حرية … سلام وعدالة

.

نصف رأي


لقاء "الآلية والثورية" يخلط الأوراق:
الوطني "لكم حواركم ولي انتخاباتي"

تطور لافت من شأن تداعياته أن تمثل نقطة تحول في مجريات الصراع على السلطة في السودان وتضعها على أعتاب تحولات جديدة ذلك اللقاء الذي جمع في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا منتصف هذا الاسبوع بين الآلية الإفريقية رفيعة المستوى بقيادة الرئيس ثابو إمبيكي والجبهة الثورية السودانية بقيادة رئيسها مالك عقار, وأهمية هذه الاجتماع أنها المرة الأولى التي يجتمع فيها الوسطاء الأفارقة رسمياً وعلانية بتحالف قوى المعارضة المسلحة بصفته ك"جبهة ثورية" تتبنى موقفاً واحداً من الأزمة السودانية, خلافاً للقاءتها السابقة مع مكونات الجبهة منفردة.
ما يجعل هذا التطور محل اهتمام هو رد فعل وقراءة الطرف الآخر في معادلة الأزمة السودانية لهذا التطور, وهي حكومة الرئيس عمر البشير التي تتخذ موقف الرفض الكامل للاعتراف ب"الجبهة الثورية" أو التعامل معها بصفتها هذه, وإن كان ذلك بالطبع لم يمنع تعاملها مع التنظيمات المنضوية تحتها منفردة كتفاوضها مع الحركة الشعبية/ شمال تحت الوساطة الإفريقية, أو مع حركات دارفور المسلحة الرافضة لإتفاقية الدوحة لسلام دارفور.
ما من شك أن لقاء "الآلية والثورية" على هذا المستوى الرفيع الذي تم به يشكل مصدر قلق وإزعاج للسلطات الحكومية من حيث أنه يحمل نذر تحولات مهمة في موقف الوسطاء الأفارقة والدور الذي ظلوا يلعبونه على خلفية أنهم ظلوا إلى وقت قريب يبدون حرصاً أكيداً على كسب ثقة الخرطوم وودها, وعدم القيام بأي تحركات من شأنها أن تفسر في غير صالح الموقف الحكومي من قبيل المساواة بين الحكومة السودانية, باعتبارها السلطة الشرعية القانونية المعترف بها, وبين جماعات التمرد التي تقود معارضة مسلحة ضدها.
ومراعاة هذه الحساسية التي أدارت بها الآلية الإفريقية مهمتها وهي تضع في الاعتبار عادة ردة فعل الخرطوم على تحركاتها جعلها موضع اتهام بالضعف وعدم الفعالية, ليس من قبل خصوم السلطة الحاكمة من جماعات المعارضة فحسب, بل كذلك حتى من بعض الفاعلين في الوسط السياسي الذين أبلغوا الرئيس إمبيكي استياءهم من هشاشة الدور الذي تقوم به الآلية وعجزها عن تحقيق تقدم في الملفات الموكلة إليها.
صحيح أن لقاء "الآلية – والثورية" بأديس أبابا كان من الممكن أن يًقرأ باعتبار أنه لا يمثل أكثر من تكملة لسلسة اللقاءات التي ابتدرتها الآلية في الخرطوم إبان زيارة الرئيس إمبيكي وفريقه للخرطوم الأسبوع الماضي والتي اجتمعت فيها بالعديد من الأطراف والفعاليات السياسية الرسمية والمجتمعية لمعرفة مواقف ورؤية كل طرف من مبادرة "الحوار الوطني" وآفاقه المستقبلية وفرصه في التصل لتسوية سياسية شاملة للامة السودانية.
بيد أن حدوثه على هذا النحو في سياق تطورات وملابسات سياسية مهمة ومتداخلة منحه أبعاداً إضافية ذات دلالة خاصة, فاللقاء نفسه بالصورة التي حدث بها لم يتم بصورة تلقائية بل بعد شد وجذب دار في الكواليس بين الطرفين, فقد رفضت الحركات المسلحة المنضوية تحت "الجبهة الثورية" الاجتماع بالآلية الإفريقية حسب طلبها منفردة تحاشياً لإثارة توتر في علاقاتها مع الحكومة السودانية, وهي علاقات لا تبدو في أحسن حالاتها فقد اعتورها بعض الفتور في الآونة الاخيرة فقد لوحظ أن الرئيس البشير لم يستقبل الرئيس إمبيكي إبان وجوده لفترة طويلة نسبياً في الخرطوم الشهر الماضي, صحيح أن زيارته جاءت بعد أيام قليلة من العملية الجراحية الثانية في الركبة للرئيس البشير ودخوله في فترة نقاهة إلا أن العلاقات الوثيقة بين الرجلين على مدار السنوات الماضية لم تكن تمنع لقاءها خاصة في ظل حرص إمبيكي على مقابلته وهو ما أعطى إشارة إلى أن ما حال دون استقبال البشير لرئيس الآلية الإفريقية هي "وعكة سياسية" وليست "وعكة صحية".
ومهما يكن من أمر سواء تم اللقاء بضغوط من "الجبهة الثورية" خضوعاً من "الآلية الإفريقية" لاشتراطها اللقاء مجتمعة كتحالف مع الوسطاء خشية فشل دعوتها لهذه الأطراف للاستماع لمواقفها ورأيها من جهود التسوية السلمية الشاملة عبر حوار جامع, أو أن يكون الوسطاء الأفارقة أرادوا بالاجتماع مع "الثورية" أن يبعثوا برسالة إلى الخرطوم رداً على تجاهلها لتسهيل اللقاء بين البشير وإمبيكي, خاصة وأن مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن رئيس الآلية الإفريقية كان حريصاً على الاجتماع بالرئيس البشير والإطلاع على وجهة نظره وخططه قبل أن يلتقي بالسيد الإمام الصادق المهدي للمرة الأولى في أديس أبابا بعد تطورات لقاء باريس بينه و"الثورية", وكذلك قبل لقائه المفترض مع أطراف المعارضة المسلحة, ويبدو أن عدم استجابة الخرطوم شجعت إمبيكي للتجاوب مع ضغوط "الثورية" للاجتماع بها.
والملاحظ أن "الآلية الإفريقية" تجنبت إصدار بيان رسمي عقب الاجتماع بين الطرفين ولاذت بالصمت, ربما تريد من ذلك ترك الباب موارباً وعدم إلزام نفسها بأية مواقف تعزز من فرضية اعتبار أن لقاء أديس بمثابة "اعتراف رسمي" من وسطاء الإتحاد الإفريقي ب"الجبهة الثورية" والتعامل معها كصاحبة دور بصفتها هذه في جهود التسوية المنتظرة, وهي محاولة للاحتفاظ بسقف الضغوط على الخرطوم منخفضاً بحيث يكون دافعاً لها للتعامل بصورة أكثر انفتاحاً وإنتاجاً مع الوساطة الإفريقية.
وخلافاً للصمت الذي لفّت به "الآلية الإفريقية" لقاء أديس أبابا, فقد سارعت "الثورية" إلى اقتناص السانحة والترويج إعلامياً للخطوة على نحو واسع بغية إسباغ ثقل سياسي على اجتماع "الآلية – الثورية", واعتباره بمثابة "اعتراف" رسمي من الوساطة الإفريقية المدعومة دولياً ب"الجبهة" وبدورها المستقبلي, مع الإشارة إلى أن المجتمع الدولي والإفريقي ظل يتعامل مع مكونات هذا التحالف بصورة منفردة, فالحركة الشعبية/ شمال حُشرت في مسار التفاوض "حول المنطقتين", بينما يتم التعامل مع حركات دارفور في إطار محدد باعتبارها الرافضة ل"اتفاقية الدوحة لسلام دارفور", والمعلوم أن تحالف "الثورية" يسعى بصفة أساسية إلى انتزاع دور يتجاوز أطرها المحلية إلى تقديم نفسها كلاعب رئيس على المستوى الوطني.
بالطبع لم يكن لأحد أن يتوقع أن تفوّت "الثورية" استثمار رمزية المشاركة الواسعة في لقاء أديس أبابا, فقد شملت إلى جانب أركان الوساطة الإفريقية "الرئيس إمبيكي, والرئيس عبد السلام أبو بكر, وممثل رئيس الوزرء الإثيوبي", فقد شارك هايلي منكريوس المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للسودان, وكان حاضراً في كواليس المشهد المبعوث الأمريكي والمبعوث الأوروبي. وجاءت "الجبهة الثورية" بقضها وقضيضها بفريقها القيادي كاملاً "مالك عقار, د. جبريل إبراهيم, مني أركو مناوي, عبد الواحد محمد نور, عبد العزيز الحلو, ياسر عرمان, التوم هجو, نصر الدين الهادي".
ولعل السؤال المهم ما الذي سيترتب على هذا التطورات؟ من الواضح أن خطوة لقاء أديس أبابا "الآلية – والثورية" أكسبت جبهة المعارضة المسلحة ثقلاً سياسياً خارجياً مهماً كانت في أمسّ الحاجة له للحصول على "اعتراف" دولي وإقليمي من شأنه أن يعزّز من الثقل السياسي الداخلي الذي حصلت عليه من "إعلان باريس" بمشاركة السيد الصادق المهدي مما اضفى عليها بعداً قومياً مهماً كانت تفتقر إليه, حيث لم تكن النظرة إليها تتجاوز تمثيل "حركات الهامش المسلحة" في مواجهة "المركز أو الوسط بكل تجلياته", وهنا تحديداً تمكن أهمية إعلان باريس في إمكانية تحويله الصراع من ثنائية جدل صراع المركز والهامش, إلى صراع بين نهجين التسوية الشاملة والحلول الجزئية أو الصفقات الثنائية, على الأقل من ظاهر الأطروحات التي يتبناها الطرفان.
ومن شأن هذه التطورات أن تفضي إما إلى إدراك الخرطوم أهمية إعادة قراءة حساباتها على ضوء الوقائع المستجدة واستيعابها بما لا يجعلها تقع تحت سيف العزلة المسلط عليها هذه المرة ليس من القوى الغربية, بل من حلفائها الأفارقة الذين طالما راهنت على اصطفافهم إلى جانبها, والملاحظ في هذا الخصوص أمران الأول أن الحكومة تجنبت إصدار بيان رسمي يدين أو حتى ينتقد لقاء أديس أبابا, كما أن وسائل الإعلام سواء الرسمية او المقربة من الحزب الحاكم لم تشن هجوماً عليه.
والأمر الثاني الإعلان عن أن وفدا يضم الدكتور غازي صلاح الدين وأحمد سعد عمر المسؤولان عن ملف الاتصال بالحركات المسلحة في لجنة الحوار الوطني في طريقهما لأديس أبابا لإجراء محادثات معها. وهذه إشارات تفيد على الأقل توجه الخرطوم إلى عدم التصعيد, ولكنها ليست كافية بالطبع إن لم تسفر عن تفاهم مع السيد الصادق المهدي, فكيف يتم التفاوض مع الحركات التي وقع معها المهدي وتتجاوزه, بيد أن سيناريو ترك الأمر كله للجنة الحوار الوطني دون توفير ضمانات جدية لإنجاح مسعاه تعني أن الغرض هو امتصاص هذه الضغوط بأكثر من الخضوع لها, وفي هذه الحالة فإن رد الفعل من الأطراف الأخرى داخلياً وإقليمياً ودولياً هو الذي سيحدد مسار هذا الطريق.
الاحتمال الآخر هو أن تختار الحكومة المضي قدما في طريق إنفاذ "الخطة – ب" أو يمكن تسميته بخيار "الانتخابات أولاً" مع إبقاء باب "الحوار الوطني" مشرعاً على احتمالات مفتوحة, والقصد ما أعلنته صراحة من أنها لن تركن للحصول على "شرعيتها القانونية" المستنفذة من "خصومها", وفي ظل المؤشرات الدالة على تطاول أمد الحوار وتضاؤل احتمالات التوصل لتسوية شاملة, ينشط الحزب الحاكم في حراكه الانتخابي للحصول على "شرعية انتخابية" تجعله في موقف أقوى في حوار لا يتوقع ان يتحرك بصورة اكثر جدية إلا بعد الانتخابات, وثمة احتمال أن يقدم الحزب الحاكم "تنازلاً" يقصر بموجبه الانتخابات على الرئاسة, لتمرير المطلب الأهم في هذه المرحلة, مقابل أن تؤجل الانتخابات البرلمانية لوقت لاحق يجعل لاستئناف الحوار بعد الانتخابات الرئاسية معنى, وهذا ما يعني أن الوضع الانتقالي المتفق عليه والمطلوب بشدة من أطراف المعارضة بأطيافها كافة سيكون ممكناً التوافق عليه لما دون مقام الرئاسة.
———————————–
من صفحة الدكتور خالد التيجاني النور في الفيسبوك

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.