حرية … سلام وعدالة

.

تحولات الجنجويد


 لم يظهر الجنجويد على سطح الحدث السياسي السوداني هذا الشهر، لقد ظلوا يفعلون فعلهم المقيت في المواطن السوداني البسيط طيلة إحدى عشرة سنة مضت. أي تهويل زائد لكارثتهم بعد إحاطتهم عاصمة البلاد إحاطة السوار بالمعصم، هو بمثابة تكريس لفكرة سالبة أرهقت البلاد كثيرا جدا، مفادها أن الموجودين بالخرطوم أكثر قيمة انسانية من الموجودين بالأقاليم.
الجنجويد مجموعات متفلتة – لا تنتمي لعرقية واحدة بالمناسبة على الرغم من استهدافها الممنهج لعرقيات بعينها؛ ومعظمهم غير سودانيين تم استجلابهم للبلاد لأغراض تخص الجهات المتنفذة المتعاقبة – وهي مجموعات خارجة على القانون والدستور، ولكنها – للمفارقة المضحكة المبكية – ليست خارجة على سلطة الدولة والنظام والحكومة التي يفترض فيها أنها حامية للقانون والدستور. 
   لقد ظل الذين يحاولون إنقاذ سمعتهم السياسية والوطنية الآن بالحديث المتأخر – تأخرا قبيح المظهر والجوهر- عن لادستورية مليشيات الجنجويد "صامتين صمت القبور" عن مسئولية النظام الذي أوجد الجنجويد وتحالف معهم ويتعاملون ويأكلون ويشربون ويتجشأون معه وكأنه لم يفعل. طيلة 11 سنة.  مستفيدين فيها من مخرجات فساد ونهب وقتل الجنجويد،  ومن هذا الصمت القبوري عنهم، ومستثمرين  "مخرجاته " في إدارة شئونهم الأسرية، التي تأتي في أولوية اهتماماتهم على الدوام، والحزبية والسياسية. فما الذي جد وجعلهم يكتشفون الآن بغتة أن هناك مليشيات لا دستورية اسمها الجنجويد؟ هل – يا ترى – لأنها المليشيات الباغية الوحيدة التي لم تستوعب بعد "مندوبا" عن الأسرة  الكاهنة المقدسة؟ لقد ظلوا – ولا يزالون – يقدمون فروض الولاء والطاعة لكبير الجنجويد عمر البشير ويسحقون المنادين بإسقاطه داخل حزبهم الأسري العتيق. ولا زال مندوبو الأسرة يقدمون خدمات يأكلون ثمارها هنيئة مريئة  في المليشيات "شبه" الجنجويدية الأخرى!! 
   وإذا تم تجريد المسألة بعيدا عن الشخوص والأجسام والتمثلات، فإننا نجد أن التعريف الوظيفي للجنجويد يتلخص في "مجموعات تتخصص في نهب وسلب أموال ومقدرات وموارد وأرواح عامة الناس " وأن هذا التخصص ظل "يعمل" في بلادنا منذ أمد بعيد على درجات متفاوتة. فقبل ظهوره بشكله الأقبح الأشنع هذا في العقد الأخير، كان يعمل منذ فجر التسعينات عبر سياسات الجباية الغليظة والفصل التعسفي ومحاربة المزارعين والتجار الوطنيين والمهنيين وعامة المواطنين في أرزاقهم النبيلة الشريفة بشتى السبل. على أن ذات التخصص ظل يعمل بشكل أكثر نعومة منذ عقود طويلة عبر مؤسسات  "يكب" في جوفها – ويمسك قرونها –  كل أهل السودان تقريبا ولا يتمكن من "الحلب" من ألبانها وأعسالها سوى بضعة أسر على أكثر تقدير.
  غني عن التذكير هنا أن فترة الديمقراطية الثالثة، على ما كان فيها من خير وحرية وعدالة نسبية نفتقدها الآن جدا، شابتها الكثير من الشوائب. ومن ذلك ما يرويه ثقاة عدول لدينا، أن مسئولا كبيرا جدا آنذاك قد ساوم بعض من لديهم  بينات عن تداوله لمبالغ دولارية ضخمة في مهمة حصرية متمثلة في سن سنة قوات الجنجويد غير الدستورية هذه وأن أزمة سياسية كانت قد أخذت في التفجر حينها، و "إن الله سهل " سنشرع في التذكير بالتفاصيل والأرقام والملابسات في مقبلات الأيام. والغاية الحصرية من هذه الإبانة هو تنقية الصف الوطني المضاد للظاهرية الجنجويدية بكل تمظهراتها الناعمة القديمة والخشنة الجديدة من كل محاولات الإرباك الممنهج المريض التي يتعرض لها الآن
حتى ذلك الحين، نتمنى من كل من يخوض في هذا الشأن بعلم أو بنصفه أو بدونه، بعقل أو بنصفه أو بدونه، بضمير متجرد (أو بغرض أو بمرض)   أو بنصفه أو بدونه أن يصمد  أمام محض الحقائق وأن يتوقف عن الارتباك المستدام والإرباك المتعمد الممنهج للخواص والعوام . ألا هل بلغت؟
————–
فتحي البحيري

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.