حرية … سلام وعدالة

.

العلاقات الدولية ومنظومة الأقطاب – المقال الثاني


إستراتيجيات النظام الدولي في تحقيق المصالح وتوازن القوى

إن إستراتيجيات النظام الدولي – في أشكالها المختلفة – تتباين بغرض أداء وظائف ذاك النظام القطب. فنجد – على سبيل المثال- أن النظام التعددي يهيمن خلاله دبلوماسية التوفيق والمساومات للوصول الى الحلول المرضية لكل الأطراف، والسياسات المرنة وكذلك وجود الأيدولوجيات المتعددة.

وفي عصر الثنائية – كما اوردنا سلفاً- يسود الصراع المحتدم وفق آليات الحرب الباردة والتنافس الشرس على الاستحواذ الجيوسياسي، وفق أجواء إستقطاب فكري حاد يسعى فيه كل قطب لفرض أيدولوجيته وشيطنة الآخر. أما في حقبة القطب الواحد – فبطبيعة الحال- تسود سيادته وفكره، وتمر مصالحه كما شاء ذاك الواحد المتجبّر.

ظل مصطلح الحرب الباردة يشير الى شكل الصراع على امتداد النفوذ وتقاطع المصالح في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية، فيما بين قوى الساحة الدولية آنذاك. تربعت الولايات المتحدة الأمريكية على مقعد قيادة الغرب بينما تسيّد في الطرف الآخر في هذا الصراع الاتحاد السوفييتي السابق- كقطب مقابل- وقد نشأ لدى ذاك القطب مصطلح الصراع من أجل السلام “Борба за мир”، وساد ذلك في كل أدبياته.  تشكلت على موازين القوى تعادلاً نسبياً وأصبح على طرفي المعادلة قوتان متعادلتان نسبياً فكانت الثنائية القطبية، وأصبحت الولايات المتحدة وحلفائها على طرف وبالطرف الآخر الاتحاد السوفييتي وحلفائه. وكانت سياسة كل طرف هو توسيع دائرة نفوذه وتقليص دائرة نفوذ الخصم خصماً، وفي نفس الوقت كان ذلك هدفاً إستراتيجيا، وحيثما كانت تقاطع المصالح وتداخل دوائر النفوذ كان التوتر وكان الصراع وربما كانت المعارك أحياناً.

تدور دائرة تشكل العلاقات الدولية دورتها – والتي يرى البعض حتميتها – أحادية،،، ثنائية،،، تعددية ، الى ما انتهت محطته اليوم في بدايات القرن الواحد والعشرين، وقد عادت الحرب الباردة في نسختها الثانية بأنين أوجاع التشكل ومخاض الصرخة الأولى، حيث صرخات الحرب العسكرية الجيوستراتيجية الضارية ومسرحها أوكرايينا حيث التمدد الجيوسياسي للقيصرية السوڤيتية “روسيا” والضربة المدمرة في جبهة أشعل فتيلها القيصر السوڤيتي من الشرق الأوكراييني،  وقد أجج نيرانها الناتو عند حدوده الشرقية إمداداً ومناولة – والمناول لا يقاتل- فتدمرت كييف الجميلة ومدن ومعالم أخرى كثيرة عاش ربيع شبابنا جمال ربيعها. ثم أنه هناك رحى حرب أخرى تدور بأدوات دقيقة، وهي الحرب الاقتصادية التجارية بين التنين الصيني والغرب برأس حربته الولايات المتحدة الأمريكية في إستراتيجية فرض السيطرة الاقتصادية وبسط النفوذ التجاري.

روسيا اليوم – رغم وضعها الاقتصادي غير الجيد- الا انها قوة عسكرية جبارة ومرعبة، بل رادعة نووية بحسب اللغة العسكرية لإمتلاكها لعشرات الآلاف من الرؤوس النووية والأسلحة الاستراتيجية والتفوق التكنلوجي الفضائي.

بَنَتْ روسيا أس تلك القدرات بوراثتها للاتحاد السوڤيتي الذي انهار في العام 1991 ، وعلى خلفية الحرب الدائرة اليوم على أوكرايينا، رفعت الأخيرة صوت احتجاجها عبر أعلى منبر دولي ، منددة بإستنكار وضعية روسيا – كوريث الاتحاد السوڤيتي للمقعد الدائم في مجلس الأمن، و أحقيتها لذلك الإمتياز، كما ظل يردد بذلك السيد سيرغي كيسليتسا  Sergiy Kyslytsya  مندوب أوكرايينا الدائم الحالي لدى الأمم المتحدة – وزميلنا في الجامعة إبان دراستنا معاً في كلية القانون الدولي بمعهد العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة كييف- منذ بدايات الحرب على أوكرايينا شكك كيسليتسا في أكثر من مرة من على منبر الأمم المتحدة أن روسيا حصلت على ذاك المقعد الوثير المثير دون تفويض كاف أو مناسب وأن الجمهوريات المكونة لاتحاد الجمهوريات السوفياتية أعلنت في عام 1991 أن الاتحاد السوڤيتي لم يعد موجودًا، ويؤكد كيسليتسا بأنه كان ينبغي أن يكون الحق القانوني لأي من هذه الكيانات تساوياً- بما في ذلك روسيا – في الحصول على المقعد وليس من حق روسيا وحدها. تتمسك أوكرايينا بأنه لم يُعرض على الجمعية العامة أي قرار بالسماح لروسيا بعضوية مجلس الأمن. الجدير بالذكر أنه – الى لحظة كتابة هذا المقال-  لم يتم تعديل ميثاق الأمم المتحدة أبدًا بعد تفكك الاتحاد السوڤيتي، ولا زال ميثاق الأمم المتحدة تشير إلى أن الاتحاد السوڤيتي- وليس روسيا- كأحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تُقرأ الفقرة الأولى المادة 23 في الفصل الخامس الخاص بمجلس الأمن، تُقرأ كالتالي: ” يتألف مجلس الأمن من خمسة عشر عضواً من الأمم المتحدة، وتكون جمهورية الصين، وفرنسا، واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية، والولايات المتحدة الأمريكية أعضاء دائمين فيه. وتنتخب الجمعية العامة عشرة أعضاء آخرين من الأمم المتحدة ليكونوا أعضاء غير دائمين في المجلس. ويراعى في ذلك بوجه خاص وقبل كل شيء مساهمة أعضاء الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدولي وفي مقاصد الهيئة الأخرى، كما يراعى أيضاً التوزيع الجغرافي العادل”

وعلى الصعيد الآخر فالصين فتبشر العالم – وهكذا تشير المؤشرات الاقتصادية- بأنها قد تكون في صدارة القوة الاقتصادية الدولية بحلول العقد القادم من القرن الحالي. أصبحت الصين اليوم بمقدورها منافسة الولايات المتحدة الأمريكية  في كثير من  مجالات التكنولوجيا والتكنلوجيا الرقمية على وجه الخصوص. وعلى صعيد كسب مساحات النفوذ تعمل الصين وفق سياسة نشطة لبناء علاقات مستدامة مع كل الدول عبر بوابة الاقتصاد، وفق استراتيجية تبني خلالها النفوذ عبر مساهمتها في البنية التحتية للدول، وكذا  إنشاء وصيانة ما تسميها “المنافع العامة العالمية”، وستظل على وفاق مرن ومستعدة للتعايش على مع الدول الأخرى وفق ما تقتضي مصالحها الاقتصادية والتجارية، مع أي قطب كان أو دولة.

روسيا كقوة – تركز بشكل عام – عند تحديد مفهوم الأقطاب في السياسة الدولية ترتكز على العنصر السياسي والقوة العسكرية كماً وكيفا. يبدو ذلك جلياً في تعاطي روسيا مع الملفات الدولية ومنهاج ديناميكيتها في اعتماد السياسة الخارجية النشطة والمبادرات الهادفة لإظهار القوة والجبروت. لذا ترى موسكو اليوم أنها والصين وأمريكا هم من يشكلون مظاهر القوة، ومنابت بروز الأقطاب ربما، لكنها في وقته ذاته تتحالف وبكين في أطر وتعاهدات أخرى مظهرها اقتصادي بحت، لكنها أراضي خصبة لنشوء اقطاب قد تسود وبقوة على مسرح العلاقات الدولية.. بيد أنه هناك بعض المؤشرات الغير مؤكدة ما تنبئ بتململ القارة العجوز من أن تأتيها الريادة من غربها ، فالإتحاد الأوربي اليوم تتمدد كقوة إقتصادية كبرى ذات تأثير سياسي وقوة عسكرية كما يبدو في مشروع اتحاد غرب أوربا، وكذلك جنوح الاتحاد الأوربي في التمدد شرقاً عبر معول الناتو أو جزرة الإتحاد، الأمر الذي قد يعزز النزعة الاستقلالية والخروج من العباءة الأمريكية كما في الحالة الفرنسية وكذا ألمانيا

التعددية القطبية ستؤدي حتماً الى توازن القوى المؤدي حتما الى قرارات تتخذ لأسباب استراتيجية، لا لأسباب أيدلوجية أو لمرجعيات تاريخية. قد يتساءل سائل؛ ألم تكن القطبية السوفييتية الأمريكية  الثنائية “الصلبة” هي التي دعمت الحفاظ على السلام والاستقرار في الساحة الدولية لنحو أربعين عاماً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؟ أليس من العدل أن نقول إن العالم ثنائي القطب، على الرغم من كل عيوبه وقيوده، لا يزال أفضل بكثير من بديل محتمل للانهيار التدريجي لنظام الحكم العالمي، وانتصار الفوضى أو إحداث الفوضى في العلاقات الدولية. رغم أنه هناك بعض المختصين في شأن العلاقات الدولية يشير الى أن الثنائية القطبية الصلبة – رغم خشونتها- فهي التي قد دعمت الحفاظ على السلم والاستقرار في مسرح العلاقات الدولية لنحو أربعين عاما، في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية بأنها الحقبة الأفضل لاستقرار خالٍ من الفوضى في العلاقات الدولية التي يوصم بها أنصار “الثنائية” التعددية،  رغم تلك الحُجّة فسيظل ” وفاق أوربا” الذي كان قائماً في أوربا في حقبة ما بعد الحروب النابليونية – حروب نابليون بونابرت – حتى حرب القرم- بين الإمبراطوريتان الروسية والعثمانية منتصف القرن التاسع عشر-  خير مثال في التاريخ الحديث للتعددية القطبية وأنموذج للسلم والوفاق. عكفت حينها القوى الاوربية العظمى للاجتماع بشكل منتظم ووفاقي لمناقشة القضايا الإقليمية والدولية. رغم المفاضلة بين المنظومتين الا انهما يظلان أفيد لاستقرار صار اللاعبين من عبث وبطش الكبار، وستظل حتمية التحول مشروط بأشراط حتمية، إن حانت فلا مجال للتخيير، أو التغيير.

د. محمد عبد الله تيراب
متخصص في العلاقات الدولية
السياسات العامة، وإدارة النزاعات
ميريلاند– الولايات المتحدة الأمريكية

 

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.