حرية … سلام وعدالة

.

التعددية القطبية مآلات المرحلة  وحتمية التمحور العلاقات الدولية ومنظومة الأقطاب – المقال الثالث


على الرغم من أن الولايات المتحدة تبقى- وبلا جدال – القوة العسكرية العظمى Military superpower بسبب إمكانياتها الهائلة، لكن نفوذها الاقتصادي يواجه تحدي الصعود الصيني، كما تراجع تأثيرها السياسي جراء تنامي الأدوار الدولية لكل من الصين والتحدي العسكري الروسي على الساحة الدولية. إن إرهاصات التشكّل المتجسدة في المتغيرات الجارية، لهي لاحقة للأحداث التي تمور بها الساحة الدولية اليوم تنبئ بميلاد وشيك لمنظومة متعددة الأقطاب.

على مدى العقود الماضية، وقد استمر التعاون المتبادل بين القوّتين -العسكرية والاقتصادية – روسيا والصين في النمو بشكل مطرد وأقوى مما كان عليه الحال قبل عقود أو حتى إبان الشيوعية، ويُلاحظ هذا التطور في جميع المجالات: بدأً من الاقتصاد إلى المواقف السياسة المتساندة عند منعرجات دروبها الإقليمية، أو من عند منابرها الدبلوسياسية، وكذا في قضايا الملفات الأمنية. يخلق التمحور الصيني الروسي فرصاً إضافية لكلا الجانبين، ويجذب الدول المجاورة لهما وكذا الدول البعيدة جغرافياً والمتقاربة من حيث المواقف والرؤية، الأمر الذي يؤدي إلى تسريع بناء، وتعضيض هيكلة المؤسسات الساندة كمنظمة شنغهاي للتعاون، وكذلك مجموعة بريكس التي تكونت بمبادرة روسية.

إن منظومة التعددية القطبية يعد الأكثر استقراراً  – كما أسلفنا في المقالات السابقة من هذه السلسلة- وتوازناً إيجابيا، أكثر من الأحادية او الثنائية القطبية حيث ان القرارات في غالبها تتخذ لصالح الحفاظ على توازن القوى وليس للايدلوجيا التي تغلب حال النظم ثنائية الأقطاب. تعتبر حقبة الوفاق الأوربي فيما بعد الحروب النابليونية في بدايات القرن التاسع عشر، حتى حرب القرم في نهاية الخمسينيات من القرن التاسع عشر خير مثال للتعددية القطبية والتعايش السلمي.

يتعين -حتماً-على اللاعبين الدوليين على مسرح العلاقات الدولية اليوم مواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه المجتمع الدولي، حيث لم يقف مدى تهديد الأمن والسلم الدوليين عند حد التسلح والتسابق حوله أرضاً وبحراً وفضاءا، بل هناك تهديدات راهنة من خطايا المنظومة الأحادية، حيث تحورت المقاومة الى تطرف وإرهاب دولي عابر للقارات وجريمة عابرة للقارات ومخدرات لا تعرف الحدود وتغيير مناخ شره يعم، كوارث وجوائح غير ذلك من صنع البشر. كل ذلك يفضي الى أزمات في الغذاء والصحة، قد تشكل تهديداً رئيساً للأمن الدولي في المستقبل القريب.  المؤشرات جلية وآثار بعض تلك الكوارث والجوائح ستكون في المرحلة اللاحقة من عمر العلاقات الدولية تحدي وسلاح قتال ربما.

إن ملامح التعددية القطبية كمنظومة دولية جديدة في مرحلة التمحور، تمور أحداثها على مسرح العلاقات الدولية بشكل عنيف في جبهة وكثيف في جبهة أخرى، حيث عنف الحرب على أوكرايينا، وكثافة الحراك والمخاط الاقتصادي لولادة منظومات وتشكيلات اقتصادية، بعد هيمنة أحادية على المشهد الدولي قرابة الثلاثة عقود سادت فيها هيمنة الولايات المتحدة الامريكية في صنع القرار الدولي، فقد سرعت العمليات العسكرية في الحرب على أوكرايينا من عمليات تحور ونشوء أخرى حيث تتحرك الصين في وجهة، والهند تترب بهدوء نحو مصالحها، ويصارع الاتحاد الأوربي على مسرح الاحداث، في أن يكون أوربياً خالصا وقطباً جيوسياسيا. ومن المهم جداً ان نذكر انه – وبدلائل قرائن تاريخ العلاقات الدولية- فإنه ومن أجل خلق اللحظة التاريخية momentum  لميلاد واقع جديد  على مسرح العلاقات الدولية فليست السطوة او القوة الاقتصادية وحدها هي ما تحدد لحظة الميلاد تلك، بل الحرب في غالب الأمر ما تكون هي المتوجة لصناعة تلك القرارات الأممية الفاصلة في تاريخ العلاقات الدولية، وتدشين منظومة دولية جديدة، ويرى بعض خبراء العلاقات الدولية في أن الحرب شرطاً لازماً لتتويج تلك اللحظة التاريخية وتأسيس المنظومة الدولية الجديدة. فالمنتصرون وحدهم هم من يصنعون هيكلية المنظومة، وما أحداث الحربيين العالميتين وما تلت من هيكلية، الا خير دليل. الحرب على أوكرايينا حددت موقع أحد الأقطاب، وقد تكون تايوان أو أية جغرافيا رمزية أخرى ستحدد حتمية تتويج التنين الصيني. في خضم تحرك ديناميكيات تشّكل العلاقات الدولية محاور أقطابها ليس من السهل بل من غير الممكن الاستناد على ما كان يرى هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا الأسبق “الخبير الاستراتيجي الحق” في انه – ابان الحرب الباردة الأولى- في سبعينيات القرن العشرين أنه هناك حط استراتيجي واضح يفصل بين القوى الدولية ويمر ذلك الخط حتماً بوسط أوربا، أما معطيات اليوم في غمار مستهل شروق شمس الحرب الباردة الثانية فتقول انه من العسير حصر الخطوط الاستراتيجية الفاصلة، او حتى تحديد عامل مشترك. أما الفواصل الجغرافية فقد يغدو إقليم الدونباس ” Доне́цкий у́гольный бассе́йн والتي تعني حوض دونيسك للفحم الحجري ” الغني بجمهوريتيه دونيسك ولوغانسك، سيغدو حائط برلين الجديد، وستكون أوكرايينا المانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

قد بدأ اللاعبون الجدد في التأهب للمشاركة الفاعلة على مسرح العلاقات الدولية وصناعة أحداثها، ورسم ملامح المشهد القادم لهيكل المنظومة الدولية القادمة، فقد أعدت روسيا خارطة طريقها الى الواقع الجيوسياسي الجديد وأعلنتها العالم عبر تدشين  الرئيس فلاديمير بوتين لإستراتيجية السياسة الخارجية للاتحاد الروسي منذ العام 2000 وقد أكدت تلك الاستراتيجية أن روسيا ستسعى الى تأسيس نظام متعدد الأقطاب للعلاقات الدولية  حيث ذكرت” لابد من وضع خطة تؤدي الى إحلال التعددية القطبية محل الانفراد وعلى نحو يتناسب اكثر مع اتجاهات العالم الجديد”.

وعلى صعيد آخر نجد انه ومنذ العام 2018 قدمت الصين لدول الخليج -المصدرة للبترول-مشروع عقود النفط المسعرة باليوان، كآلية ضمن  جهودها لفرض عملتها وجعل انتشارها -كأمر واقع – والدخول بقوة للتداول ثم فرض الانتشار في سوق التداول المالي العالمي، وقد تعطل ذلك قليلا – لظروف الجائحة ربما- والتفاعلات السياسية الأخرى.

التعددية القطبية ودوائر الاجتذاب:
اليوم – في خضمّ مور أمواج الحرب الباردة الثانية، ووسط لهيب الحرب الساخنة في أوكرانيا، رشحت أخبار خطوات السعودية بأنها  تجري محادثات جادة مع الصين لتسعير بعض مبيعاتها النفطية إلى الدولة الآسيوية الكبيرة بعملة اليوان. رشح ذلك كخبر إقتصادي عابر في عمومه، غير أنها خطوة من شأنها أن تقلل من هيمنة الدولار الأميركي على سوق الطاقة العالمية، فهي- إن نشأت- تعتبر من ديناميكيات الحراك على مسرح العلاقات الدولية صوب نشوء القطب أو الاقطاب في ظل الحرب الباردة الثانية التي شرعت كل أدواتها والأسلحة.
في الإطار الاقليمي نجد ان الخطوة من الجانب السعودي جاءت في خضم التوتر ما بين الرياض واشنطون من ناحية، والسلوك الدبلوماسي الواصل بين طهران والرياض وجولات التباحث المتواترة والتي بلغت أربع جولات في العام المنصرم. في مقابل ذلك وبعد نشوب الحرب في أوكرايينا فالإدارة الامريكية تحاول الامساك بزمام تداعيات هذه الحرب على الاقتصاد الأمريكي، حيث كاد سعر جالون الوقود ان يتضاعف في السوق المحلي الأمريكي، وذلك بالقيام بمناورتين للاستعاضةِ بالنفط الإيراني والفنزويلي لسد فجوة النفط الروسي، فرغم معضلة مشروع قانون روبيو- المقدم من السيناتور ماركو روبيرو- الا أن الضغط سيزيد على الاقتصاد الأمريكي حتى في حالة مرور القانون ودخول النفط الصخري الامريكي بقوة الى السوق.
وتعتبر الخطوة السعودية- لو تمت- تحولاً تاريخياً،  بحيث أن الإتفاق يتم بين أكبر مصدر للنفط الخام إلى ثاني أضخم اقتصاد في العالم، لدولة متسارعة النمو الاقتصادي عامة والتقني على وجه الخصوص، بل مرشح قوي للصعود الى المركز الأول والتربع على عرش الاقتصاد، وبطبيعة الحال الاستحواذ على المركز الأول والتشكيل التلقائي لفريق الأقطاب المناوئة على مسرح العلاقات الدولية، ونهاية الأحادية القطبية الحالية، حتى تدور الدائرة المعروفة وفق نظريات العلاقات الدولية.
إن قيام هكذا علاقة مالية ما بين العملاقين الاقتصاديين الإقليميين يسكون فاتحة لتحول  في سوق التعاملات المالية ليس فقط على مستوى البترودلار فحسب، بل سيدفع كرة ثلج التحور في ميدان العلاقات الدولية الى الاندفاع بسرعة نحو أفق التعددية القطبية ، والتي قد يكون الاقتصاد معوله الأساسي.
مجموعة بريكس وقمتها القادمة:
ذاك التجمع الفريد الذي أُنشئ بعد لقاءات وزارية عدة توجت بقمة استضافتها مدينة  ايكاترينبورغ الروسية “Yekaterinburg/ Ekaterinburg / والتي عرفت ب Sverdlovsk  إبان الحقبة السوفيتية ” التقى الجمع في العام 2009 كأول قمة لتجمع – بريك- والذي يضم في عضويته دول من اربعة قارات مختلفة، وتمثل ثقافات وأحجام متنوعة، هي خمس دول من ذوات الاقتصادات الناشئة في العالم هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ومسمى المجموعة -التي في البدء كانت تُسمى مجموعة بريك – حرف أول لكل دولة قبل انضمام جنوب أفريقيا إليها عام 2010 ليصبح اسمها  BRICS “بريكس” وتعلن قدوم مولدها بشكل رسمي في 2012.

ستكون القمة القادمة لهذه المجموعة من أهم القمم ولن تسرق الأضواء وأنظار المراقبين فحسب، بل قد تكون خطوة مهمة في عملية نشوء القطب أو الاقطاب الجديدة ، وسيكون إعلان رسمي وإصدار شهادة وفاة الأحادية القطبية.
فهذه المجموعة- والتي تشكل نادي أغنياء الدول النامية- تعتبر في الوقت ذاته مجموعة صناعية جديدة، وتتميز بضخامة اقتصاداتها،،وأسواق ضخمة في الوقت ذاته،،وتبعث رسائل قوية مفادها أن المجموعة-وأكبر الدول النامية- لها خياراتها، وأنه ليست كل الطرق تقود إلى واشنطن.
تظهر قوة مجموعة بريكس ليس لمواقع أعضائها السياسية على مسرح العلاقات الدولية فحسب، بل عبر ديناميكية وتيرة النمو السريع لتلك الدول، وكذا قوتها الديموغرافية حيث تشكل مجموعة بريكس حوالي 3 مليارات نسمة بنسبة 42.1% من إجمالي سكان الكرة الأرضية، كما تتربع هذه الدول على مساحة واسعة تقدر ب 39,7 مليون كم² وهي تشكل نسبة 29.8% تقريباً من مساحة اليابسة، والأهمية الأخرى والتي تشكل عماد هذه المجموعة هو أن الناتج المحلي الإجمالي لدول البريكس تشكل دوما أكثر من 20% الناتج الإجمالي العالمي.
فدول البريكس تعتبر من الأكثر تطوراً في المجال الاقتصادي عالمياً، يدعم هذه الحجة عناصر هامة منها- مثالاً لا حصرا-  تعتبر البرازيل- عملاق أمريكا اللاتينية- من أكثر الدول التي تزود بالمواد الخام، وروسيا فهي مصدر عالمي للطاقة الكامنة والغاز، وما مأزق نورد إستريم 2 بالنسبة لأوربا عامة وألمانيا على وجه الخصوص وكذلك القمح ما ذلك الا خير دليل إثبات، أما الهند- فرغم ارتفاع نسبة الأمية- الا انها دولة نووية، ولا يستهان بقوتها و هي كذلك مصدر هام جداً لتكنولوجيا المعلومات وعمالتها المهنية المتقدمة كماً وكيفاً في هذا المجال، أما الصين فلها موقع إنتاجي وديموغرافي وتكنلوجي، متقدم ومتطور، أما العضو الأحدث في المجموعة- جنوب أفريقيا- هي مخزون تعدين مهم- نوعاً وكماً- على المستوى العالمي ، وكذلك تشكل موقع استراتيجي عالمي مهم جدا، بموقعها المتميز على المحيط الهندي والمحيط الأطلسي معا.
مجموعة دول البريكس استطاعت تجاوز كثير من الصعوبات الداخلية المعقدة والمعيقة، بإصلاحات سياسية تعين على التمكن من دخول الاقتصاد العالمي بخطى ثابتة، شكّل تدشين “بنك التنمية الجديد” التابع للمجموعة خطوة تحدي في وجه الهيمنة الغربية المالية، أضف الى ذلك المقترح الذي تم طرحه في قمة البرازيل في 2019 بتأسيس عملة إفتراضية حسابية مشتركة بين دول المجموعة لإجراء التبادل التجاري

بريكس وأخواتها – شينغهاي الأخت الكبرى:

منظمة شينغهاي للتعاون

تعمل مجموعة بريكس كذلك على تقوية التحالفات الاستراتيجية، كما هو الحال في علاقتها مع مجموعة شنغهاي، فشينغهاي تعتبر منظومة سياسية اقتصادية وأمنية في فضاء أوراسيا، وتضم بالإضافة لروسيا والصين أيضاً كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، وأوزبكستان، وإنضمت إيران في قمة سبتمبر 2021 -بعد ان كانت عضو مراقب- بعد أكثر من عقدين من نشأة المنظمة في العام 2002، وقد استضافت روسيا في العام 2015 قمة لمجموعة بريكس للدول ذات الاقتصادات الناشئة، ومنظمة شنغهاي للتعاون تعتبر مجموعة شينغهاي معول إقتصادي أوراسي داعم لمجموعة البريكس.

وبإنضمام إيران الى المجموعة بدأ الكثيرون يحسبون أن هذا التحالف – الذي يضم أيضا نصف سكان العالم تقريبا- قد يشكل حلفاً جديداً مواجهاً لحلف شمال الأطلسي NATO وقد أكدت الصين في القمة أن ” العقوبات أو الإرهاب الاقتصادي تشكل تحدياً آخر، وهي تحولت إلى أداة للمتغطرسين لفرض إرادتهم على الآخرين” عبارات هذه الجملة قد يعيد الخبراء تحليلها ومعطيات واقع اليوم.

تركز دول المجموعة- BRICS على وجه الخصوص الصين الهند روسيا-  بصورة سريعة وكثيفة دقيقة على الاستثمار التوسعي الخارجي والمشاريع الصناعية الوطنية الضخمة، لكسب مزيد من الثبات الاقتصادي والتوسع الجيوسياسي للمجموعة بإجتذاب المزيد من الدول وإغرائها بدخول النادي لإضافة وزن دبلوسياسي  أكبر على مسرح الدولية، الأمر الذي يدفع بثقل أكثر للكرة المتدحرجة نحو تشكيل واقع جديد، وتكوين قطب او أقطاب جديدة وإتساع دوائرها، رغم  ألسنة لهب الحرب الساخنة في أوكرايينا، وطقطقة الزناد الصيني،،،بيد أن أنواء وزمهرير الحرب الباردة درجاتها لاذعة.

 

د. محمد عبد الله تيراب
متخصص في العلاقات الدولية
السياسات العامة، وإدارة النزاعات
ميريلاند– الولايات المتحدة الأمريكية

 

 

 

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.