حرية … سلام وعدالة

.

المشهد السياسي السوداني يستعصي على التنبؤ والتكهن


حتى لا نسرف في التفاؤل لا بد أن نعترف بأن الطريق ما زال طويلا أمام مشروع الحوار السوداني الشامل الذي يمكن أن يحدث تغييرا حقيقيا في السودان، وذلك رغم الخطوات التمهيدية التي تمت خلال الأيام القليلة الماضية، وهي خطوات وجدت تأييدا ومساندة من كل الذين يحلمون بحل سلمي لأزمة السودان المستحكمة والمركبة، لكن تجاربنا الماضية تحتم علينا ألا نسرف في التفاؤل فما يزال الأمر في بداياته، وكل ما تم هو الخطوة الأولى من المرحلة التمهيدية لمشروع الحوار، وتظل هناك خطوات عديدة لا بد من التفاوض حولها حتى تتهيأ الأجواء لحوار جاد وحقيقي وقاصد يحدث تغييرا شاملا في أوضاع السودان.

لقد طرح الحزب الحاكم مشروعه للحوار عبر خطاب (الوثبة) الذي أطلقه في يناير الماضى –قبل تسعة أشهر- وهو خطاب كان أميز ما فيه غموضه، وقد تجاوبت معه الكثير من القوى السياسية وتحفظت عليه قوى أخرى، لكن الأمل في تطويره لمشروع قومي وجاد لم ينقطع، وقد أعقب بيان يناير لقاء مائدة مستديرة في مارس الماضي حاول أن يتجاوز غموض الخطاب الأول وأن يكسو الهيكل العظمي للحوار لحما ويخلق له آليات حتى ينطلق، وكان المتفائلون يتحدثون عن انطلاق الحوار ووصوله إلى نتائجه المرجوة خلال شهرين!! وانفتحت شهية المطالبين بالحوار حينما أصدر رئيس الجمهورية قراراً جمهوريا رقم (159) ليفتح الأفق السياسي أمام الأحزاب ويرفع عنها الحصار المضروب عليها ويتيح لها ممارسة نشاطها، ويوفر حرية التعبير للصحافة وأجهزة الإعلام، ولكنها كانت فرحة لم تتم لأنه بعد أسابيع من صدوره تعرضت الصحف لهجمة شرسة، وعاد الحصار للأحزاب ووصل ذروته بسجن رئيس حزب الأمة وهو أكبر داعم لمشروع الحوار وبقي حبيسا قرابة الشهر يواجه اتهاما عقوبته الإعدام، ولحق به في المحبس رئيس حزب المؤتمر السوداني، واعتبرت هذه الإجراءات إعلانا رسميا لموت مشروع الحوار الوطني الشامل.

وإذا كان مشروع الحوار قد عاد للحياة من جديد فهذا يعود لجهود رئيس حزب الأمة عند خروجه من السجن والاستراتيجية التي اتبعها بخلق مركز آخر لمشروع الحوار عندما اتجه لباريس وعقد لقاء من قادة الجبهة الثورية ووقع معهم بيانا مشتركا يضع (السلام) في قلب مشروع الحوار السوداني، ويؤكد استعداد حملة السلاح للحل السلمي عبر الحوار، ثم نشط سياسيا على عدة مستويات إقليمية ودولية مبشراً بأطروحات إعلان باريس وساعيا لحشد التأييد لها، وقد نجح مسعاه في إعادة الحياة لمشروع الحوار بوجه جديد.

والتقط القفاز رئيس لجنة الوساطة الإفريقية وأعضاء لجنته الذين سعوا لترتيب لقاء بين الجبهة الثورية ولجنة السبعة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا انتهى ببيان مشترك بين قوى إعلان باريس ولجنة إدارة الحوار في الداخل (لجنة السبعة) لم يتم التوقيع عليه في وثيقة مشتركة، لكن كل طرف وقع منفرداً على نفس النص المشترك.

هذه النطورات هي التي أطلقت موجة التفاؤل السائدة حاليا لأن الوثيقة المشتركة اعتبرت خطوة كبيرة على طريق (مشروع تهيئة الأجواء) لحوار هادف، ولكن ما زالت هناك مستحقات ومطلوبات غائبة عن الوثيقة ستثار في مرحلة لاحقة قبل أن تتهيأ الأجواء لحوار جاد وحقيقي. لجنة الوساطة تدرك ذلك وأطراف النزاع تدرك ذلك والوثيقة نفسها تعترف بذلك؛ حيث نصت على أن الحوار يبدأ (بعد وضع الأسس والقواعد والإجراءات التي سيتم بموجبها الحوار) (البند الرابع من الاتفاق) وقد وضع هذا البند لضمان مناقشة المستحقات الأخرى التي تتمسك بها المعارضة والتي لم يتضمنها الاتفاق غير أن الأمر المهم هو موقف الحكومة من البنود التي تضمنها الاتفاق حول إطلاق سراح المعتقلين والمحبوسين وتوفير الحريات للنشاط السياسي والإعلامي؛ لأن هذه المطلوبات بيد الحكومة وقد أجازتها لجنة السبعة في خريطة طريقها التي شارك في وضعها المؤتمر الوطني ورفعتها للحكومة قبل شهر تقريبا ولم تتسلم ردا حتى الآن، ثم جاءت في اتفاق أديس أبابا ولم تتسرب أنباء عن قبولها، ولكن المتوقع أن تنقل الحكومة رأيها حولها عند اللقاء المرتقب –والذي قد يتم قبل نشر هذه السطور– بين رئيس الجمهورية ورئيس لجنة الوساطة الإفريقية ثابو

أمبيكي، وإن كان البعض يعتقد أن القرار الصادر بإطلاق سراح نائبة رئيس حزب الأمة الدكتورة مريم الصادق ربما كان مؤشراً على قدر من الاستجابة الحكومية الجزئية، وإذا تجاوبت الحكومة تجاوبا كاملا مع ما ورد في اتفاق أديس أبابا الذي رفع إليها تبقى العقبة الأخرى وهي مدى إمكانية التوافق على باقي المستحقات التي تطالب بها المعارضة وهي تشمل (الفترة الانتقالية والحكومة القومية والانتخابات) وغيرها من القضايا المثارة.

وهذا ما يدفعنا لكي نحذر من الإسراف في التفاؤل قبل أن تستبين الحقائق على الأرض حول مشروع الحوار ومآلاته؛ لأن المشهد السياسي السوداني دائما يحفل بالمفاجآت ويستعصي على التنبؤ والتكهن!
—————–
محجوب محمد صالح

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.