حرية … سلام وعدالة

.

تحليل : الثورة الشعبية والدين والفلسفة


لماذا تتعثر الثورة الشعبية بالسودان ؟ هل يتجني البعض علي الحكومة بالزعم باتساع رقعة الرفض الشعبي لها ؟ هل تقدم الحكومة اداءا مرضيا لشعبها من اول وهلة وفقا للمعايير التي يطلبها هو ؟ هل يرفض الشعب الاداء الحكومي البائس لكنه يرفض البديل عنها ؟ وهل يرفض الشعب هذا البديل كونه اشخاصا أم مناهج ؟ هل نعترف ان حملة الحكومة نحو تزوير وتزييف المعاني نجحت في حشرنا في هذا المكان الفريد ( الجميع بمن فيهم الحكومة يعترفون ان الوضع سيئ جدا ، والجميع لا يعرف بديلا الا وهو اكثر سوءا ) ؟ وبالنسبة للمعايير ، هل فعلا نعجز عن ايجاد جهة لها قبول شعبي ، أم نعجز عن انتاج حل مبدع يخاطب المشكلة ، أم نعجز في بيان الاستعداد والقدرة علي الفعل ؟ 



البدء بالثاني هو الاولي بالنظر عندي ، تعريف المشكلة وايجاد حل لها والقدرة علي تسويق هذا الحل بلغة مفهومة للشعب ، واظننا في هذه اللحظة نبدع فعلا في تحويل وصف المشكلة الي مشكلة تهون دونها كل مشكلة ، فنحن ننتقد الاداء الاقتصادي والعسكري والتعليمي والصحي والاعلامي والدبلوماسي ، ثم ننتقد الوضع الاجتماعي كناتج عرضي للاوضاع الاقتصادية ولخلل توزيع السلطة وللعجز في الخدمات ، وكل هذه المشاكل قابلة لاثارة جدل كثيف حولها في صراع اعلامي غير متكافئ تنجح من خلاله الحكومة في توجيه انظار الشعب بعيدا عن المشكلة الي الماضي ( وفقا لروايتها) او الي المستقبل( وفقا لما يشاهده الشعب من اختياراتها بسوريا او الصومال ، او خيالاته الابعد من كل ذلك ) ، والخوف طاقة تتفوق عادة علي العقل الا في حالات استثنائية تتطلب جهدا كبيرا لم نجتهد له . 



لا تكمن مشكلة توصيفنا للمشكلة هنا ، بل في نسبتها – عن حق- الي الاسباب المنتجة لها ، الي علتي الفساد والاستبداد ، ولاننا نعلم جيدا قدرة الحكومة علي تزييف اللغة فإننا نصوب الي الجوهر الذي تعجز الحكومة عن الدفاع عنه ، الي فساد الفكر المستبد الموجه للحكومة لا الي مجرد لعبة الارقام والصور والاتهامات لافراد ، لكن توصيفنا لهذه المشكلة تحديدا يوقعنا مباشرة في مشاكل اكبر من قدرتنا علي احتوائها دعك عن بسطها بين يدي الشعب ! 



تتعلق علة الفكر الفاسد المستبد ب( الدين) ، وتلعب الحكومة ببراعة بكل ادوات ( الدين القديم = الموروث) بما يتضمنه من تحالفات وعنصرية وامنيات وتبريرات لتناقضات الحياة ، واظننا نستطيع توجيه نقد ممتاز الي كثير من اوجه هذا ( الدين الموروث ) لكنا في الوقت نفسه عاجزون عن انتاح ( دين جديد) ، بل اننا بقدراتنا الفائقة في هدم مرتكزات الدين القديم نصنع قدرا مخيفا من البديل الذي سيحل محله بعجزنا او عدم انتباهنا الي ضرورة صنع دين جديد ، بل اننا نحن من يخشي ان يعلن اعلانا واضحا اننا اصحاب دين جديد ، لان العقل احتكر وصف لفظ ( الدين) لصالح ( نمط تدين احادي) ، وينجح في سهولة نسبية بتحويل الحوار بين مجموعتين من الناس الي حوار بين الاله ومجموعة من الناس . 



لقد استفادت الانقاذ الي اقصي الحدود من تناقضات الوضع العالمي والاقليمي عند ميلادها في اعتاب عالم جديد بدون ثنائية قطبية ، عالم كان يتلفت ويترقب توازنا جديدا للقوي ، وهي اليوم تستفيد من تناقضات الوضع الاقليمي المسمي ب( الربيع العربي) واعادة ترتيب المنطقة ، ومن بدء جولة اخري عالميا بين مراكز قوي تتشكل ، تستفيد الانقاذ من ذلك في تأخير اجلها المحتوم ، المحتوم بعجزها الكامل عن مخاطبة الواقع ، وليس بسبب كفاءة المعارضة ، وهذا هو اللاعب الاساسي هنا . 



ربما كنت اتجني علي التحليل ، لكني عن اجتهاد اري أن ما يجري في تونس ومصر واليمن والخليج وسوريا سنحصد هنا خيره او شره جميعا ، فالصراع بين العقل التراثي المتبني للاستبداد من جهة والعقل الجديد المتوقف عند الرفض دون انتاج نموذج قوي قادر علي المنافسة هو المهيمن في هذه اللحظة علي المشهد ، وبسبب من كون الانقاذ هي احد ابرز اللاعبين في هذا الصراع تدعمها ايران وتركيا اللتان في امكانهما قراءة الآثار الخطيرة للهزيمة هنا علي مشاريعهما رغم المسافات والاختلافات ، فإن الخرطوم ستشهد هذه المرة اما الانتصار الاكبر ، او الانكسار الاكبر . 



فهل نحن فعلا في هذه المحطة الصعبة ، أم ان العجز عن مواجهة الطغيان يجعلنا نتفلسف ونهوم في الآفاق ؟

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.