حرية … سلام وعدالة

.

الحرب الباردة الثانية، وبروز الثنائية القطبية


الحرب القائمة اليوم- بين اوكرانيا وروسيا- رغم أنها ذات أبعاد تاريخية واستراتيجية، وقد أفاض بوتين قبل يومين في ذلك وبعث – عبر تلك الكلمة- برسائل عدة، وأسهب في تاريخ نشأة الدولة الاوكرانية، فهي حرب بالوكالة  “proxy-way” من الجانب الأوكراييني ضد تمدد  النفوذ الاتحاد الروسي ” قوة ومساحة روسيا اليوم هي بحجم الاتحاد السوڤيتي الا قليلا” هي محاولة غربية لتحجيم التمدد الروسي  وتعطيل للنفوذ البوتوني  السياسي والاقتصادي في أوروبا ومنع عودة الاتحاد” السوڤيتي” الروسي الجديد بقيادة القيصر بوتن.

بالنسبة لروسيا، فإن أوكرانيا هي الدرع الاخير لدرء الاقتراب من حدوده، تماماً كما فعلت الولايات المتحدة إبان أزمة خليج الخنازير، حين كانت أزمة “خليج الخنازير” أخطر أزمة خلال الحرب الباردة الأولى، والتي كادت تؤدي إلى حرب نووية ، ففي تلك الايام من العام 1962 ، حين إندلاع  أزمة الصواريخ الكوبية -التي ربما كانت البؤرة الأكثر سخونة في الحرب الباردة الأولى- فقد بدا العالم وكأنه على شفا حرب نووية لمدة 13 يوما، لكن توافق الرئيس الامريكي  كيندي والسوڤيتي خروشوف على الانسحاب السوڤيتي  من الخليج مقابل سحب امريكا لعتادها النووي من تركيا بشكل غير معلن لحسابات داخلية امريكية ذات صلة بالانتخابات، كانت امريكا حينها تعتبر ان كوبا – التي تبعد عنها بحوالي 90 ميلا- هي نطاق للأمن الوطني ، فما بال أوكرانيا- بالنسبة لروسيا- آخر الدروع ” للأمن الوطني الروسي” ضد التمدد الغربي! إن محاولة دخول الناتو مغامرة غير محسوبة بدقة بالنسبة لأوكرايينا،

إذا جرت الأمور وسارت كما هو المشهد اليوم وملامح غده، فهي اعلان بداية الحرب الباردة الثانية، فالناتو لن يتدخل عسكريا أبعد من حدوده التي تقف شرقاً على حدود بولندا ورومانيا، مالم يقوم مجلس الأمن بإصدار قرار بذلك- الأمر الذي يشبه الاستحالة اليوم، فلو قارنا بالموقف الدولي حين غزا صدام حسين العراق في العام 1990 فالوضع غير، فروسيا كأحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن – حاملي عصا الڤيتو- عند غزو الكويت كان الاتحاد السوڤيتي في أضعف حالاته- رغم ان العراق كان حليفا استراتيجياً له- وكان غورباتشوف يترنح داخل الكرملين ويميل شرقا وغربا قبل ان ينهار وتنهار الاسطورة السوڤيتية بعد ذلك بأقل من عام، فروسيا هي اليوم طرف قوي ويحمل عصا الڤيتو بقوة في وجه أي قرار ممكن، والصين الصامت صامد خلفه، فلذا لن يكون غير الدعوات والعقوبات.

بيد أن تلك العقوبات قد تكلف أوربا والعالم بعض الشح  في الغاز والقمح، وقد تضغط روسيا على اسعار النفط كما فعلت قبل سنوات، كعقوبات مضادة، الأمر الذي سينعكس على الدول المنتجة للبترول والمصدرة لها، فلو ضغطت أمريكا الاتحاد الاوربي لفرض العقوبات فسيكون الاتحاد الاوربي ضحية ذلك، وروسيا لن تعيش في عزلة كما عاش العراق او السودان.

هناك أمر يجب ذكره فيما يلي توازن القوى، فأوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوڤيتي لم تسلم سلاحها النووي كما ضغط الغرب بذلك ، حين طالب بتسليم كل السلاح النووي الى روسيا، حتى يكون السلاح في يد واحدة أمينة ” حينها كان يلتسين – أول رئيس لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوڤيتي” كان رجل الغرب المتطرف غرباً وقالبا، لم تسلّم اوكرانيا في البداية كما فعلت روسيا البيضاء  بيلاروس Белорусь  – بل ظلت تناور حتى سلمت اسلحتها النووية في  العام 1994 حين  وقعت  memorandum مع وبريطانيا أمريكا وروسيا، على أساس أن تشكل تلك الدول حماية لدولة أوكرانيا الوليدة ، ومنزوعة السلاح الدسم ” النووي” من اي اعتداء خارجي بموجب ذلك ال MOU، لكن اليوم لن تفعل أكثر من ان تدعم ببعض العتاد الحربي الدفاعي كما فعلت أمريكا، والمناظير الليلية وبعض الخوذات كما فعلت ألمانيا .

في إعتقادي من مصلحة الدولة الأوكراينية أن توجد الحلول الدبلوماسية مع جارتها الشقيقة، وأن تعلن قيام دولة حياد سياسي وتسلك نهج سويسرا، فذلك أسلم لها وأأمن للمجتمع الدولي، بحيث أنه يحفظ السلم والأمن الدوليين.

لم يقرأ الغرب الكتاب الروسي جيدا، وكان يعتقد انه بعد يلتسين الضعيف ذو الحضور الصفري، لم يعلموا أنه سيأتي برجل مخابرات مغمور سيقلب عليهم طاولة المأدبة ويعيد لهم أجواء الحرب الباردة بروسيا قوية، إمبراطور سوڤيتي، بقوة مزدوجة من إرث المنظومتين، الملكية القيصرية والفولاذية السوڤيتية.

من غرائب الصدف أن أقوى قياصرة روسيا  -بيتر العظيم – حكم حوالي 29 عام، وأقوى زعماء الاتحاد السوڤيتي جوزيف ستالين أيضا حكم حوالي 29 عاما.

دخل بوتين الكرملين مسؤولاً للمخابرات في عهد يلتسين، وأنا لم أغادر موسكو حينها ” غادرتها في العام 1998″ وأصبح بوتين قائما بأعمال الرئيس ” بعد ان أصبح رئيس وزراء” في ديسمبر 1999 ومنذ حينها بدأت خطواته الواثقة لبناء مستقبله السياسي ليحدد مصير روسيا، واليوم يحدد مصير ووجهة العلاقات الدولية، بشروق شمس الحرب الباردة الثانية، وغروب الأحادية القطبية.

ها هو حائط برلين افتراضي  يتم تشيده عند حدود أوكرايينا وبولندا، يفصل ما بين عالمين، من جديد،

ها هو القطب الآخر يبرز، وها نحن نشهد قرونه بارزة.

د. محمد عبد الله تيراب
متخصص في العلاقات الدولية
السياسات العامة، وإدارة النزاعات
ميريلاند– الولايات المتحدة الأمريكية

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.