حرية … سلام وعدالة

.

وفد من المحكمة الجنائية يزور الخرطوم… هل يحيي آمال تحقيق العدالة في دارفور ؟


«القدس العربي»: «إحالة مجلس الأمن قضية دارفور للمحكمة الجنائية، جلبت الأمل في المساءلة، لكن هذا الأمل ظل، للأسف، مجرد أمل بعد 17 عاماً منذ صدور القرار»، يقول المدعي العام للمحكمة الجنائية كريم خان.

ومنذ تكوين الحكومة الانتقالية، في العام 2019، شهد التعاون بين المحكمة الجنائية والحكومة السودانية، بعض الخطوات الإيجابية، رغم تضارب المواقف في الصدد بين العسكريين والمدنيين، إلا أن تلك الخطوات تعثرت لاحقاً، بعد سيطرة العسكريين على الحكم.

ومع أن التوجس هو الرابط الوحيد بين الجانبين في الوقت الراهن، أعلنت وزارة الخارجية السودانية عن زيارة وفد من المحكمة الجنائية للبلاد، تعتبر الأولى من نوعها منذ انقلاب العسكريين في 25 من أكتوبر/تشرين الأول، الماضي.

وحسب بيان لوزارة الخارجية، قال مدير قسم العلاقات الخارجية في مكتب مسجل المحكمة الجنائية الدولية، إن الغرض من الزيارة يأتي في إطار التشاور مع الجهات المختصة حول بعض الإجراءات المتعلقة بتسهيل التعاون بين السودان و المحكمة، مشيراً إلى أن جميع الإجراءات المتعلقة بعمل المحكمة في السودان سيتم إرسالها بصورة رسمية إلى الجهات المختصة بالسودان .
وقال وكيل وزارة الخارجية المكَلَف بالإنابة، السفير نادر يوسف الطيب، خلال لقائه وفد الجنائية، إن السلطات السودانية ملتزمة، بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية لتحقيق العدالة وفقاً لمبادئ القانون الدولي وتسهيل عمل المحكمة بالتنسيق مع الوزارات الأخرى والجهات ذات الصلة.

وكشفت الخارجية، عن زيارة وفد الجنائية بعد أيام من مغادرة الوفد للبلاد، مشيرة إلى أن لقاء وكيل وزارة الخارجية المكَلَف بالإنابة، بمدير قسم العلاقات الخارجية بمكتب مسجل المحكمة الجنائية الدولية والوفد المرافق له، تم في اليوم الأخير، من الزيارة التي كانت خلال الفترة من 7-9 مارس/آذار الجاري .
وعقب الانقلاب، قال مدعي المحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، إن مكتبه اضطر إلى تعليق نشر فريقه في السودان وإيقاف جميع أنشطة التحقيق على الفور، مشيراً إلى أن العديد من المحاورين والمنسقين الرئيسيين لمكتب جرائم دارفور لم يعودوا يشغلون مناصبهم في حكومة السودان.

ولفت إلى أن انعدام الأمن وعدم الاستقرار في السودان، يشكل انتكاسة تطرح تحديات إضافية لعمل المحكمة الجنائية في السودان.
وخلال تقرير قدمه أمام مجلس الأمن الدولي في يناير/كانون الثاني الماضي، طالب خان، الحكومة، بضمان وصول مكتبه بأمان إلى السودان، بما في ذلك الوصول إلى الوثائق ومسرح الجريمة والشهود.

وأضاف أنه من الضرورة الرد على الطلبات العديدة بشأن المساعدة التي أرسلها مكتبه المدعي العام دون مزيد من التأخير، في إشارة ربما لتجاهل قادة الانقلاب لاتفاقيات التعاون الموقعة بين الجانبين وقتها.
وتابع خان: «لا يمكن أن تظل قضية دارفور، قصة بلا نهاية للضحايا»، مؤكداً أن عدم تحقيق العدالة لضحايا دارفور سيستمر في التأثير على جهود السودان نحو تحقيق الاستقرار وسيادة القانون، إلى أن تكون هناك مساءلة ذات مغزى.

وحسب الأمم المتحدة، لفت مدعي المحكمة الجنائية إلى وجود أربعة مشتبه بهم، صدرت بحقهم أوامر توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، ثلاثة منهم محتجزون حالياً في السودان، الرئيس السابق عمر البشير، ووزير الداخلية السابق عبد الرحيم محمد حسين، ووالي ولاية جنوب كردفان السابق أحمد هارون.

واشار إلى أن الشخص الرابع، القائد السابق في حركة العدل والمساواة «عبد الله بندة»، لا يزال طليقاً.

والشهر المقبل، ينتظر أن تستأنف محاكمة، على كوشيب، الذي يعد من كبار قادة ميليشيات الجنجويد في محليتي وادي صالح ومكجر بدارفور خلال عامي 2003 و2004.
وأكدت المحكمة الجنائية، في يوليو/تموز الماضي، 31 تهمة موجهة لكوشيب، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في دارفور، شملت القتل والاغتصاب والتعذيب والهجوم على السكان المدنيين.
وأحال مجلس الأمن الدولي، في العام 2005، قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية، بموجب القرار رقم1593، والتي تعتبر المرة الأولى التي يقوم فيها مجلس الأمن بإحالة إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية».
وقال القيادي في حركة تحرير السودان، عضو مكتب حاكم إقليم دارفور، أحمد أوباما لـ»القدس العربي» إنهم لم يلتقوا بوفد المحكمة الجنائية الذي زار البلاد مؤخراً، مشيراً إلى أن آخر لقاء تم بين الحركات المسلحة والمحكمة الجنائية، كان خلال زيارة المدعية العامة السابقة، فاتو بنسودا للبلاد، أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
ولفت إلى أن عملية تسليم المطلوبين، التي تعد مطلباً أساسياً، تمضي ببطء، مؤكداً أن تحقيق العدالة في دارفور لن يكتمل إلا بتسليم المطلوبين. وأضاف: «لحظتها تكون العدالة انتصرت».
وخلال الفترة الانتقالية، زارت بنسودا السودان لأول مرة والتقت مواطني دارفور والمسؤولين في البلاد، وبعد انتهاء ولايتها زار المدعي الجديد خان، الخرطوم وعقد مجموعة من اللقاءات، فضلاً عن تلقيهم وعوداً بتسليم المطلوبين والتعاون في التحقيقات المطلوبة، إلى جانب إنشاء مكتب لمدعي جرائم دارفور في السودان، إلا أن كل ذلك ما زال يراوح مكانه.
وأشار رئيس هيئة محامي دارفور، صالح محمود في حديثه لـ«القدس العربي» إلى الالتزامات القانونية من جانب الحكومة تجاه مكتب المدعي العام، والتي جاءت بناء على مذكرتي تعاون، وقعتهم الحكومة الانتقالية مع المدعية السابقة بنسودا والمدعي الحالي خان.

وأوضح، أن المذكرتين أكدتا على التعاون بين الحكومة ومكتب مدعي جرائم دارفور، بخصوص النقطة الجوهرية المتعلقة بالتزام السودان بتسليم الرئيس المعزول عمر البشير ووزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين والقيادي في المؤتمر الوطني أحمد هارون.
ولفت صالح إلى مرور فترة طويلة منذ توقيع المذكرتين، وإلى تأخر السلطات في الوفاء بالتزاماتها.
ورجح أن يكون وفد الجنائية طالب الحكومة بتنفيذ خطوات جادة بخصوص الوعود والالتزامات المعلنة، فضلاً عن السماح لفرق التحقيق في جرائم دارفور بالوصول إلى السودان ومناطق الأحداث لمقابلة الشهود وجمع الأدلة في الجرائم التي ظلت تحدث حتى تاريخ اليوم.

وأضاف: «مكتب مدعي جرائم دارفور يمضي في البناء على مواقف الحكومة الانتقالية، التي سمحت بثلاث زيارات لمدعي المحكمة الجنائية، باعتبار ذلك مؤشراً إيجابياً في إطار التعاون»، لافتاً إلى أن الحكومة وقتها وافقت على أن يتم فتح مكتب لمدعي جرائم دارفور في الخرطوم، والمضي في إجراءات فتح المكتب لتسهيل مهام مدعي جرائم دارفور، عبر وجود فريق دائم في السودان يساعده في القيام بواجباته وبرامجه وإجراء التحقيقات وجمع الأدلة.
وتابع أنه يبدو أن هذه الزيارة، كررت المطلب الملح لتنفيذ ووفاء الحكومة بتسليم عمر البشير وبقية المتهمين، مشيراً إلى اقتراب موعد استئناف، محاكمة كوشيب الذي سبق وقدمت الحكومة الانتقالية مساعدة فنية للمحكمة الجنائية بخصوصه. وأكمل: «ربما أثرت الأحداث الدولية المتلاحقة وأحداث أخرى، حالت دون التركيز على قضية دارفور بشكل أساسي، في الوقت الراهن، لكن قضية دارفور تتعلق بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتي لا تسقط بالتقادم ولا يصلح العفو فيها»، مشدداً على أن قضية دارفور ستظل تحتل حيز في واجهة الأحداث، لجهة الفظاعات والانتهاكات لحقوق الإنسان التي ما زالت تحدث حتى الآن خاصة في جبل مون وعموم غرب دارفور وشمال ووسط دارفور، والتي تجعل قضية دارفور ملحة.

وقال محمود: «لا يمكن أن يستريح ضمير العالم حتى يتم تقديم المطلوبين للعدالة»، مشيراً إلى الصعوبات الراهنة التي تواجه عمل المحكمة في السودان، بسبب الانقلاب العسكري. وأضاف: «الانقلاب الحالي امتداد لنظام البشير، لافتاً إلى أن الحكومة الحالية عسكرية بالكامل، وتواجه مؤسساتها عدم الاعتراف من المجتمع الدولي، معتبراً ذلك من العوامل التي تسبب صعوبة التعامل الجاد معها، فضلاً عن كونها حكومة غير دستورية ولا تتمتع بإرادة سياسية موحدة، في مثل هذا النوع من القضايا». وتابع: «الوضع في السودان لا يبارح مربع الانتهاكات، مشدداً على أن عدم تحقيق العدالة مرتبط بشكل وثيق بمناخ انتشار ثقافة الإفلات من المساءلة والعقاب والذي يعود لسياسات نظام الإنقاذ المتورط في انتهاكات دارفور».

وأكمل: «بعد تفجر الأوضاع مجدداً في دارفور، عادت مشاهد الانتهاكات والجرائم من قبل منسوبي الحكومة والقوات النظامية أو حلفائهم الجدد من الحركات والميليشيات المسلحة التي تمدها الحكومة بالسلاح، مع إعادة صلاحيات أجهزة الأمن والقوات النظامية كلها، التي تعتبر عوامل مشجعة على الانتهاكات في ظل مناخ الإفلات من العقاب».

إلى ذلك، أكد الصحافي والمحلل السياسي عبد الله رزق، في حديثه لـ«القدس العربي» على عدم توفر إرادة واضحة لتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية، طوال فترة الثلاث سنوات الماضية، بعد إسقاط نظام البشير في العام 2019.
ولفت إلى تضارب تصريحات المدنيين والعسكريين حول هذه القضية طوال فترة الشراكة الانتقالية، مشيراً إلى أن موقف العسكريين المضمر أو المعلن بخصوص عدم تسليم البشير، ظل الموقف الفعلي الذي التزمت به الحكومة، رغم توقيع مذكرات تعاون بين المحكمة الجنائية والحكومة، والزيارات التي تمت في الصدد.

إلى حين استقالة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك لم يحدث أي تقدم جوهري، يقول رزق، معتبراً ذلك مؤشراً يدعو لاستبعاد حدوث أي تقدم بعد الانقلاب العسكري الذي أحدث ردة شاملة في قضية العدالة.
واشار رزق إلى أن السلطات، من خلال استئناف اللقاءات مع وفود المحكمة الجنائية، تسعى لكسب الوقت وليس لإرادة فعلية وجادة لتسليم المطلوبين، موضحاً أنها تستقبل الوفود بأجندة ثانوية لاستهلاك الوقت، ليس أكثر.
وأوضح الخبير الحقوقي عبد الباسط الحاج، لـ»القدس العربي» أن زيارة وفد المحكمة الجنائية الدولية للخرطوم يأتي علي أساس مذكرة التفاهم التي وقعتها المحكمة الجنائية مع حكومة السودان في فترة حكم حمدوك، حيث التزمت الحكومة بالتعاون مع المحكمة و تسهيل إجراءات وعمليات دخول وتحرك موظفيها وووفود الخاصة إلى السودان. وأضاف: «السودان لم ينضم إلي نظام روما الأساسي، ورغم ذلك يعتبر من الدول التي وقعت فيها جرائم تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي استدعى ضرورة خلق صيغة للتعامل مع هذا الملف علي أساس قرار مجلس الأمن الخاص بإحالته إلى المحكمة الجنائية الدولية، والذي يلزم السلطات السودانية بالتعاون مع المحكمة و تسهيل تكملة إجراءاتها داخل السودان».

وأضاف: «استطاع مكتب المدعي العام للمحكمة أن يقدم الوثائق والأدلة الكافية أمام المحكمة في الدائرة التمهيدية لتأكيد التهم الموجهة لـ»كوشيب» الذي سلم نفسه للجنائية في العام2020، بينما تستأنف محاكمته الشهر القادم «.

وتابع: «إن مسألة تسليم بقية المتهمين تقع علي عاتق الحكومة السودانية ويجب أن تبدي التزامها بتحقيق العدالة للضحايا عن طريق تسليم المطلوبين وتسهيل سير العدالة»، موضحاً أنه في حال أبدت الحكومة السودانية رغبتها في تسليم المطلوبين سوف ترسل المحكمة الجنائية طائرتها الخاصة وتقوم باستلامهم وترحيلهم إلى لاهاي.

وأكد الحاج أنه «يبدو أن السلطة القائمة في السودان لم تبد النية الجادة في تسليم المطلوبين»، مشيراً إلى أن الشروع في إنشاء مكتب مدعي جرائم دارفور في السودان وتسهيل عمله، مرتبط بقيام السلطات بخطوات فعلية وجادة، متعلقة بتمكينه من الوصول إلى السجلات الرسمية للدولة أثناء فترة الحرب وغيرها. وشدد على إلزام الاتفاقات الموقعة بين الحكومة الانتقالية والمحكمة الجنائية للسلطات الراهنة.

الخرطوم- ميعاد مبارك

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.