حرية … سلام وعدالة

.

حين يكون الميلاد في الماضي شاهد علي الموت في الحاضر


ذكري مولدي هذه تثير في الاحزان وتهيج علي الشجن ، فقد كان اول هواء تنسمته الي رئتي مشبعا برائحة الدعاش ومياه خور كجا هناك باقصي الغرب السوداني ، بدار مساليت ، ارض المانجو والاغنام ، بالجنينة وما ادراك بالجنينة ، في ذات الدار التي شهدت مولد امي وبعض من اخوتي ، والجنينة التي لطالما تنقلت بينها والخرطوم علي القطار واللواري والطائرة احيانا في طفولتي غدت اليوم ابعد عن الخرطوم من مدن لا يدخل اليها داخل الا بجواز سفر وتأشيرة ! ان جرح دارفور النازف طوال عقد من الزمان ويزيد وانا عنه غافل لهو امر مما يعكر علي حياتي . 
وانكي من هذا وامر جرح ارض الباباي ، اذكر اني كنت اتشوق الي زيارة ملكال بكل شغف الطفولة وخيالاتها ، وما ادراك ما خيالات الطفولة ؟ ، لقد صحب ابي امي عروسين الي ملكال ثم الي بور ثم الي ما وراء الغابة في قطية كانت هي الفندق الذي قضيا فيه شهر العمر الاول وشهورا عددا من بعده ، وتحكي لي امي – تولاها الله بلطيف احسانه – من قصص ايامها تلك ما يجعل احب الاغاني الي نفسي لما وعيت الي الغناء ما يشتاق الي ( جنوبية) ويعلن ( جوبا) رمزا للجنوب . وما ازال اذكر اني كنت ارجف بلهفة وشوق لم يتكررا في حياتي ابدا من قبل ولا بعد والجرارات النهرية تصل بي علي التوالي الي ملكال ثم بور ، وقدماي تعانقان تلك الارض ، اكاد اذكر يقيني حينها ان لو اطلع قائد القوة العسكرية التي كنت احد افرادها علي مشاعري لحكم علي بالاعدام رميا بالرصاص ، فقد كنت مولها وعاشقا ، وزادني لقاء من تذكر ابي وحكي لي عنه ببور ثقة في ان الحرب التي كنت يومها احد عيدان احتراقها لا تشبه مشاعري تجاه الارض واهلها ، لقد زيارة مزلزلة لكياني ولافكاري عن كل ما تعلمته عن الحياة قبلها . واني لي اليوم ان ازور ملكال او بور الا بجواز سفر وتأشيرة وعبء اثقال الحرب والقطيعة والكراهية التي يمثل جواز سفري حينها رمزها الاكبر ؟؟ 
ثم ان الارض الثالثة التي يهيج ذكري مولدي قلبي تجاهها وحزني هي ارض بقلب الخرطوم ! ، الا اني اليوم كلما زرتها اكاد لا اعرفها ولا اعرف الخرطوم ، انها الديوم الشرقية حيث منزل جدي لابي ، وحيث مراتع الطفولة وغرفة جدتي لابي التي كانت حارسي وملهمي وسكني وفكرتي رحمها الله . 
الديوم الشرقية التي كانت عالما لا يشبه السودان اليوم ابدا ، كانت من المستقبل الذي احلم به اليوم ، كيف بالله صار الماضي مستقبلا يكاد يكون رجاء تحققه عسيرا ؟في الديوم الشرقية كان الناس ناسا فقط ، وكانوا اهلا وعشيرة لا صلة لهم بعشائر اليوم ابدا ، وكانوا لحمة واحدة وبيت واحدا متعدد الابواب لا غير ، وكانوا يجمعون كل اختلافات الدنيا في وحدة مدهشة مبهرة ، حتي انه لم تكن هناك ابدا اختلافات ، فقط عندما عشت عمري الي هذا اليوم تعلمت باقسي انواع التعلم ان هناك اختلافات ! 
هل من سبيل بعد هذا الي رجل مثلي ان يحتفي بعيد ميلاده ؟ 
والارض الرابعة .. ارض الانتماء الاثني التي ولد ابي بعيدا عنها بالابيض ، وولدت امي بعيدا عنها بالجنينة ، ولم ارها انا قط طوال عقود ولا ذكريات لي بها ، رغم انها كانت تشغل حيزا من اشواق الطفولة وقصص جدتي لابي ان ازورها وان اتنسم عبق الحياة بها وربما لا اخرج منها الا برفيقة عمر ، ارض نهر النيل وحجر العسل ، كيف لي اليوم ان اتدبر تلكم الاراضي المختلفة التي شكلت حياتي ، وتكاد حجر العسل ان تكون رمزا للعداء تجاهها ؟؟ 
كيف لي ان احيا ممزقا الي هذه الدرجة ؟؟ 
ان يدي ترتجف الي الحد يعيق امر الكتابة جدا في هذه اللحظة ، وضربات قلبي تدق بعنف ، وخيالي وعقلي يضطربان ، من انا اليوم ؟ 
ولماذا ؟ 
وكيف ؟ 
يبدو لي اني بحاجة ماسة الي الثورة والانفجار ، احتاج ثورة عاجلة قبل ان يتسبب كل هذا السرد في قتلي علي هذه الارض الغريبة عني .

———————-

عامر الحاج

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.