلم/ اورقـــــــــو بونقـــــي جــــــوروك

تراجيــــــــــــديا (28)

تغلغل اشعة الشمس المرسلة من شرق المكان عبر جدار فيلا البيت القروي الحقير الذي كان يقبع فيها (توم) و زوجته العصرية نسبيا , استفاق توم من الركامة الليلة السابقة والذي قضيا فيها اعمال مرهقة جدا , فرك (مديم) حافة عيونها المطلية بالشمع النوم ,و زحف غير منتعل القدمان نحو موقدها الخلاوي الذي يتوسط الحوش , و رمى ربطة حطب الواهنة في نار الموقد , و وضع اصيص الفخار المملوة بالماء فوق ثلاثة احجار المسود الرؤوس ,بعد برهة من الوقت اخذ الماء الدافي الي مكان اشبه بالحمام الخلاوي ايضا ,لحظة رجوعها شاهد (توم) مغطي راسه قطعة قماش سميك ذاهب صوب ذات المكان الشبيه بالحمام الخلاوي.
انقضى اربعة شهور من رحلة انطلاق الاقتران بينهما ,(مديم) أخذ في تراشق بالبصاق في محيطها دون ان تنفق ادني جهد في سبيل ذلك البصاق المبرر , ذات يوم من بعد الشهر الرابع (توم) تحرى من سفينة مرافقته ,تتقيا وتقذف كل التي اكلها من فمها المكتنز الي الخارج ولكن لم يعير لها اهتمام كبير, لكن ايقن ان هناك تغيير جزئ تخلل في هيبة (مديم). تكور بطن (مديم) و طرأ تغييربسيط في سيرها واصبحت تحسب خطوات سيرها .( مديم) اصبحت تاكل الطين الناعم بطريقة سرية خالصة ,خاصة بعد ان انشق الشهر بعد الشهر الرابع , وباتت احيان كثيرة تتحدث مع نفسها , ومن تغيراتها الغير المحوسبة عند العامة , اصبحت تبغض مجرد ذكر اسم (توم) خصوصا عندما تاتي التعليقات المركونة بالمجاملة من اخواتها تجاه (توم). ضرب موجة من الاشاعات والتي فيها نوع من التشهير في ارجاء (دوقوبا) حتى وصل تلك الضجة الي بيت العجوزة العماء " بان (مديم) اصبحت حبلى " مما قرر هذه العماء ان تتعني بنتها بنفسها.
في عام 1972م سدد (دوقوبا) كارثة طبيعية ضخمة وبالتحديد خريف ذات العام , الذي لم تكن كما تعاود اليها محليي (بري بيع ) عامة و(دوقوبا) خاصة , في اول من يونيو من نفس العام تمظهر حالة من القحط الغير العادي , وفقا لما قاله مفسر الاحوال الجوية التقليدي نسبيا بنسبة لنا من (دوقوبا) .." ان الاله ما عادت تزرف لهم اي دمعة من عيونه السحابية , بسبب المناوشات الطفيفة الذي نشاء هنا وهناك بين مجموعات المكانية في اجزاء العليا " و واصل المفسر الارصدي هذا, بعد ان ارتشف كوبا من الماء " الاله غضب الينا جمعيا ويجب ان نتظر العقاب" بعد محاولات مميتة استطاع ان يمسك واقعة المستقبل الكارثي الحتمي والتي ستضرب المنطقة باكلملها ,وذلك عن طريق رمى ما يقارب اربعة خرز في بطن رمال الجدول المائي الواقعة من ناحية الشرقية من (دوقوبا).
نشب الذعر والتوجس من هذه المستجدات البيئية , تغير امزجه الوجوه , ضجر من ضجر , ذهل من ذهل ,وفرض القلق سلطتها , واضطهد المتفائليين ,بعد ايام قليلة ارتضم (دوقوبا) الجفاف بشكل غير استثنائ , السماء ابت تزرف دمعة واحدة كما قاله رامي الخرز , شمخ الحرارة في مستواياتها المتعالية ,تضخم امواج العواصف الغبارية , شح الماء , يبس الابار, فرغ الخزانات , لفظ الحياة البرية النفس الاخير, سقم النبات , لا احد حصد حبة واحدة.
———————–
بقلم/ اورقــــو بونقـــــي جـــوروك