حرية … سلام وعدالة

.

حصان طروادة.. القصة الكاملة لمحاولة إيلون ماسك الاستيلاء على تويتر


مع امتلاكه ما يزيد على 80 مليون متابع على حسابه الشخصي، وعددا كبيرا من التغريدات والتفاعل اليومي، لطالما وُصِف رائد الأعمال الأميركي إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم حتى لحظة كتابة هذه السطور بثروة تزيد على 260 مليار دولار، بأنه “مشاغب تويتر” الأول، وربما لم ينازعه في هذا اللقب سوى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي لم يكن أقل مشاغبة منه طوال مدة فترته الرئاسية.

لذلك، لم يكن من المُستغرَب ظهور تغريدات لماسك في نهاية مارس/آذار 2022 يشنّ فيها هجوما عنيفا على المنصة التي تعُج بضجيج تغريداته طوال الوقت، قائلا إنه يفكر “بجدية” في إنشاء منصة تواصل اجتماعي جديدة مفتوحة المصدر، تُتيح حريات أكبر للتعبير، وتُقدِّم قدرا أقل من الدعاية والإعلانات. هذا التصريح أطلقه ماسك بعد يوم واحد من استطلاع للرأي نشره على المنصة نفسها، سأل فيه متابعيه عما إذا كانوا يعتقدون أن منصة تويتر تلتزم بحرية التعبير، وكانت إجابة 70% من المشاركين هي “لا”.

 

 

اعتبر الكثيرون أن هذه التصريحات بداية موجة عداء كبيرة بين ماسك وتويتر، وتلويح بقرب تأسيس شبكة اجتماعية جديدة تُضاف إلى مجموعة الشركات العملاقة التي أسَّسها ويديرها الملياردير المثير للجدل، لكن الأيام التالية حملت قدرا من المفاجآت غير المتوقَّعة، وسلسلة من الأحداث تُعَدُّ تمهيدا لواحدة من أكبر المغامرات التي شهدها العالم التقني في السنوات الأخيرة. (1)

 

أسبوع ملتهب

في بداية إبريل/نيسان، فوجئ الجميع بإعلان إيلون ماسك شراءه حصة 9.2% من أسهم تويتر، بقيمة إجمالية تُقدَّر بنحو 2.89 مليار دولار، ما جعله أكبر مساهم خارجي في أسهم الشركة، لتتجاوز نسبة ملكيته في المنصة 4 أضعاف حصة جاك دورسي “مؤسس تويتر” التي تبلغ 2.25%. (2)

 

عملية الشراء التي قام بها ماسك لأسهم تويتر بدأت تدريجيا ودون إعلان منذ نهاية يناير/كانون الثاني 2022 وحتى بداية إبريل/نيسان، حيث كان يشتري يوميا ما بين 370 ألف إلى 4.8 ملايين سهم، بمتوسط سعر 36 دولارا للسهم الواحد، حتى وصلت قيمة الأسهم التي يمتلكها إلى 73.5 مليون سهم (9.2% من قيمة الشركة)، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من هجوم ماسك على المنصة وتلميحه بأنه سيعمل على تأسيس بديل لها.

A screen displays the trading information for Twitter on the floor of the New York Stock Exchange (NYSE) in New York City, U.S., April 14, 2022. REUTERS/Brendan McDermid

بعد الإعلان عن حصة ماسك في تويتر، ارتفع سعر السهم بنسبة 27%، صعودا من 39 دولارا في مطلع إبريل/نيسان إلى 50 دولارا للسهم في الرابع من الشهر نفسه. هذا الصعود جعل عددا من المستثمرين في تويتر يرفعون دعوى قضائية ضد ماسك، اتهموه فيها بتعمُّد تأخير الإعلان عن ملكيته لأسهم الشركة -في مخالفة للقانون الذي يُحتِّم ضرورة الإعلان عن ملكية أي شخص أو جهة لأسهم في شركة ما في البورصة عند بلوغ حصته أكثر من 5% من أسهمها- وذلك من أجل مواصلة شراء الأسهم بسعر منخفض، وتجنُّب ارتفاع سعر السهم، ما سبَّب ضررا للمستثمرين الذين باعوا أسهمهم خلال الأسابيع الأخيرة بسعر مُنخفض.

 

ومع ذلك، لم يَبدُ ماسك مهتما بهذه الدعوى القضائية، لأنه حتى إذا قرَّر القضاء حدوث انتهاك وتلاعب من طرفه، فإن كل ما سيناله من هذه الدعوى هي قرصة أذن صغيرة بغرامة لا تزيد على مليون دولار، وهو مبلغ أقل بكثير مما ربحه بشراء أسهم تويتر بسعر منخفض، ثم ارتفاعها ارتفاعا كبيرا بعد إعلانه عن ملكيّته فيها، الأمر الذي جعله يحصد -اسميا على الورق- نحو 156 مليون دولار من الأرباح خلال 10 أيام فقط. (3) (4)

 

التلويح بالتغيير

بعد إعلان ماسك عن حصته الكبيرة في تويتر، بدأ بشكل مُكثَّف في نشر تغريدات مثيرة للجدل تحمل مجموعة من التعديلات التي يتصوَّر إجراءها على المنصة. شملت تصوُّراته تغييرات جذرية في نماذج الاشتراك والإعلانات، بل وحتى في الخصائص التقنية لتحسين تجربة المستخدم. لمَّح ماسك إلى إمكانية تفعيل خاصية “تعديل” التغريدات بعد نشرها، وهو ما لاقى تفاعلا كبيرا بين رواد المنصة الذين طالما طالبوا بوجود هذه الخاصية.

 

اقترح ماسك أيضا تخفيض قيمة الاشتراك الشهري لخدمة “تويتر بلو”، وهي خدمة مدفوعة أطلقتها شركة تويتر في صيف عام 2021 تشمل عددا من المزايا الحصرية للمستخدمين مقابل 3 دولارات شهريا (اقترح ماسك تخفيض السعر إلى دولارين مقابل أن يكون الدفع لمدة 12 شهرا مُقدَّما). في غضون ذلك، قدَّم رجل الأعمال المثير للجدل اقتراحا أثار دهشة الكثير من المستخدمين بتقليل تداول الإعلانات على المنصة.

 

كما طرح ماسك استطلاع رأي مثيرا للجدل، سأل فيه متابعيه إذا ما كان ينبغي أن يُحوَّل مقر شركة تويتر في سان فرانسيسكو إلى ملجأ للمشردين واللاجئين، باعتبار أنه لا يوجد هناك إلا عدد قليل من الموظفين، ليحصُل على موافقة 90% من المشاركين. أما المفاجأة الحقيقة فكانت عندما نشر المدير التنفيذي الحالي لمنصة تويتر باراج أغراوال تغريدة في 11 إبريل/نيسان قال فيها إنه بموجب لوائح المنصة، فإن استحواذ إيلون ماسك على هذه الحصة الضخمة من أسهم الشركة يُتيح له الانضمام إلى مجلس إدارتها، لكن إيلون ماسك اعتذر عن قبول المنصب دون إبداء أسباب.

 

هذه الخطوة جعلت معظم المراقبين يتكهَّنون بأن ماسك لن يكتفي بمجرد امتلاك “حصة” في تويتر، وأن نِيَّاته الحقيقية تتجاوز ذلك بكثير. (5)

 

حصان طروادة

لم يكن رفض إيلون ماسك الانضمام إلى مجلس إدارة تويتر اعتباطيا، فاللوائح تقول إن انضمام شخص ما إلى مجلس إدارة الشركة سيمنعه تلقائيا من امتلاك أكثر من 14.9% من قيمتها، بما في ذلك الأوراق المالية أو المقايضات وغيرها من العمليات. بمعنى أكثر وضوحا، انضمام ماسك إلى مجلس إدارة الشركة كان يعني تلقائيا حرمانه من امتلاك حصص أكبر فيها.

 

لم يتأخر رجل الأعمال كثيرا قبل الإفصاح عن نِيَّاته، مُعلنا في تغريدة مقتضبة نُشرت في الرابع عشر من إبريل/نيسان تقدُّمه بعرض لشراء منصة تويتر بالكامل مقابل مبلغ 43.5 مليار دولار، أي بقيمة 54.2 دولارا للسهم الواحد، وبزيادة قدرها نحو 15 دولارا للسهم مقارنة بسعر الإغلاق مطلع الشهر. وقال ماسك أثناء تقديمه لعرض الشراء إن المنصة تملك “إمكانيات غير عادية” سوف يستطيع هو إدارتها بأفضل شكل ممكن.

هذا العرض في حد ذاته ليس مُلزما من حيث المبدأ، ولكن ماسك وضع في نهايته تحذيرا مباشرا، قائلا إنه إذا لم يُقبَل العرض الذي قدَّمه فسوف يُعيد النظر في الحصة التي اشتراها من الشركة وسيتعامل معها باعتبارها استثمارا سيئا، ما يعني أنه سوف يبيع حصته بالكامل، مُحدِثا انخفاضا كبيرا في قيمة السهم يمكن أن يتسبَّب في انهيار القيمة السوقية للشركة بشكل كبير. (6)

 

حينئذ فقط، أدرك الجميع أن إيلون ماسك كان يلعب طوال الأشهر الماضية دور حصان طروادة، ساعيا لامتلاك حصة حاكمة في تويتر، تجعله قادرا على ممارسة “استحواذ عدائي” (Hostile Takeover)، الذي يُعَدُّ إحدى أخطر الممارسات في عالم الاستثمار في الشركات.

 

استحواذ عدواني

عملية الاستحواذ العدائي (Hostile Takeover) التي ينتهجها ماسك ليست جديدة في عالم الأعمال، وهي تعني ببساطة الاستحواذ على شركة ما بطريقة غير ودّية، أي بدون توافق مع مجلس إدارتها، وذلك بعد تملُّك نسبة حاكمة فيها، ومحاولة إغراء المساهمين أو إجبارهم للقبول بعملية الاستحواذ وتغيير الإدارة، أو التهديد بالانسحاب الكامل من الشركة، ما يؤدي إلى انهيار قيمتها السوقية.

 

بمجرد الإعلان عن عرضه الاستحواذي المُغلَّف بالتهديد، أصدرت تويتر بيانا رسميا هادئا قالت فيه إنها تدرس عرض ماسك غير المُلزم بما يتناسب مع مصلحة مجلس إدارتها ومساهميها، في الوقت الذي تعالت فيه احتجاجات بعض المساهمين الكبار، كان أبرزهم الأمير السعودي الوليد بن طلال، الذي أعلن رفض عرض ماسك باعتباره وشركة “المملكة القابضة” من أقدم وأكبر المستثمرين في المنصة بحصة 5.2%، قائلا إنه لا يعتقد أن العرض الذي قدَّمه ماسك يقترب من القيمة الحقيقية للمنصة في ضوء النمو الهائل الذي حققته.

 

 

هذا الاحتجاج أثار حفيظة ماسك، وأدخله في سجال مع الأمير السعودي، مُلمِّحا أن النسبة التي تملكها “المملكة القابضة” في تويتر لا تسمح له بأن يتصدَّر الحديث أو يُقرِّر بمفرده الموافقة أو الرفض، ثم وجَّه له تساؤلا بلمحة ساخرة حول رأيه ورأي شركته في حرية التعبير والصحافة، وهو المبدأ الذي يدافع عنه ماسك طوال الوقت ويتعهَّد بتطبيقه في حال الاستحواذ على تويتر. (7)

 

تكتيك الحبّة السامة

بعد يوم واحد من هذه السجال، أعلنت منصة تويتر أنها ستُطبِّق “تكتيك الحبّة السامة” (Poison Pill Tactic) لمواجهة خطة إيلون ماسك للاستحواذ الكامل على الشركة، ما يعني رفض مجلس إدارتها لعرض الاستحواذ. وقالت المنصة إنها ستُطبِّق هذه الخطة في حال تخطَّت ملكية إيلون ماسك في تويتر حاجز 15% بدون الحصول على موافقة مجلس الإدارة. (8)

 

ظهر مُصطلح “الحبة السامة” للمرة الأولى في عالم الأعمال في مطلع الثمانينيات، ويقصد به تكتيك دفاعي تقوم به مجالس إدارات الشركات للتصدي لمحاولات الاستحواذ العدائية التي تتعرَّض لها من طرف جهات أخرى، وسُمي بهذا الاسم تيمُّنًا بالجواسيس الذين يحملون معهم حبة سامة قاتلة يستخدمونها لإنهاء حياتهم قبل أن يقعوا في الأسر.

 

تعني خطة “حبة السم” ببساطة جعل عملية الاستحواذ على الشركة أكثر صعوبة وأقل جاذبية بالنسبة للجهة التي تسعى للاستحواذ عليها، وذلك بعدة طرق، منها رفع قيمة السهم بشكل كبير، أو -وهذا الأشهر- إصدار الشركة لعدد كبير جدا من الأسهم الجديدة الإضافية وطرحها للشراء بأسعار منخفضة.

Elon Musk attends the opening ceremony of the new Tesla Gigafactory for electric cars in Gruenheide, Germany, March 22, 2022. Patrick Pleul/Pool via REUTERS

بهذه الطريقة يصبح من الصعب على الجهة المستحوذة أن تشتري الأسهم الجديدة كافة للوصول إلى الاستحواذ الكامل، لأنها ستضطر إلى دفع المزيد من المال للاستحواذ على حصص أكبر باستمرار. هذا التكتيك إما أن يؤدي إلى رفع القيمة الكلية لصفقة الاستحواذ، وإما إجبار الشركة التي تريد الاستحواذ على الجلوس على مائدة المفاوضات وتجنُّب الاستحواذ الكلّي.

 

هذا الأسلوب لجأت إليه العديد من الشركات لحماية نفسها من التلاعب والاستحواذ الكامل عليها، أبرزها كانت شركة “نتفليكس” التي لجأت إلى “حبة السم” عام 2012 لمواجهة خطط رجل الأعمال كارل إيكان المالك لحصة قدرها 10% من أسهمها، الذي كان يحاول زيادة حصته عبر شراء المزيد من أسهم الشركة، فما كان من “نتفليكس” إلا أن أعلنت أن أي محاولة لشراء المزيد من الأسهم فوق حصّة معينة سيجعلها تغرق السوق بأسهم جديدة، ما يجعل محاولة الاستحواذ عليها باهظة الثمن.

 

الأمر نفسه حدث لشركة “بابا جونز” (Papa John’s) المتخصصة في إدارة مطاعم البيتزا، عندما استخدمت تكتيك الحبة السامة لمواجهة مساعي مؤسسها ورئيسها الأسبق جون شناتر للاستحواذ على حصة أكبر من حصته التي قُدِّرت بـ31%، فأعلنت أنه إذا زادت ملكية أحد المُلاك دون موافقة مجلس الإدارة، فإنها ستضاعف سعر السهم. (9)

 

الخطة البديلة

في حوار مطوَّل أجراه إيلون ماسك مع منصّة “تيد” (Ted) العالمية نُشر في 15 إبريل/نيسان، ناقش رجل الأعمال المرموق عددا من مشروعاته التقنية. وحين سأله المحاور عن موقفه إذا لم يوافق مجلس إدارة تويتر على عرضه للاستحواذ على الشركة، وهل لديه خطة بديلة أم أنه سيتوقف عن إتمام الصفقة، أجاب بعد فترة من السكوت مؤكدا امتلاكه خطة بديلة بالفعل، ولكنه رفض الإفصاح عنها وسط ضحكات الجمهور.

 

حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا أحد يستطيع أن يتكهَّن ما الذي تحمله الأيام المقبلة في الأزمة القائمة بين إيلون ماسك وتويتر، وما الذي يعنيه ماسك بالضبط بخصوص “الخطة البديلة” لكن ماسك يستمر في الضغط الجماهيري عبر حسابه النشط على تويتر، حيث أجرى استطلاعا للرأي حول ما إذا كان البت في عرضه الاستحواذي يجب أن يكون من شأن المساهمين لا لمجلس الإدارة، ليحصل على موافقة 83%. كما شارك استطلاعا للرأي حول إذا ما كان المستخدمون يؤيدون شراءه لتويتر، وكانت الأغلبية مؤيدة له.

 

ولكن من المؤكد أن أحد سيناريوهات الخطة البديلة التي تحدَّث عنها ماسك هو العودة مرة أخرى لتهديداته الأولى بإمكانية تأسيس منصة تواصل اجتماعي جديدة ينافس بها المنصات الحالية، أو دعم منصات جديدة منافسة لتويتر مثل منصة “تروث سوشيال” (Truth Social) التي أسَّسها دونالد ترامب، والاستفادة من جماهيريته الضخمة في جذب ملايين المستخدمين إليها بسرعة. (10)

 

ويبقى السؤال قائما حتى هذه اللحظة: هل ستنضم منصة تويتر إلى إمبراطورية إيلون ماسك طوعا أم كرها؟ أم أن العصفور الأزرق لن يسمح لنفسه أن يكون لقمة سائغة للملياردير الطموح؟ هذا ما ستكشف عنه تطورات الأسابيع المُقبلة.

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.