حرية … سلام وعدالة

.

عقارب تتجول بحرية تحت أقدام حافية: المزيد حول النشاط التجسسي


لم يستطع أحد أن يشكك في مصداقية المعلومات والبيانات التي أوردناها في مقال سابق عن ملامح النشاط التجسسي والاستخباري للنظام القميء على السودانيين في واحدة من أهم العواصم الشقيقة، على العكس تماما، قال معظم الذين أشادوا بالمقال أن هذا جزء من اللوحة وليس كلها، وملكونا حقائق ووقائع أخرى أشد دلالة وإثارة. فقط نبهني حادبون على أن الخوض في هذا الأمر بهذه الطريقة ربما يجر إلي وإلى آخرين مزيدا من المشاكل والمخاطر التي يظنون أننا في غنى عنها، وإنني إذ أشكر لهؤلاء الحادبين صدق اهتمامهم بأمن الناس وسلامتهم أصر على أن هذه الطمأنينة وهذه السلامة لن تتحقق بالسكوت عن العقارب التي تتجول بحرية تحت الأقدام الحافية، بل ربما كان هذا التحقق رهينا بمزيد من الإشارة نحو هذه العقارب بالضبط، وأضحك ممن علق على مقالي السابق بأنه تخويف، فلعمري هل يخوفك الذي ينبهك لوجود خنجرقريب من خاصرتك يوشك أن يقتلك (إن لم يكن قد شرع في ذلك فعلا وقطع فيه مراحل عديدة) أم من يحمل الخنجر؟
   وتصر أقدارنا أنه لا مناص ولا مهرب  من خروج هذا الكلام منا إلا بخروج المزيد منه وما التوفيق إلا من عند الذي أهاب بنا أن نناضل في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وأمرنا أن لا نركن للذين ظلموا فتمسنا النار، ونهانا أن نكون للخائنين خصيما، وفي هذه المرة دعونا نحكي عن تفاصيل نشاط تجسسي في عاصمة أخرى،  فقبل عامين من الآن تقريبا، تحدث مقربون من قيادة مجموعة معارضة في إحدى العواصم الشقيقة مع زوار دائمين لهذه القيادة، ونبهوهم  إلى أن زياراتهم مرحب بها على الدوام شريطة أن لا يصطحبوا معهم شخصا بعينه، وبرروا ذلك بأن لديهم عليه ملاحظات تدعوهم إلى عدم الترحيب به لدواع تتعلق بأمن هذه القيادة .
    ليس بالضرورة أن تكون ملاحظات هذه المجموعة على ذلك الشخص متطابقة مع الواقع، ولكن علامات الاستفهام لا شك ستزداد عندما يلاحظ الناس أنه يصر على البقاء في تلك العاصمة الشقيقة لأكثر من ثلاثة أعوام تقريبا دون أن يكون هناك تفسير معقول لهذا التواجد، فنشاط هذا الشخص المدني الظاهري المزعوم يفرض عليه منطقيا أن يكون موجودا في أماكن كثيرة داخل وخارج السودان سوى تلك العاصمة. كما أن مواقفه الحالية المعلنة والموثقة من النظام وسياساته لا تجعل ثمة ذرة من خوف عليه من التواجد داخل السودان.  
  ربما لا ترقى تلك الملاحظات، ولا علامات الاستفهام المتزايدة هذه حتى الآن لتوفير شك معقول حول نشاط أمني واستخباري لصالح نظام الإنقاذ في تلك العاصمة، ربما حتى إذا أضيف إليها مشاهدات موثقة لمحاولات مستمرة بشكل منهجي من قبل نفس الشخص لإبراز وتضخيم واختلاق أوجه نقص وعيب في مجموعات معارضة عديدة مثل حركة قرفنا بزعم متكرر بمناسبة أو بدونها أنها تفتئت على مجهودات ونضالات شباب مناطق بعينها في جهات السودان المختلفة (علما بأن نشاطات قرفنا أثبتت عمليا أنه يقودها شباب من كل مناطق السودان) أو على الحركات الدارفورية بزعم أنها تمارس انتهاكات واسعة وكبيرة، لا سيما إذا كان نفس الشخص يغض الطرف بشكل لافت ومريب في مناسبات وقعدات وجلسات أخرى عن الانتهاكات الأوسع جدا، والأكبر "خالص" لانتهاكات النظام الذي لم تبرز هذه الحركات أصلا إلا لمقاومته، هذا إذا سلمنا جدلا أن هذه التجاوزات بهذا الحجم وذلك الكيف الذي يدعيه ، والأدهى أنه يسوق لخطاب النظام صاحب السجل الأخزى في التجاوزات والانتهاكات والمجازر، وأجندته، على استحياء حينا وجهرة ووقاحة حينا آخر. 
   بل بلغ به الخزي أنه ساهم مع آخرين في فضيحة كبرى بإرسال حقوقي ينتمي للمؤتمر الوطني انتماء صارخا لواحدة من الفعاليات العالمية، تلك الحادثة التي أربكت الرأي العام الانساني الكوكبي حول حقيقة نظام الإنقاذ وتمت الكتابة عن هذه السابقة المخزية في وقتها وحينها. 
   بيد أن معقولية هذا الشك لا (شك) ستنبت فجأة فاغرة فاهها عندما نتتبع مثلا عداء مستمرا وخاسئا يتصيد كل ما يمكن تصيده وما لا يمكن تصيده ضد واحد من أبرز شهداء العمل الانساني والحقوقي المناصر للضحايا الملايين لنظام الإنقاذ، ذلك الشهيد الذي توفي أخيرا من جراء تداعيات الآثار البدنية والنفسية للتعذيب المنهجي الذي مارسه نظام الإنقاذ ضده بدون جريرة لديه عنده سوى إصراره المستميت على أن يلقى مرتكبو الفظاعات والإبادات الجماعية ضد أهلنا في دارفور وسائر مناطق الهامش جزاءا قضائيا عادلا عبر محكمة الجنايات الدولية. 
    صحيح أن العمل العام بطبيعته قد يشهد خلافات ونزاعات حول أمر بعينه، ولكن المختلفون والمنازعون الموضوعيون الخالون من الغرض والمرض لا يتتبعون مخالفيهم فيما يصح ولا يصح من الملاحظات والانتقادات، ولكن التكرار المنهجي لحملات التشويه ضد أكثر الفاعلين تأثيرا ضد النظام مثل قرفنا وعثمان حميدة والحركات المسلحة كلهم مجتمعين بتضخيم السلبيات حينا وباختلاقها في أحيان كثيرة لا يمكن أن يكون موضوعيا ولا بريئا ولا نزيها مطلقا.  
    إذا أضفنا إلى ذلك كله أن اتهامات جدية ومن مصادر عليمة من حقوقيين وطنيين ومناضلين لا ترقى إلى وثوقيتهم ومعلوميتهم أية شكوك، وهم من نفس تلك الجهة التي ينتمي إليها ذلك الشخص قد تم تداولها عن اختراق أمني كبير للمنظومة الحقوقية التي يدعي أنه يمثلها ويتحدث ويتحرك باسمها في تلك العاصمة الشقيقة، لأدركنا أننا أمام واحدة من تجليات الاختراق المضحكة التي لم تنطل على كثيرين ولكنها للأسف مرت على بعض الأبرياء والصادقين، بيد أنه، مثلما قال تشرشل : بوسعك أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبوسعك أن تخدع بعض الناس كل الوقت لكن من الاستحالة بمكان أن تخدع كل الناس كل الوقت، والله من وراء القصد وهو الهادي سواء السبيل
————-
فتحي البحيري

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.