حرية … سلام وعدالة

.

المعركة ضد الفساد معركة صعبة وطويلة


لماذا تنتشر أنباء الفساد في السودان هذه الأيام بهذه الصورة غير المسبوقة وتملأ الصحافة الورقية والإلكترونية وتصبح أحاديث المجالس في الداخل والأسافير في الخارج؟ السبب ببساطة هو أن غياب مبدأ الانضباط في الأداء الحكومي وغياب مبدأ المساءلة والمحاسبة لربع قرن من الزمان أحدث مرارات واحتقانا وتراكما لممارسات فاسدة كان لا بد لها أن تتفجر في لحظه ما. الفساد لم يقع بين يوم وليلة بل ظل يحدث ويتراكم ويتزايد عبر السنين إلى أن فاحت رائحته الكريهة واستحال تفادي الانفجار.
سياسة التمكين والاعتماد على أهل الولاء ومنحهم من الصلاحيات ما يمكنهم من إزالة الخطوط الفاصلة بين المال الخاص والمال العام والتصرف في الشأن العام دون ضوابط ودون محاسبة، خلق البيئة المواتية لأن ينمو فيها الفساد ويزدهر ويقوى عوده، خاصة مع محاصرة كافة المؤسسات المجتمعية ومنعها من إعمال مبدأ الرقابة وغياب الأجهزة الرسمية التي يمكن أن تكشف وقائعه وتطبق مبدأ المساءلة والمحاسبة.
هذه الحالة لم تشجع على الفساد فحسب بل أضعفت جهاز الدولة نفسه وحولته إلى جزر معزولة وإلى مراكز قوى متعددة وإلى «شلليات»، وكل جهة تبذل جهدها لتحافظ على سرية ممارساتها دون أن تدخل في صراع مع المجموعات الأخرى، حفاظاً على سرية الممارسات الخاطئة والانحرافات. وقد نجح هذا المنهج في التغطية على كثير من تلك الممارسات، مما أتاح لها أن تتواصل وأن تتراكم عبر السنين، فارتخت قبضة الدولة وغابت أجهزتها الرقابية وقويت مراكز القوى داخلها وتقسمت الأدوار بينها، ولكن التنافس الخفي بينها ظل قائماً.
والآن بعد أن انفجرت القضايا فقد نشهد كثيراً من (التسريبات) ومن ممارسات (تصفية الحسابات) فتخرج (معلومات) وتسرب وثائق وتتكشف حقائق، ولذلك في هذه المرحلة نحتاج إلى كثير من الحرص والحذر من التسريبات المجيرة لخدمة أغراض خاصة أو لتصفية حسابات شخصية أو خلافات قديمة أو جديدة، وهذا يقتضي بالضرورة أن تتم ملاحقة ومكافحة الفساد بطريقة منهجية مدروسة، وأن تتولى الأمر جهة مستقلة تتسم بالنزاهة والكفاءة والقدرات العالية ولا تسيطر عليها الحكومة ولا تسمح لنفسها بأن يستغلها أي طرف حتى يثق الناس في إدارة هذا الملف بكفاءة.
الفساد ظاهرة دولية ووسائله ومناهجه متعددة والجهات التي تمارسه متنوعة، بعضها بات منظماً بشكل كبير ويتبع أسلوبا أقرب إلى أساليب (المافيا) في ممارساته ويحارب بشدة للحفاظ على مصالحه وفوائده، ولن يتورع في ارتكاب الجرائم في هذا السبيل، ومن ثم يتحتم أن يخطط الناس لحربهم ضد الفساد بهدوء وأن يتأكدوا من أن الآلية التي تتولى الأمر ذات قدرات وخبرة ومصداقية.
وقد انفعل المجتمع في السودان بتفاصيل ما رشح حول ممارسات كشفت بعض أبعاد الفساد، لكن ليس ما انكشف سوى جزء يسير مما يحدث، ولن تنكشف الحقائق الكاملة بسهولة ويسر ما لم يأخذ الأمر شكلاً مؤسسياً بدايةً بصدور قانون جيد الإعداد لمكافحة الفساد، ويجب أن يستند ذلك القانون على الاتفاقية التي وضعتها الأمم المتحدة لمحاربة الفساد وإلى تجارب الدول الأخرى في هذا المضمار، إضافة إلى خصوصية أوضاع السودان. ولا بد أن ينص القانون على الآلية التي تتولى مسؤولية إنفاذ القانون، مشدداً على الصلاحيات وعلى الاستقلالية والنزاهة والكفاءة التي يجب أن يتمتع بها أعضاؤها وحمايتها من الضغوط السياسية أو الشخصية حتى تنجز مهامها في جو من العدل والإنصاف. وبالإضافة لهذا لا بد أن تتولى منظمات المجتمع مهاما رقابية كبيرة لأنها هي الألصق بقواعد المجتمع والأقدر على المتابعة والرقابة بقدر من التجرد، ولا بد أيضاً أن يلعب الإعلام بكل وسائطه دوراً رقابيا كبيراً وأن يتمتع بقدر عال من الحرية والمصداقية وعدم الانجراف وراء محاولات تصفية الحسابات، حتى لا يستغل لخدمة مصالح خاصة أو ابتزاز الآخرين.
ربما كان من الصعب إنجاز كل هذه المهام دفعة واحدة، ولكن من المهم أن تصوب نحوها أنظار كافة القوى الجادة في محاربة الفساد وأن تعمل في سبيل تحقيقها وأن تلتزم التزاما صادقا وتبني على الانتصارات الصغيرة التي تحققها، إلى أن تبلور المنهج بكامله. ويجب ألا نستهين بهذا التحدي الكبير فالقضية تحتاج إلى مواجهة على مستويات عديدة لن تتحقق إلا في نظام ديمقراطي يتيح الحريات ويؤكد على الشفافية وسيادة حكم القانون، الذي تنجزه أجهزة عدلية قادرة وراغبة في أداء مهامها دون خشيه أو وجل.
—————–
محجوب محمد صالح
mahgoubsalih@maktoob.com

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 10.00% ( 1
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.