حرية … سلام وعدالة

.

العميل رقم صفر لنظام الإنقاذ


مئات الالاف من السودانيين على الأقل يضطرون لترك الوطن سنويا لأسباب تختلف ظاهريا ولكن في جوهرها واحد. استحالة تحقق مطلوبات الحياة الضرورية من أمن وكفاية معيشية وربما الوجود نفسه، هل السؤال هو : لماذا؟ أم أنه : إلى متى؟ كلاهما سيحيلنا ضرورة إلى سؤال عملي مفاده كيف يمكننا وقف ذلك في أقرب ما يمكن؟ من الضروري أن يكون بلد ما قادر على إقناع بنيه بالبقاء داخل حدوده والعودة إليه في أية لحظة، وليس ضروريا على الإطلاق أن يستمر في حكمه زيد أو عبيد. فإذا تعارضت هاتان الضرورتان فالبديهية الانسانية والأخلاقية والمنطقية تقتضي أن يذهب عمر البشير ويبقى السودان مرحبا بأبنائه جميعهم وموفرا لهم شروط المأوى الضرورية. ما حدث فعلا أن السودانيين لم يتعاونوا على هذا البر والتقوى مثلما يجب. دعونا نقولها بوضوح ودقة وثقة أكثر أن كل واحد منا لم يقم بما يتعين عليه القيام به على الوجه الأكمل لاتمام هذا الواجب الانساني والمنطقي البديهي. ولا نقولها هنا حبا في الإنشاء والتعبير ولا جلدا للذات ولا تقريعا ولا مكاواة لأحد. لكنها الحقيقة المجردة، كان بوسع كل منا أن يفعل وأن يقدم أكثر بكثير من الذي فعله وقدمه لإحلال الطمأنينة والسلام بأرض بلادنا الحبيبة.
صحيح أن هناك عوامل إقليمية ودولية ساهمت في بقاء نظام الحكم الطارد هذا كل هذا الوقت . صحيح أن هناك قوى سودانية مؤثرة تواطأت أيضا وترددت لوقت طال أو قصر، صحيح أن قدرات الأفراد والمجموعات قد تم شلها وتحييدها بتدابير لم يحدث مثلها في البلاد المجاورة وغير المجاورة. لكن كل ذلك لا يعفي أيا منا من التقصير الباهظ الكلفة الذي حدث. فالواجب يظل هو الواجب مهما كانت المعوقات والصعاب. والممكن أداؤه حيال هذا الواجب يظل منفتحا على الدوام على حقيقة أنه كان في الوسع أكثر قليلا مما تم. وعلى الأقل ثمة واجب ممكن بديهي لم يجتهد فيه أي منا اجتهادا يوازي ضرورته وهو أن نتعاون جميعا كسودانيين لأنجاز المهمة التي تعنينا جميعا كسودانيين ومن الاوتار التي لعب عليها النظام وادواته طيلة ما مضى ضعف احساس كثيرين جدا من الفاعلين المخلصين ضده بالمواطنة وبرابطتها التي يتعين ان تكون هي الاشد ظهورا واشتغالا في هذا الصراع الكبير، ليس بمواجهة الانا الجهوية والمناطقية والحزبية وحسب، بل ايضا في مواجهة الانا الفردية والنخبوية والمناضلاتية، ان جاز الاجتراح، والعروبية والافريقانية. طالما اننا في صراع يهمنا كسودانيين، لا اكثر لااقل، فالطبيعي والخليق بالانتصار ان نعمل بالانا السودانية دون غيرها. صحيح أنه لا فكاك نهائي ولا انفصال جذري عن هذه الأنوات لكن "ما بينفع " أن نحضر في مقام العمل العام لأجل السودانيين بغير الأنا السودانية المتجردة أقصى تجرد يمكن . والسؤال الصعب الذي اتفضل بتوجيهه لنفسي ولكل من حمل قلما او هتافا او ياقة بيضاء او حتى بندقية باسم الهم السوداني العام هل تنفسنا هذه السودانوية وشهقناها وزفرناها وحدها ، دون ما هو أقل ، ودون ما هو أكثر ، في كل أو جل أو معظم أو بعض أو أي خطوة من خطوات هذا المشي الوئيد الذي احتملنا فيه ماهو أثقل من الجندل والحديد 
من المؤكد أنه ليس من بين حلولنا المقترحة للمشكلة الوطنية دولة بنظام حزب واحد ، أو دولة يتحكم فيها أقلية بأية معايير ولا كيانات قبلية أوجهوية ينتفي داخلها التعدد الثقافي والاثني، كلنا نزعم أننا ننشد دولة المواطنة التي يتساوى فيها جميع السودانيين فكيف بالله علينا (ياخي) سنحقق هذه الدولة ونحن نركض بشكل يومي ممنهج بمشاعرنا وسلوكنا وكلامنا وسلامنا بعيدا عنها ملايين الأميال ؟ هذا التفكير وهذا الإحساس وهذا السلوك هو العميل رقم صفر الذي لن ننجح في اسقاط النظام إن لم نكتشفه ونعزله على أقل تقدير ، ناهيك عن محاكمته وصلبه عاريا على بوابة التاريخ يا أهلنا ، وألا هل بلغت؟
——————
فتحي البحيري

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.