حرية … سلام وعدالة

.

لعنة السلطة والثروة في السودان


ان استشراء الفساد المالى والسياسى سيؤدى حتما الى انهيار دولة القانون والمؤسسات, وتتحول إدارة الدولة الى ما يشبه إدارة عصابة, ويعانى الشعب من الفقر والجوع وانعدام الامن. وهنالك عدة امثلة في هذا المجال منها فنزويلا و جمهورية الكنغو الديمقراطية. ففي حين نجد ان نظام فنزويلا يشابه النظام فى السودان من حيث الانتشار الواسع للفساد, نجد ان الكنغو الديمقراطية تشابه بلادنا في طول امد وقذارة الحرب الاهلية واقتران ذلك بجرائم الحرب والفساد والجرائم ضد الانسانية. وقد وصف موقع الصليب الأحمر الدولى جمهورية الكنغو الديمقراطية بانها من افقر دول العالم على الرغم من رصيدها الهائل من الثروات المعدنية والطبيعية.
تحتل فنزويلا المرتبة الأولى من حيث احتياطي النفط في العالم, حيث يبلغ هذا الاحتياطي 299 بليون برميل. يضاف الى هذا ثرواتها من الذهب والمعادن الثمينة الأخرى. وعلى الرغم من غناها الشديد فقد شهدت هذه الدولة نزاعات سياسية عنيفة أدت الى انتشار واسع للفقر والعنف والجريمة والنتيجة هي اللجوء للسكان الكثيف الى دول أخرى. وقد جاء في تقرير لمنظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة صدر في أكتوبر من هذا العام, ان عدد اللاجئين الفنزويليين يقترب من ستة ملايين لاجئ.
تشترك الانظمة المذكورة في الفقرتين السابقين بانها أنظمة دكتاتورية وثانيا انها تعانى من صراعات حادة على السلطة والثروة وثالثا تحكم من قبل منظمات عسكرية او سياسية فاسدة ومستبدة. وفى كل هذه الدول تعانى الشعوب من أوضاع إنسانية سيئة للغاية فاقمت من معدلات انتشار الجريمة والفقر والنزوح واللجوء الكثيف وانتشار الامراض وغيرها من الاثار السيئة لفساد الدولة. هذا يقود الى افتراض ان غنى الدول لا يرتبط بالضرورة برفاهية شعبها ما لم يك هنالك حكما رشيدا والتزاما بدولة القانون والمؤسسات ووجود نخبة سياسية واعية ونزيهة وحريصة على تقدم شعبها ورفاهيته.
ان قمع الحريات وتدمير الإصلاحات السياسية والقانونية الرامية الى التحول الديمقراطى لا تساهم الا في تفاقم الأوضاع الامنية والمعيشية والسياسية في السودان. وفى ظل انعدام الديمقراطية وسيادة حكم القانون يسهل على المسؤولين السياسيين والعسكريين تبرير استخدام العنف ضد المعارضين بانه عمل ضرورى للحفاظ على الامن. وخلال سنتين من عمر الفترة الانتقالية قتل الالاف من المحتجين ولا يزال هنالك عشرات الالاف في عداد المفقودين او يقبعون في السجون. وتماما كما يحدث في كولمبيا والكنغو وغيرها من الدول التي تشهد حروبا اهلية وتوترات سياسية, أصبحت الثروات مثل الذهب والمعادن الثمينة الأخرى تهرب خارج السودان وبكميات كبيرة. انها لعنة الثروة.
في مسيرة سعى الأمم نحو التقدم والرفاهية لا تلعب الموارد الطبييعة عادة الدور الاكبر. وكمثال لهذا نجد ان اليابان وسنغافورة وسويسرا ليس لديهما موارد طبيعة كثيرة وهى دول صغيرة من حيث المساحة, لكنها دول غنية. والعامل المشترك بين هذه الدول انها دول ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتسعى الى تنمية مواهبة وقدراته العلمية والفكرية وتلتزم بالتخطيط الجيد والابتعاد عن الحروب والنزاعات الاثنية وغيرها. وللمقارنة فان مساحة دولة سنغافورة تساوى اقل من ثلاثة ارباع مساحة مدينة الخرطوم (وليس ولاية الخرطوم), ولكن متوسط دخل الفرد فيها يبلغ 60 الف دولار فى السنة. اما اليابان وبقية الدول الغربية فان مستوى الدخول فيها يزيد.
على النخب السياسية والعسكرية وضع حد للفشل المتكرر وهو تضييع الثورات الشعبية التي قدم فيها الشعب تضحيات غالية من اجل الحرية والديمقراطية والسلام والعدالة. ان الفشل الذى أدى الى انتشار الحرب الاهلية لتشمل أقاليم جبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان يجب الا يستتبع بفشل اخر يجعل الحرب تنتقل الى بقية الأقاليم. ان نجاح الثورة ليس هو عزل الدكتاتور وزمرته فقط انما يجب ان يستتبع ذلك عمل دؤوب من اجل الانتقال الى الوضع المدنى الديمقراطى وبخطوات مدروسة ومتسارعة.

محمد مهاجر

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.