حرية … سلام وعدالة

.

عقلية الانجاز افسدت الانقاذ


قبل ربع قرن استولي الاسلاميون السودانيون علي السلطة بالخرطوم تحت اسم ( الانقاذ) ، وسبق ذلك اليوم بعقود اعلان ولادة هذه المنظومة السياسية والتنظيمية بدعوي تحرير الحاضر من الماضي ، تحرير وليس قطيعة ، استلهام للتأريخ كارث حضاري وثقافي واعادة قراءته ومن ثم استحداث لغة وخطاب ومنظومة وافعال ، بالتوازي مع القطيعة مع كل ما هو موروث من اقوال وافعال ومنظومات بدون حضور حقيقي في الحاضر ، كانت هذه هي جوهر دعوة الاصلاحيين من لدن الافغاني مرورا بمحمد عبده وليس انتهاءا بالبنا ، وهي اليوم جوهر دعوة الكثيرين من خارج هذا التيار تماما .
ولقد مضي الاسلاميون السودانيون الشوط الي مداه الابعد تحررا حتي من ارتباطهم بارث حركة الاخوان المسلمين المصريين ، بابعد حتي من دعوة الاسلاميون التقدميون بتونس ، ومكن لهم هذا من تحقيق نجاح تجاوز رصفائهم في كامل المحيط الجغرافي .
لكن لما خان الاسلاميون عهدهم وفكرتهم ، وانقلبوا علي قيمهم حتي قبل ان ينقلبوا علي عهودهم مع مجتمعهم السوداني بانقلاب ١٩٨٩ ، لم يتوقف بهم القطار في محطة الخيانة المحدودة باجل تم تحديده سلفا كما تقول بعض الكتابات بسنوات ثلاث ، بل امتد بهم حبل الاستثناءات والضرورات الي ربع قرن من الزمان ، ويطمعون اليوم في مزيد ، وذلك بيساطة لان جوهر الفكرة والحركة والسياسة عندهم صار اليوم هو الاستثناء لا الاصول ، الضرورة الضيقة لا الاستطاعة الواعية للفعل للغد ، الماضي وليس الحاضر دعك عن الغد .
اذا تمعنتم في برنامج المؤتمر الوطني فستجدونه محصورا بالماضي وليس المستقبل ، وليس ماضي فكرة او حراك عظيم تجاه المجتمع وصناعته ، بل ماض بائس فقير يتعلق بطريق اسفلت وكبري ومحطة مياه ومستشفي ، جميعهم هلكوا او هم في طريقهم للهلاك ، بنيات تحتية هي في الاساس مؤشر لتنمية وانتاج يقوم عليها ، لكنها بسبب من الفشل عادت هي الانجاز ، ولا انتاج !
وعلي الضفة الاخري يعكف المعارضون علي رصد كل اخفاقات الجمل التي لا يراها بسبب عوج عنقه ، ويجعلونها مبررا للجماهير ان تثور ضد الانقاذ وتأتي بهم بديلا عنها..
لكن لا الانقاذ ولا معارضوها ينظرون للحاضر ، ولا هم يتحدثون عن مستقبل ، بل يعود كلاهما الي الماضي لتبرير دعوته للجماهير للاصطفاف خلفه ، وبس !
وهي بهذه المناسبة ذات المشكل الذي باسمه نهضت دعوات الاصلاح في تأريخ الانسانية ، دعوات رسالات السماء ، ودعوات الاصلاح الديني ، ودعوات التنوير ، ودعوات الثورة الصناعية ، ودعوات المناهج الجديدة للفكر والفلسفة …
دعوات اعادة الاعتبار للانسان وحاضره وغده للفعالية في صناعة الحياة ، دعوي وضع الامس في مكانه للاعتبار والدرس لا غير ..
وبدلا عن تسمية الماضي بالانجاز او الاخفاق ، فاننا نكتفي بتسميته مجالا للدراسة والاعتبار واخذ الدروس ، لكن كل حجج التنافس علي الحاضر وصناعة المستقبل تتم بلغة الحاضر والغد .
————-
عامر الحاج

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.