حرية … سلام وعدالة

.

فضيحة أم مؤامرة؟ تفاصيل اتهامات إيلون ماسك بالتحرش الجنسي


منذ الإعلان عن تفاصيلها، انشغل الإعلام العالمي عموما، والتقني خصوصا، بتفاصيل الصفقة الضخمة التي أعلن عنها الملياردير الأميركي إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، ومؤسس شركتَيْ “سبيس إكس” و”تسلا” التقنيتين، بأنه أخيرا تمت الموافقة على عرض استحواذه على منصة تويتر للإعلام الاجتماعي مقابل 44 مليار دولار. وخلال تلك الفترة، قضى ماسك وقتا طويلا في نشر تغريداته حول رؤيته لتويتر الجديد تحت إدارته، وبعض المشكلات التي تُعانيها المنصة، وأيضا نيته بإعادتها إلى “ساحة لحرية التعبير”. (1)

 

ولكن، ومع ما يبدو عليه ماسك من الانتشاء الواضح في تغريداته ونبرة الانتصار التي تنبعث من كلماته، حدث ما لم يكن يتوقعه أحد، في أكثر التوقيتات حساسية بالنسبة له. عاد إيلون ماسك إلى واجهة الإعلام العالمي مرة أخرى، ولكن ليس بصورة الملياردير العبقري صائد الصفقات، ولكن بصورة المُتحرِّش الجنسي هذه المرة، فما القصة؟

 

 تحرش على متن الطائرة

Elon Musk attends SATELLITE 2020 conference- - WASHINGTON DC, USA - MARCH 9: Elon Musk, Founder and Chief Engineer of SpaceX, speaks during the Satellite 2020 Conference in Washington, DC, United States on March 9, 2020.
تقول التقارير إن شركة “سبيس إكس” المملوكة لماسك دفعت 250 ألف دولار تسوية للمضيفة الجوية، مقابل ألا تُفصح عن حالة التحرش التي قام بها ماسك عام 2016 – وسائل التواصل.

 

في 19 مايو/أيار، أطلقت منصة “بيزنس إنسايدر” الإعلامية، المتخصصة في صحافة المال والأعمال، أطلقت تقريرا مطوَّلا وحصريا كشفت فيه حادثة تحرش تعرضت لها إحدى مضيفات الطيران التي تعمل على طائرة إيلون ماسك الخاصة، أثناء رحلة جوية عام 2016 ما بين أميركا وبريطانيا، وأظهر التقرير أن ماسك حاول التحرش بها جنسيا أثناء ممارستها لعملها.

 

الحادثة التي نقلتها “بيزنس إنسايدر” عبر شهادة قانونية بواسطة صديقة هذه المضيفة، ذكرت أنه أثناء رحلة ماسك في طائرته الخاصة من نوع “غولف ستريم” المملوكة لشركة “غيت فلييت” -الشريك التجاري لشركة “سبيس إكس”- التي كانت متجهة إلى لندن، دخلت المضيفة الجوية إلى الكابين الخاص بماسك، وكان جالسا فيه شبه عارٍ، وطلب منها أن تقوم بعمل جلسة تدليك له. ذكرت الشهادة القانونية أن المضيفة لم تتجاوب، مما جعل ماسك يتمادى في مزاحه، قائلا -بحسب ما ورد في تقرير إنسايدر”- إنه سوف يشتري لها حصانا إذا قامت بما هو أكثر من جلسة تدليك.

 

تقول الرواية إن المضيفة عندما رفضت إغراءات ماسك، فوجئت بأن الشركة أصدرت قرارا بتخفيض ساعات خدمتها، مما أثَّر على أجرها. لاحقا، لجأت المضيفة الجوية إلى توكيل محامٍ في ولاية كاليفورنيا، الذي أرسل شكوى مفصَّلة بالواقعة إلى إدارة شركة “سبيس إكس”، مما جعل الشركة تتولى بنفسها “تسوية الأزمة” دون الحاجة إلى الذهاب إلى المحكمة.

 

وبحسب الشهادة، عُقِدت عدة جلسات للتسوية، حضر إحداها ماسك بنفسه، واتفق في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 على إعطاء المضيفة الجوية مبلغ قيمته 250 ألف دولار، في مقابل توقيع اتفاقية عدم إفصاح (NDA) مُلزمة، وألا تتقدَّم بطلب قانوني إلى القضاء بخصوص هذه الحادثة. لذلك تقول “بيزنس إنسايدر” إن جميع هذه المعلومات كانت من خلال صديقة هذه المضيفة الجوية في شهادتها القانونية، وليست المضيفة نفسها التي التزمت الصمت ولم يُذكر اسمها. (2)

 

توابع الأزمة

Rege-Jean Page looks at Elon Musk as they arrive at the In America: An Anthology of Fashion themed Met Gala at the Metropolitan Museum of Art in New York City, New York, U.S., May 2, 2022. REUTERS/Andrew Kelly

منذ الإعلان عن اتهامات التحرش الجنسي للملياردير الأميركي الأكثر إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، الذي يبلغ من العمر خمسين عاما، والأمور تتصاعد سريعا. فبعد أيام من انتشار الخبر في الإعلام العالمي، تراجعت أسهم شركة “تسلا” للسيارات الكهربائية بنسبة 7% تقريبا، بخسارة سهم الشركة نحو 50 دولارا من قيمته ليستقر عند متوسط 660 دولارا مقابل 710 دولار قبل الأزمة.

 

هذا التراجع الكبير في أسهم “تسلا” أثَّر مباشرة على ثروة ماسك الذي يُعَدُّ أغنى رجل في العالم، حيث انخفضت ثروته لأول مرة منذ عام تقريبا إلى أقل من 200 مليار دولار، مسجلة نحو 192 مليارا، وهو أدنى مستوى لثروة ماسك منذ أغسطس/آب 2021. ومع ذلك، يظل ماسك في مقدمة أغنى أغنياء العالم، بفارق كبير عن جيف بيزوس، مؤسس أمازون، الذي وصلت ثروته إلى 127 مليار دولار.

 

وبحسب “بلومبيرغ”، كانت ثروة ماسك مستقرة يوم الخميس 19 مايو/أيار عند 212 مليار دولار، وبعد نشر التقرير بيوم واحد خسر ماسك 10 مليارات دولار دفعة واحدة، ثم استمر في خسارة المزيد من ثروته ليفقد بعد أسبوع واحد نحو 20 مليار دولار. وعزت “فوربس” التراجع الكبير لأسهم “تسلا”، الذي يُعَدُّ الأكبر خلال العام الماضي، إلى ما سمَّته “سيرك تويتر” الذي أقامه ماسك خلال الأيام الماضية، سواء فيما يتعلق بصفقة استحواذه على منصة الإعلام الاجتماعي والمشكلات الطارئة عليها، أو تغريداته التي يدافع بها عن نفسه ضد حادثة التحرش، مما أدى إلى فقدان ثقة المستثمرين وقلقهم، الأمر الذي أدى إلى تراجع قيمة “تسلا”. (3، 4، 5)

 

رد فعل ماسك

منذ لحظة نشر التقرير الصحفي الذي يتهم إيلون ماسك بالتحرش بالمضيفة الجوية، لم يتوانَ ماسك في شنّ هجوم عنيف عبر إطلاق مجموعة من التصريحات، ينفي عن نفسه هذه التهمة، ويتوعَّد باتخاذ إجراءات قانونية تجاه هذه الاتهامات، واصفا إياها “بالهراء الذي لا يمت للحقيقة بأي صلة”.

 

وقال ماسك، الذي أطلق عددا كبيرا من التغريدات عبر منصته المفضلة تويتر، إنه إذا كان يميل للانخراط في نشاطات تحرش جنسي، فمن غير المعقول أن تكون هذه هي المرة الأولى في مسيرته المهنية التي امتدت إلى 30 عاما، متسائلا لماذا تظهر له قضية تحرش جنسي في هذا التوقيت بالتحديد؟

 

وفي تغريدة أخرى، شنَّ ماسك هجوما عنيفا على صديقة المُضيفة، التي بُني التقرير الصحفي على شهادتها القانونية، قائلا: “أتحدى تلك الكاذبة التي تقول إن صديقتها قد رأتني عاريا أن تصف شيئا واحدا في جسدي لا يعرفه عامة الناس، كالوشم أو علامة أو أي أثر لجرح. لن تستطيع أن تفعل ذلك، لأن الأمر كله لم يحدث بتاتا”.

 

وعلَّل ماسك أن هذه الحملة “القذرة” -كما يصفها- التي تُدار ضده سببها الأساسي هو محاولته المستمرة لشراء منصة تويتر، وعزمه على تحويل المنصة إلى ساحة لحرية التعبير، وأن هذه الحملة أيضا وراءها دوافع سياسية محضة بعد إعلانه التخلي عن تأييده للحزب الديمقراطي الأميركي، وقراره بالتصويت لصالح الحزب الجمهوري. (6، 7)

 

ستكون هناك دماء

 “أتطلَّع إلى حرب شوارع عنيفة، ليس مجرد محامين ذوي أحذية بيضاء مثل بيركنز أو كولي الذين يعيشون على الفساد. سيكون هناك دماء!”.

(إيلون ماسك بعد تقرير يتهمه بالتحرش الجنسي)

 

بعد يوم واحد من صدور تقرير “بيزنس إنسايدر” الذي يتهمه بالتحرش الجنسي بمضيفة طيران، أعلن ماسك أن شركته “تسلا” للسيارات الكهربائية أطلقت قسما للتقاضي بشروط صارمة للغاية، حيث ستبدأ الشركة برفع ومتابعة الدعاوى القضائية وتنفيذها مباشرة، دون الحاجة إلى الذهاب إلى أطراف قانونية خارجية، وأن الفريق سيرفع تقاريره إليه مباشرة، مضيفا أن الشركة تفتح أبوابها لمحامين بارعين للانضمام إليها، وطلب من متابعيه على تويتر أن يتقدموا للوظيفة.

 

اعتبر المراقبون أن تصريح ماسك هو تلويح لخوض معارك قضائية كبيرة ضد مَن يتهمونه بالتحرش، وبداية إجراءات موسَّعة لرفع قضايا تشهير تطول أفرادا ووسائل إعلام، مما جعل البعض يعتبر أنها ستُمثِّل أداة تخويف قد تمنع الكثير من وسائل الإعلام من نشر المزيد من الاتهامات ضد ماسك، خوفا من التعرُّض لمعارك قانونية مع أغنى رجل في العالم.

 

من ناحية أخرى، دافع نيكولاس كارلسون، مدير تحرير “بيزنس إنسايدر”، عن موقف المجلة وتقريرها الصحافي، قائلا إن “بيزنس إنسايدر” تدعم التقرير الذي نُشر عبرها، وإن لديها اطّلاعا على وثائق ومقابلات ومصادر موثوقة، مما يجعل التقرير متفقا تماما مع معايير العمل المهني. (6، 7)

 

قضية حقيقية أم ضربة سياسية؟

“الهجوم على شخصي يجب أن يُنظر إليه من منظور سياسي، هذه هي طريقتهم المعتادة الحقيرة، ولكن لا يوجد شيء سيمنعني من القتال من أجل مستقبل جيد والحق في حرية التعبير”.

(إيلون ماسك)

 

المُتابع لماسك خلال السنوات الماضية يعرف أنه في العادة لا يهتم كثيرا بالسياسة إلا من بعض التعليقات السريعة حول الأحداث المهمة، أما ما سوى ذلك فقد كان حضور ماسك دائما مُرتبطا بالتقنية والمال والمشاريع الطموحة التي يكشف عنها، وعادة ما تُثير ضجة إعلامية كبيرة. ولكن منذ أن بدأت صفقة الاستحواذ على تويتر في الظهور على السطح، زادت كثافة تغريدات ماسك السياسية زيادة ملحوظة.

 

كان أول تصريحاته المثيرة للجدل، ومع كونه معروفا بأنه مُعادٍ لليسار الأميركي، عندما صرَّح عبر تويتر أنه سيُعيد حساب الرئيس الأميركي السابق “دونالد ترمب” باعتبار أن تويتر ساحة لحرية التعبير للجميع، ومن حقّ ترمب أن يستعيد حسابه المُغلق قرابة العامين. أثار هذا التصريح حفيظة الكثيرين من المُعادين لترمب، الذي تعرَّض حسابه على تويتر إلى إغلاق دائم بعد نشاطه الطويل في إطلاق تصريحات مثيرة للجدل عبر المنصة، وُصِفت من خلال الكثيرين في أميركا وحول العالم بأنها عدائية وعنصرية.

 

لاحقا، وقبل يوم واحد من صدور التقرير الذي يُوجِّه له اتهامات بالتحرش الجنسي، صرَّح إيلون ماسك بوضوح في إحدى تغريداته أنه أصبح مُعاديا للديمقراطيين، وأنه سيتوقف عن دعمهم نهائيا وسيُصوِّت للحزب الجمهوري: “في الماضي كنت أصوِّت للديمقراطيين، لأنهم كانوا -غالبا- الحزب الطيب، لكنهم أصبحوا الآن حزب الانقسامات والكراهية، لذا لا أستطيع الاستمرار في التصويت لهم وسأصوِّت للجمهوريين. الآن، شاهدوا حملاتهم القذرة ضدي!”.

 

 

كما ذكر ماسك أن صديقة المُضيفة التي قام على شهادتها تقرير التحرش الجنسي ما هي إلا ناشطة يسارية متطرفة في لوس أنجلوس، وتحمل اتجاهات سياسية أصولية متشددة، وهو ما يجعل الأمر كله محاولة لممارسة الابتزاز ضده بعد اتخاذه لمواقف سياسية صريحة بمعاداة الديمقراطيين.

 

ولم يكتفِ ماسك بإظهار ميوله السياسية المؤيدة لليمين في أميركا فقط، فمؤخرا سافر إيلون ماسك إلى البرازيل وأجرى بحوثا مع الحكومة البرازيلية التي تُوصَف بأنها حكومة يمينية متطرفة مُمثَّلة في الرئيس اليميني جاير بولسونارو الذي يُشبِّهه البعض بدونالد ترمب البرازيل، واعتبر البعض هذه الزيارة من ماسك إلى البرازيل محاولة لكسر العزلة العالمية التي يعيشها رئيس البرازيل اليميني منذ خسارة ترمب الانتخابات الأميركية عام 2020. (8)

 

في النهاية، ورغم أن ماسك دائما ما كان شخصية مثيرة للجدل في عشرات المواقف والتصريحات، فمن الواضح أن “معركة تويتر” تحديدا ضاعفت من حِدَّة الهجوم عليه بكثافة أكبر من المعتاد، خصوصا مع تصريحاته المباشرة في عداء الديمقراطيين والانحياز للجمهوريين الفترة المقبلة، مما سيُمثِّل بالتأكيد انتصارا مهما للحزب الجمهوري الذي توارى عن الأنظار طوال العامين الماضيين بهزيمة ترمب.

 

يبقى السؤال الذي ستكشف عنه الأيام: هل تورَّط ماسك بالفعل في فضيحة تحرش جنسي عام 2016، أم أنها ضربة تحذير من خصومه السياسيين كي لا يتمادى كثيرا، خصوصا وهو على وشك امتلاك واحدة من أكبر منصات التعبير عن الرأي في العالم؟

———————————————————————

المصادر:

1 – في قبضة إيلون ماسك.. كيف استطاع مالك “تسلا” الاستحواذ على تويتر؟

2 – A SpaceX flight attendant said Elon Musk exposed himself and propositioned her for sex, documents show. The company paid $250,000 for her silence.

3 – Elon Musk lost $10 billion in net worth in a single day after sexual misconduct claims emerged

4 – Elon Musk’s Net Worth Drops Below $200 Billion Again as Tesla Stock Continues To Struggle 

5 -Tesla Stock Losses Top $575 Billion As ‘Investor Patience Wears Thin’ With Elon Musk’s Twitter ‘Circus Show’

6 – Elon Musk denies sexual misconduct allegations

7 – Elon Musk denies allegations he sexually harassed flight attendant in 2016

8 – Elon Musk says sexual harassment claims are from ‘far left activist/actress with political 

المصدر : الجزيرة

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.