حرية … سلام وعدالة

.

ورقة حول مؤشرات إنهيار الوضع الصحي لولاية غرب دارفور


بسم الله الرحمن الرحيم

🩺لجنة أطباء ولاية غرب دارفور 🩺

ورقة حول مؤشرات إنهيار الوضع الصحي لولاية غرب دارفور

مقدمة:
لا شك أن الصحة تعتبر أحد ابرز الحقوق الأساسية للمواطن وعموداً مهماً من أعمدة التنمية المستدامة التي لا يمكن أن تتحقق الا بها، لذلك لم يكن غريباً أن وضعتها الأمم المتحدة في الترتيب الثالث ضمن أهدافها السبعة عشر للتنمية المستدامة بحلول ٢٠٣٠م ، لا يسبقها الا هدفي القضاء على الفقر والقضاء على الجوع. وبذلك يتضح أن هذا الحق لا يجب أن يرتبط كلياً بالوضع المادي للمستحق على الاقل في مستويات الخدمة التي تحفظ حياته من هلاك أو أذىً وشيك(خدمات الطوارئ). ورغم علمنا أن الصحة في السودان منذ عهد الإنقاذ البائد لم تكن من أولويات الصرف رغم ما توفر لديها من موارد ، الا أنه من المؤكد ايضاً استمرار نفس الحال بعد سقوطها حيث ظلت الصحة معتمدة بشكل كبير على الهبات الخارجية وجيب المواطن في تمويلها .

إن ولاية غرب دارفور بحكم موقعها الجغرافي البعيد من مركز البلاد، ووقوعها مجاورة لأقاليم فقيرة في دول الجوار يبحث مواطنوها على الدوام عن الخدمة الطبية في مؤسسات الولاية التي هي بالطبع عاجزة عن سد حوجة مواطني الولاية، كل ذلك جعل الولاية تعاني من تحديات صحية إضافية جعلتها ضمن الأسوء في ولايات السودان في مؤشرات مهمة مثل وفيات الأمهات، الأطفال دون الخامسة، معدلات سوء التغذية، الأوبئة الموسمية…الخ.

الأسباب الرئيسية وراء تردي الاوضاع السنوات الأخيرة:

إضافة إلى ما تمت الإشارة إليه في المقدمة فإننا نرى أن الأسباب الآتية ساهمت في مفاقمة الاوضاع:

١-الاضطرابات الأمنية المستمرة في الولاية والتي حولت عشرات الآلاف من المواطنين إلى نازحين تأويهم دور المؤسسات الحكومية والمدارس والساحات العامة وغيرها وحرمتهم من وسائل الإنتاج مما تسبب في خلق أوضاع صحية وانسانية غاية في السوء.

٢-غياب الحوكمة الرشيدة والرؤى الفنية الثاقبة في مؤسسات الحكومة عموماً ووزارة الصحة والتنمية الاجتماعية خصوصاً، وظلت الوزارة تعاني أزمة قيادة حيث ظلت منذ زمن بعيد (وزارة من لا وزارة له). وبالرغم من التغييرات المتكررة في هرمها، الا أنها لم تستطع الخروج من مستنقع التخبط إلى رحاب التخطيط السليم وإدارة الموارد الشحيحة بالصورة المثلى. ولكم أن تتسائلو عن وزارة بحجم وزارة الصحة بكل الشراكات التي لديها وارتباطها العضوي بنظيرتها الفدارالية واداراتها، لا تملك حتى بريداً الكترونياً رسمياً.

٣-إستشراء الفساد وغياب المحاسبة : فبالرغم من القضايا الكثيرة للفساد والتي تشكلت لبعضها لجان تحقيق بضغط من الأجسام الثورية، الا أن جميعها انتهت بالتقادم ولم يتم إلى الآن محاسبة شخص واحد في كل تلك القضايا، وفي ذلك يتضح أمران لا ثالث لهما، وهما أن الإدارات التي مرت على الوزارة إما عاجزة عن إحتواء أخطبوط الفساد أو أنها ضالعة فيه وصارت حلقة من حلقاته المشرعنة له.

٤- عزوف أصحاب الخبرة عن تولي المواقع الإدارية المهمة وهجرتهم إلى الخارج أو المنظمات الإنسانية أو الجامعات أو حتى المؤسسات الخاصة. ومنشأ ذلك غياب البيئة الجاذبة واحياناً التضييق المتعمد من أصحاب المصالح والأغراض الدنيئة.

بعض مظاهر الانهيار في الوقت الراهن:

منذ تعيين السيد عثمان علي على رأس إدارة الوزارة فإن عجلة التدهور تسارعت ليثبت ما رأته اللجنة و غيرها من العاملين في القطاع الصحي بأنه ليس الشخص المناسب خاصة في الوقت الذي تحتاج فيه الوزارة إلى قيادة تخرج عن المألوف وتجريب المجرب إلى اتخاذ قرارات جريئة توقف التدهور وتضع حد للفساد وتستعيد ثقة العاملين والجهات الداعمة لبرامج الوزارة وقد أبلغته لجنة الأطباء بذلك صراحة في أول إجتماع دعا فيه اللجنة. وإمعاناً في دوره السلبي أتى بقرارات غريبة في ١٥ فبراير الماضي لتكون قاصمة الظهر التي عجلت بالانهيار الذي نشاهده اليوم، وهي قرارات لم يتخذها هو برؤيته الفنية والإدارية، ولكنها قرارات أملتها عليه جهات نافذة من أمانة الحكومة حسب إعترافه أمام تنسيقية الكوادر الطبية والصحية، فبالتالي نحن أمام مدير عام منزوع الإرادة ودمية في أيدي أصحاب المصالح الضيقة الذين يعبثون بصحة المواطن. واليوم بسبب هذه القرارات وما سبقها من تخبط نحن أمام شبح الإنهيار التام، المتمثل في الآتي:

١-الفراغ الإداري الهائل في الوزارة بعد إعتذار الأشخاص المعينين والمنقولين عن استلام المواقع الجديدة وهي :الإدارة العامة للطب العلاجي، الإدارة العامة للرعاية الصحية الأساسية، الإدارة العامة للصيدلة والإمداد الدوائي وإدارة التغذية. بعد قراراته الكارثية قرر المدير العام تكوين لجنة لإستلام الادارات وقد قامت اللجنة بذلك ولكن هذه اللجنة ليست معنية بتسييرها، لتصبح هذه الإدارات الحيوية مشلولة تماماً تتوقف معها كل برامجها التي تمول بعضها من منظمات دولية بمليارات الجنيهات.

٢-أوقف صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) دعمه لبرامج التغذية ومراكز التغذية العلاجية والخارجية منذ أسبوعين بسبب هذا الفراغ الإداري، وهو ما يعرض حياة
آلاف الأطفال في مدن وقرى الولاية ممن يعانون من سوء التغذية لخطر الهلاك. وبهذا ترتكب وزارة الصحة جريمة مكتملة الأركان في حق هؤلاء الأطفال.

٣-خلو ٣ مستشفيات ريفية من أصل ٧ مستشفيات من طبيب عمومي يقدم الرعاية اللازمة. وهذا يعني أن مئآت الآلاف من المواطنين في محليات جبل مون، سربا وهبيلا هم خارج نطاق التغطية الصحية حاليا ً. واللجنة لديها ما يؤكد أن مستشفيات ريفية أخرى في
طريقها لفقدان أطبائها بسبب السياسات الهوجاء لوزارة الصحة، لتزداد معاناة مواطني المحليات في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة التي تعيق نقل مرضاهم إلى الجنينة.

٤-عجز الحكومة عن توفير الأمن للمؤسسات الصحية والكوادر الصحية. آخر هذه الأحداث السطو المتكرر على مستشفى فوربرنقا وكذلك سكن الكوادر الطبية العاملة فيه، وكذلك حادثة نهب سيارة النظام الصحي من داخل مستشفى هبيلا تحت تهديد السلاح قبل نحو ثلاثة أسابيع.

٥-عجز الحكومة عن الإيفاء بوعدها في اجازة الحافز الولائي الموحد للعاملين بالصحة وصرفه اعتباراً من نهاية فبراير وهو وعد قطعه الوالي أمام العاملين بمستشفى الجنينة التعليمي إبان إضراب العمال والتمريض في مطلع فبراير الماضي، وهو ما يهدد بتصعيد من العاملين واتخاذهم لخطوات قد تؤثر على سير الخدمات على قلتها بسبب ضعف الأجور وسوء بيئة العمل.

مقترحات الحلول:

١- ضرورة تنحي المدير العام الحالي وبأسرع وقت لإفصاح المجال لشخص جديد من ذوي الكفائة والمهنية على أن يحظى بقبول وسط القطاع يستطيع إحداث تغيير في شكل العلاقة بين إدارات الوزارة والعاملين بما يمهد لمشاركة الجميع في إيجاد الحلول الدائمة لمشاكل الصحة.

٢-إنشاء مجلس استشاري من ذوي الخبرة والتخصصية تكون له أدوار في التخطيط والتقييم ورسم السياسات العامة وإتخاذ القرارات المصيرية بدلاً من إستبداد شخص واحد بالقرار.

٣-إجراء إصلاح شامل وسريع في إدارة الصندوق القومي للتأمين الصحي، فرع الولاية، وإختيار إدارة رشيدة يمكن التوصل معها لشراكات مثمرة مع وزارة الصحة يساهم من خلالها التأمين الصحي بما لديه من إمكانيات مالية في توسيع التغطية بالخدمات لتصل المحليات والوحدات الادارية إلى جانب تحسين وتجويد الخدمات الموجودة وتخلق بيئة جاذبة للكوادر.

٤-تفعيل عمل كل اللجان التي تكونت بخصوص قضايا الفساد ومطالبتها بتقديم تقاريرها النهائية في قيد زمني محدد.

٥-إنشاء قوة مشتركة في كل محلية تقوم بحماية المؤسسات الصحية وأصولها وتأمين حركة سيارات الإسعاف من وإلى المحليات.

٦-مراجعة الدعم الحكومي للصحة خاصة وأن صندوق دعم الصحة الذي إجازه مجلس الوزراء في فبراير الماضي لم يساهم حتى الآن بجنيه واحد للقطاع الصحي .. حيث يتعين على الحكومة تحديد مبالغ ثابتة تذهب مباشرة ودون وسطاء إلى المرافق الصحية لدعم الخدمات الطبية وسد العجز المالي لهذه المؤسسات حتى لا تضطر إلى تغيير أسعار الخدمات بما لا يتناسب مع قدرة المواطن على تحمله.

٧-ضرورة تنفيذ الحافز الولائي الموحد لكل العاملين والالتزام بدفعه في الوقت المحدد بما يجنب هذه المؤسسات مآسي الإضرابات المتكررة التي يدفع المواطن ثمنها اضعافاً مضاعفة طلباً للخدمة في مؤسسات علاجية خاصة.

*هذه المعالجات ليست الحل النهائي ولكنها تمثل مدخل جيد لمخاطبة قضايا الصحة بصورة أعمق عبر إستعادة الثقة بين الإدارة العليا للوزارة والعاملين فيها من جهة وثقة المواطن بالمؤسسات الصحية من جهة أخرى، إذ أن هذه الإجراءات من شأنها وقف التدهور الحالي وتخلق أرضية لمعاجات جذرية ومستدامة لمشاكل الصحة المزمنة.

ختاماً:
إن لجنة أطباء ولاية غرب دارفور إذ توضح هذه الحقائق للمواطن في الولاية-صاحب المصلحة- وكذلك للمسؤولين والرأي العام، فإنها تفعل ذلك من باب المسؤولية الأخلاقية تجاه الشعب ولحث الجميع على استشعار الخطر الداهم على حياة المواطن والاسراع في تدارك ما يمكن تداركه. كما أنها لن تتردد في المساهمة مع غيرها من العاملين في الصحة في إيجاد مخرج يجنب المواطن المعاناة ويحفظ اروح اطفالنا، متى ما لمست من المسؤولين صدق النية والبعد عن المصالح الذاتية والتجرد من تأثيرات الأجندة التي لا تريد للصحة وللمواطن خيراً.

لجنة أطباء ولاية غرب دارفور
١٨ مارس ٢٠٢٢م

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.