حرية … سلام وعدالة

.

مثلث برمودا السياسة السودانية


على الرغم من تفاقم ضعفها السياسي والتنظيمي الواضح واشتداد العزلة الاقليمية والداخلية عليها وفشلها الذريع في وهمة الحوار الوطني زيادة على فشلها الاشد فظاعة في توفير معيشة كفاف مستقرة للغالبية الكاسحة من الجماهير، تبدو المجموعة الممسكة بمقاليد الحكم في الخرطوم مطمئنة لعبور اضحوكة الانتخابات مرة أخرى نحو مزيد من التعذيب اليومي الممنهج لاطفال ونساء ورجال السودان خمسة سنوات عجاف أخرى . و في الوقت الذي تخطو فيه دولة شقيقة مثل بوركينا فاسو للامام انسانيا وديمقراطيا بفعل تطورات وتفاعلات الاحداث والازمات والتطلعات بداخلها لا تبدو بلادنا الحبيبة تتحرك نحو غير الوراء والظلام البهيم المستدام على الرغم من أن التطورات والتفاعلات فيها كانت ولا زالت قمينة بإحداث ما هو أكبر بكثير من مجرد ذهاب نظام معطوب مثل هذا إلى جحيم العدم. فما الذي ظل يؤخر فجرنا السوداني المستحق طيلة هذا السخف؟ 
لا يمكن بحال من الأحوال إلقاء اللوم حيال هذا التأخيرعلى جموع الشعب الصابر ولا على مجموعات الشباب الثائرة المتحركة بدأب لا تحده حدود ولا تهده المكايد والانتكاسات نحو هذا الفجر الشاخص المتحقق يقينا طال الزمن أو قصر وإن كان لا بد من العثور على تفسيرات وأسباب موضوعية لهذا التأخير فإن الموضع الخصب لهكذا بحث هو حال النخبة السياسية المعارضة التي أدمنت إهدار الوقت والإمكانات والفرص لدرجة يصعب معها تصور أن هذه النخب تمثل نفسها فعلا. أو أنها تطابق – ولو في الحدود الدنيا – الصورة الذهنية المتخيلة عنها؛ أنها قوى تتمتع بالقدر الكافي من العقل والإرادة والقدرة والانحياز الفعلي الصادق لخطاباتها المعلنة المنحازة لقيم العدل والحرية ولحق انسان السودان في العيش الحر الكريم.
القوى السياسية المعارضة، بلا استثناء تقريبا، عجزت عجزا مذهلا عن تقديم القدوة الوطنية الحسنة التي تتمتع في آن معا ً بالزهد والنزاهة والانخراط في سلك الجماهير للحدود القصوى.ذلك الانخراط الذي يجعل تلك الجماهير تحس أن قادتها يتألمون كما تتألم ويعانون مثل الذي تعاني . تلك القيادات التي تتحلى بالبذل والعطاء كبديل كربوني للاستغلال وامتصاص الدماء الذي ظلت تمارسه قيادات النظام على الجماهير. عجزت عن تقديم نموذج يتمتع بالتضحية الحية وبالايثار الذي يمشي على قدمين اثنتين بين الناس يرغبهم في الحلول غير الفردية وغير الخاصة لمشكلاتهم وكوارثهم ومآزقهم الجمعية العامة والشاملة. 
وإلا كيف ينعي على الجماهير بطء زحفها نحو القصر الجمهوري من يقول لسان حاله أنه لن يحرص على تأجيل تناول الحلوى والشراب فيه – إذا سكنه – حتى التأكد من وصول خبز الكفاف لفم آخر فرد في الجماهير التي حملته إليه ؟ إن ادعاءتنا أننا على مثل ما كان عليه غاندي والمهدي ومانديلا وغيرهم من الأفذاذ الذين حفروا تاريخا ناصعا على صخرة واقع لم يكن أكثر سوءا مما نحن عليه. وربما كانوا يحملون مزايا وقدرات استثنائية لكن الحاسم في تحقيق تلك الانتصارات والانجازات الاستثنائية كان حدا أدنى مع الصدق مع الذات ومع القواعد والجماهير التي بنت معهم ذلك المجد الحقيقي الملموس. إن أي علاقة لأي نخب أو قيادات مع الجماهير تقوم على استغلال أو استغفال أو توجس لن تنتج فجرا مهما تفيهق المتفيهقون وتمترس المزيفون خلف دعاوى رخوة رطبة لا تسمن ولا تغني عن الحق شيئا.
هذه الثغرة، التي قد يراها البعض ليست بهذه الأهمية، تفضي بالضرورة وبطبيعة حالها إلى ثغرتين أخريين أشد تأثيرا وفتكا تقع فيهما النخب والقوى السياسية الوطنية المعارضة. وهما غياب الإرادة والقابلية القصوى للاختراق وهاتان لعمري كافيتان جداً لتفسير هذا الكم الهائل من الخيبة والخذلان. تخيلوا معي سيداتي آنساتي سادتي أن خمسة من القيادات السياسية في البلاد بوسعهم أن يوجهوا كوادرهم وقواعدهم لمحاصرة القصر الجمهوري واحتلاله الآن الآن لوضع حد لهذه المعاناة الانسانية القصوى لأطفالنا ونسائنا وشيوخنا وشبابنا مع هذا النظام. يقول الواقع أن هؤلاء الخمسة لن يفعلوا لأن علاقاتهم الراهنة مع الهدف الوطني الافتراضي ومع الجماهير ملأى بالتشويش الناتج عن قلة الصدق المتبدية آثاره في مجمل ما حدث ويحدث، ولأن قلة الصدق هذه – وهذا هو الأهم – قد جعلت مسارات اتخاذ هذا القرار تمر عبر دوائر كافلة لها مصلحة في استمرار النظام للأسف. دعونا نتخيل أنهم قد كذّبوا هذه الشينة واتخذوا القرار الصعب. قلة الصدق تلك أثرت للأسف على قنواتهم التنظيمية التي من شأنها إنزال هذا القرار منازل التنفيذ السياسي الميداني وسمحت بهذا الشكل أو ذاك أن تعمل فيها أيادي الاختراق الآثمة النهمة ذات اليمين وذات اليسار. 
إن التأشير نحو هذه النقاط بالاسم وبالاصبع السبابة لن يعني مطلقا الوقوف على الضد من هذه القوة السياسية أو تلك. فالخندق الوطني الحتمي واحد في كل الأحوال. والانزلاق نحو معادلة الصمت عن الحق مقابل العيش وأكل العيش ليست هذه هي حدوده الأفضل بطبيعة الحال، وقديما قالت الجماهير السودانية – لا سواها – اسمع كلام الببكيك وببكي عليك وما تسمع كلام البضحكك وبضحك عليك والله من وراء القصد ولنا عودة بإذن الله
——————-
فتحي البحيري

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



One thought on “مثلث برمودا السياسة السودانية

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.