حرية … سلام وعدالة

.

بيغ ثينك: دروس حديثة من الأدب الروسي الكلاسيكي


قد يكون أسلوب الكتاب الروس متشابها ويهتم بالتجربة العالمية ولكن مهاراتهم مختلفة، والتأثير الذي أحدثه هؤلاء الكتاب على المجتمع  كان عميقا.

في مقاله الذي نشره موقع “بينغ ثينك” (Big Think) الأميركي، قال الكاتب “تيم برينكوف” إنه في رواية فيودور دوستويفسكي “مذكرات من العالم السفلي” المنشورة سنة 1864، طرح الراوي المجهول الهوية السؤال التالي “ما الذي يمكن توقعه من الإنسان بصفته كائنا يتمتع بصفات غريبة؟”.

وكانت الإجابة داخل الرواية “حتى لو لم يكن الإنسان شيئا سوى مفتاح بيانو وقد تم إثبات ذلك له من خلال العلم، فإنه حتى ذلك الحين لن يصبح عقلانيا، ولكنه سيفعل شيئا منحرفا عن قصد لمجرد الجحود.. وربما سيتسبب في الدمار والفوضى فقط ليبرر وجهة نظره”.

شخص صغير ذو قوة كبيرة

ويبين الكاتب أنه اتضح أن هذا الراوي من الطبقة البيروقراطية الحاقدة، وغير راض عن حياته المهنية، ويستخدم القليل من السلطة والقوة التافهة التي يمنحها له منصبه ليجعل حياة أولئك الذين يتفاعل معهم جحيما؛ حيث تفوق زملاؤه السابقون الذين تسلقوا بنجاح سلالم الجيش والمجتمع الراقي، في حين كان الراوي يقضي أيامه بمفرده يفكر في أسباب عدم اكتشاف العالم حتى الآن للمواهب المذهلة التي يمتلكها.

وبعد أن ينهي الراوي خطبته اللامتماسكة حول استياء المجتمع، يمكن استكشاف لمحة عن وجوده اليومي والأحداث التي جعلته يشعر بالمرارة، وفي أحد المشاهد، يدعو نفسه إلى حفلة لزميل -كان يحتقره- تمت ترقيته مؤخرا، فقط ليقضي بقية الليل في التذمر من حقيقة أن الجميع يقضي وقتا ممتعا باستثنائه.

ويبين الكاتب أنه من المحتمل أن جميع الطلاب مثلا عاشوا هذا النوع من القلق الاجتماعي في إحدى مراحل حياتهم، مما يتركهم مندهشين من الدقة التي تمكن بها هذا الكاتب الذي مات منذ فترة طويلة من صياغة أفكاره الخاصة على الورق، لافتا إلى أن قدرة دوستويفسكي على استيعاب وعينا الغامض كان لها تأثير على الطبيب وعالم النفس سيغموند فرويد والفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

الرقص مع الموت

ويشير الكاتب إلى أن بعض النقاد يقولون إن أفضل طريقة لتحليل كتاب هو محتواه مع تجاهل العوامل الخارجية مثل حياة المؤلف ومكان نشأته، مبينا أن أدب العصر الذهبي الروسي يتسم بدقة وتنظيم لا متناهي، إلا أنه ببساطة لا يمكن دراسته دون الأخذ بعين الاعتبار الكثير من العوامل، فبالنسبة لهؤلاء الكتاب؛ لم يكن الفن موجودا من أجل الفن وحده، بل كانت الرواية مثل كتيبات إرشادية تساعدنا على فهم أنفسنا وحل المشاكل الاجتماعية، وكانت -على حد تعبير الزعيم السوفياتي فلاديمير لينين- مرايا تعكس العالم الخارجي.

ويذكر الكاتب أن دوستويفسكي (1821-1881) حكم عليه بالإعدام في مرحلة ما من حياته لقراءة ومناقشة الأدب الاشتراكي، وبينما كانت فرقة الإعدام تستعد لإطلاق النار عليه، غير القيصر رأيه ونفاه إلى ضواحي سيبيريا، ومن خلال الرجوع إلى الحياة من جديد داخل معسكر عمل، طور دوستويفسكي تقديرا جديدا للتعاليم الدينية التي نشأ عليها، مثل قيمة تكريس السلام مهما واجه من مصاعب.

ويوضح الكاتب أن تجربة دوستويفسكي مع الموت -والذي غالبا ما تحدث عنه في رواياته- كانت مؤلمة بقدر ما كانت مدهشة، ففي رواية “الأبله”؛ التي تتمحور حول شخصية تشبه المسيح تحاول أن تعيش حياة كريمة بين نبلاء سانت بطرسبرغ الفاسدين والعبثيين؛ يتذكر بطل الرواية عملية إعدام شهدها في باريس، وهي تجربة شخصية عاشها دوستويفسكي.

وينوه الكاتب إلى أن الدين لعب دائما دورا مهما في كتابات دوستويفسكي، لكنه احتل مركز الصدارة عندما عاد المؤلف إلى سانت بطرسبرغ؛ حيث تطرح روايته الأخيرة والأكثر شهرة، “الأخوة كارامازوف”، سؤال “الشر” الذي راود الفلاسفة وعلماء الدين لقرون “إذا كان الله يتسم بالعلم الكلي والقدرة والرحمة فلماذا خلق عالما فيه المعاناة؟”.

وبالنسبة له؛ كان الدين يخلق معركة لا تنتهي بين الخير والشر في قلب الإنسان؛ حيث كان يعتقد أن السعادة لا تكمن في السعي وراء الشهرة أو الثروة ولكن في القدرة على التعاطف مع كل شخص تختلف عنه؛ بحسب الكاتب.

ما الفن؟

ويؤكد الكاتب أنه لا تكتمل مناقشة الأدب الروسي دون الحديث عن ليو تولستوي (1828-1910)، الذي اعتقد أن القصص لم يكن من المفترض أن تكون مشوقة ومسلية، بل ينبغي، كما كتب في مقالة نشرها عام 1897 تحت عنوان “ما الفن؟”، أن تكون “همزة وصل بين الناس لكي يعيشوا المشاعر ذاتها”، وبالتالي، كان الغرض الوحيد من الرواية هو إيصال شعور أو فكرة معينة بين الكاتب والقارئ، وتسليط الضوء على مشاعر القارئ التي لم يتمكن من التعبير عنها.

ويتابع قائلا إن في كتاب تولستوي؛ “قصص سيفاستوبول” (كبرى مدن شبه جزيرة القرم)، وهي قصص قصيرة تحدثت عن الفترة التي عمل فيها جنديا في الجيش، لم يمجد انتصارات الجيش الروسي ولم يدن العثمانيين، لكنه شدد على أهمية الحقيقة، ولقد ركز على ذلك في أروع كتاباته الإبداعية التي كانت بعنوان “الحرب والسلام”، التي تروي قصة المجتمع الروسي إبان حملات نابليون على روسيا.

وفي سنواته الأخيرة؛ أصيب تولستوي بحالة اكتئاب حالت دون قدرته على الكتابة، لكنه عندما بدأ يتعافى بدأ في كتابة “اعتراف” الذي حاول من خلاله فهم مسببات حالة الاكتئاب والحزن الذي تسيطر عليه وتدور حول صراع المؤلف مع أزمة وجودية تتعلق بمعنى الحياة.

ويشدد الكاتب على أن تولستوي لا يساعدك على فهم مشاعرك بشكل أفضل فحسب، بل يقدم نصائح حول كيفية التعامل معها، فهو يعتقد أن ما يجعل البشر مختلفين عن جميع الكائنات الأخرى هو القدرة على إدراك النهاية الحتمية وهي الموت؛ وبينما قد يكون مثل هذا الوعي عبئا رهيبا على الإنسان، إلا أنه قد يجعلنا ندرك أهمية الخير والتسامح.

الحث على الحركة

ويستمر الكاتب قائلا إنه نظرا لأن روسيا في القرن الـ19 كانت تقوم على نظام أوتوقراطي (تجمع السلطة في يد فرد) غير برلماني؛ كانت الكتب هي الملجأ الوحيد للناس لمناقشة سياسات البلاد، وبينما قدم تولستوي ودوستويفسكي حججا محافظة ركزت على النمو الشخصي، ذهب كتاب آخرون في اتجاه مختلف، فقد مثلت كتب الأديب والمفكر الروسي نيكولاي تشيرنيشفسكي (1828-1889)، تجارب فكرية؛ حيث تستكشف روايته التي كانت بعنوان “ما العمل؟” كيف يمكن أن يبدو المجتمع القائم على أسس اشتراكية.

ويرى الكاتب أن كتاب تشيرنيشيفسكي الذي كتبه أثناء وجوده في السجن “ما العمل؟”، أصبح وجهة أي ثوري روسي ذي طموح مشبع بالعاطفة الإنسانية التي يلمسها القارئ بشدة في رواية “الإخوة كارامازوف” لديستوفيسكي؛ حيث قدمت هذه الأنواع من الأعمال الأدبية السوفياتية نظرة ورؤية استشرافية عن مستقبل روسيا.

وبحسب الكاتب، فقد كتب الروائي ألكسندر سولجينتسين (1918-2008) -بعد عدة عقود- كتابا مقنعا بالقدر نفسه عن السنوات التي قضاها محبوسا داخل معسكر اعتقال في سيبيريا، ونشأ سولجينتسين على المبادئ الماركسية اللينينية، ودافع عن بلاده ضد الغزاة النازيين في شرق بروسيا، فقط ليحكم عليه بالسجن 8 سنوات من الأشغال الشاقة بمجرد أن اعترضت الحكومة خطابا له شكك فيه في بعض القرارات العسكرية التي اتخذها الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين.

سر الإنسان

وينقل الكاتب عن أندرو كوفمان، الأستاذ المحاضر في الآداب واللغات السلافية في جامعة فيرجينيا، قوله لمجلة ذات مرة “كل الكتاب المتوسطين أشبه ببعضهم البعض”، وذلك في محاولة للإشارة إلى مقولة تولستوي في روايته، آنا كارنينا، “كل العائلات السعيدة متشابهة، لكن كل عائلة تعيسة تكون غير سعيدة بطريقتها الخاصة”.

ويعرب الكاتب عن اعتقاده بأنه قد يكون أسلوب الكتاب الروس متشابها ويهتم بالتجربة العالمية ولكن مهاراتهم مختلفة، مشيرا إلى ما قاله الكاتبان فرانسين بروس وبنجامين موسر -في مقال لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية- عما يجعل كل عملاق من الأدب متميزا عن الأخير “يتميز (الأديب الروسي الكبير) غوغول، بقدرته على “جعل الحدث غير المتوقع لا يبدو معقولا فحسب، بل مقنعا”؛ ويتميز الروائي تورغينيف، “بشخصياته التي وصفها بدقة ولكنها ظلت غامضة”؛ ويتميز المسرحي والروائي أنطون تشيخوف، بمهارته الخارقة في الكشف عن مشاعره العميقة في مسرحياته”.

ويؤكد الكاتب أن التأثير الذي أحدثه هؤلاء الكتاب على المجتمع كان عميقا، فمثلما احتاج تولستوي إلى 1225 صفحة على الأقل ليروي قصة الحرب والسلام، كذلك يحتاج المرء أيضا إلى أكثر من مقال واحد لشرح أهمية الأدب الروسي على المستوى التاريخي وقدرته على تغيير المشهد السياسي للإمبراطورية الروسية، وفي نهاية المطاف، العالم ككل، ناهيك عن قيمته التثقيفية؛ حيث كان مصدر إلهام القراء لتقييم حياتهم وتحسين علاقاتهم.

ويشدد في النهاية على أن الأهم من ذلك أنه ربما يدفعك الأدب الروسي إلى أن تلقي نظرة نقدية على نفسك ومحيطك.

المصدر : مواقع إلكترونية

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.