حرية … سلام وعدالة

.

الأدب بأقلام الساسة السودانيين.. هل تشفع “القضية” لعلل النصوص؟


بالتركيز على المشهد السوداني هناك شبه إجماع على أن الرعيل الأول من جيل الحركة الوطنية كان الأعظم صلة بالأدب، وأن أغلب المشغولين بالسياسة لهم علاقات وطيدة بالإبداع

الشاعر السوداني محمد أحمد المحجوب (توفي 1976) يعد الأهم بين الساسة المبدعين وكان شاعرا ومهندسا وقانونيا (الصحافة السودانية)

السياسي إنسان وقد يكون مبدعا

“ما من أحد ممسك بمفاتيح مدن الإبداع يمنح الإذن بدخولها أو يقف حائلا دون ذلك، لكن الذي لا شك فيه أن للأدب قدرته الانتقائية في خلود عمل أو ذهابه مع الريح”.

ما سبق إفادة استهلالية للناقد الدكتور مصطفى الصاوي حول ما كتبه بعض الساسة السودانيين في ضروب من الإبداع.

ويضيف الصاوي في إفادته للجزيرة نت أن “المشهد الإبداعي السوداني خلد مبدعين من أهل السياسة ولفظ بعضهم، وكانت الموهبة الإبداعية الفيصل في ذلك”.

الدكتور الصديق عمر الصديق مدير معهد البروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية في جامعة الخرطوم يرى أن أصحاب الموهبة من الساسة قد تقلل من إبداعهم أشياء أخرى، وفي رأيه أن أهمها وأكثرها شيوعا عدم إخلاصهم للإبداع، مع وجود استثناءات بطبيعة الحال.

المهتمون يلحظون جرأة عالية عند الساسة في اقتحام دنيا الأدب، الجزيرة نت سألت الدكتور صلاح عوض الله الأستاذ في جامعة الأحفاد عن ذلك، فأجاب “إصرار السياسي غير الموهوب على كتابة الأدب مرده ادعاء مزيف بقدرة السياسي على ارتياد كل الميادين، هناك من السياسيين من يتملكه إحساس القدرة على كل شيء (إحساس السوبر مان)”.

مطية الأدب

الإحساس بالقدرة على كل شيء ليس سببا وحيدا في اقتحام البعض مجال الكتابة، فبحسب إفادة الدكتور عمر محمد علي أستاذ علم النفس بجامعة الخرطوم تكون الحاجات البشرية متدرجة وفي تصاعد، وهذا شيء طبيعي، أما المشكلة فتكمن في الرغبات غير المشفوعة بالقدرة.

ويضيف الدكتور عمر في إفادته للجزيرة نت أن “النجومية التي يعيشها السياسي تغذي توقه للمزيد، لذا يحاول بعضهم الاستزادة ويرى في نجومية الإبداع مطمعا مغريا دون مكاشفة النفس وتقييم القدرات”.

ولئن كانت هناك أسباب نفسية فهناك أيضا أسباب أيديولوجية وفكرية، فسيرورة الأدب تجعل السياسي يرغب في جعل الأدب من أدواته، وفي هذا يقول الباحث محجوب دياب “يدرك الساسة قوة الأدب وتداوله بين الناس، لذلك يتوسل البعض بالأدب إيصالا للرسالة السياسية”.

ويستطرد دياب “وهم في ذلك بين مخصب للخطاب السياسي باقتباسات أدبية، وبين من يجعل الخطاب السياسي في المتن الأدبي”.

وقد أدرك كثيرون النجاح، وكان خطابهم السياسي لافتا عندما خصب أدبا بحسب ما يذهب إليه المتابعون، وهذه قدرة لا تتمتع بها الأغلبية.

وللناقد عامر الحسين توقف مع هذه الجزئية “ما يلفت النظر أن من يتوسلون الوصول إلى الجمهور في بلادنا -في الأغلب- لا يملكون موهبة الشاعر ورئيس السنغال الأسبق (سنغور) وفهم الرئيس التشيكي السابق (والأديب المسرحي) فاتسلاف هافيل، يكتبون ويفكرون بروح الناشط السياسي المتسلق جدار المعرفة بسرد أو شعر سياسي فج ومباشر وضحل”.

الناقد عامر الحسين: من يتوسلون الوصول للجمهور في بلادنا لا يملكون موهبة سنغور وفهم فاتسلاف هافيل (الصحافة السودانية)

بدوره، يشير القاص والناقد أحمد عوض في إفادته للجزيرة نت إلى أن هناك استثناءات، لكن أغلب ما كتب -وفي الفترة الأخيرة تحديدا- يتصف بالفشل، ويعزو ذلك لكونها محاولات لتطويع الأدب لخدمة السياسة.

هل تشفع القضية؟

لطالما دافع الأدب عن القضايا، ونقل نبض المجتمعات وما تعانيه، هذه القضايا التي ينبري السياسي لها دفاعا عنها ومحاولا حلحلتها.

والسؤال: هل تشفع أهمية الموضوع في ما يمكن أن يكون في النص من إشكالات فنية؟ عامر الحسين يجيب “أجيب بما قاله الشاعر الكبير شوقي بزيع في حوار سابق أجريته معه (كل قضايا العالم لا تشفع للشعر الرديء)”.

ويذهب الدكتور صلاح عوض الله إلى ما ذهب إليه عامر، مضيفا أن الضعف الفني يؤثر سلبا على القضية “لا تشفع أهمية الموضوع للضعف الفني، وأهمية الموضوع لا تبدو جلية إلا إذا جاءت في سياقات تتميز بعرض فني قوي ومتماسك”.

أما الدكتور مصطفى الصاوي فيضرب أمثلة للتعويل على القضية، لكنه يشير إلى أمر مهم قبل التمثيل “من الجيد أن ينتصر الأدب لقضية، وكثيرا ما تحرك القضايا قلم الكاتب على اختلاف تلكم القضايا، لكن المأزق يكون في التعويل عليها، وألا يكون الأدب المكتوب مقصودا لذاته”.

هناك نماذج كثيرة لأسماء سلطت الضوء على مجتمعات، وإشكالات مجتمعية، وقضايا تؤرق السودانيين بمهارة وحذق، وكانت في مستويات فنية عالية وراقية.

هذا وتحوي المكتبة السودانية عناوين كثيرة -وأكثرها روايات- تصلح مثالا لما ذكره الدكتور الصاوي الذي مثل بروايات القيادي في الحركة الشعبية أبكر آدم إسماعيل، ومبارك أردول أحد الوجوه التي حضرت بقوة في المشهد السياسي، والذي تم تعيينه مديرا عاما للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، وهو من قادة الحرية والتغيير-الميثاق.

يقول الصاوي “في الراهن الثقافي أشير لأبكر آدم إسماعيل في رواياته، وجلها عولت على جدلية المركز والهامش، على القضية أو الفكرة، وسرعان ما أخذته السياسة، وأيضا رواية (ساعي الريال المقدود) لمبارك أردول، الأقرب للمنشور السياسي والمبتعدة عن الإبداع”.

أما الكاتب والناقد أحمد عوض خضر فيقول عن سرديات عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان إنها لا صيت لها وإنها لم تحدث أثرا، مضيفا أن “الأعمال ذات القيمة الفنية تؤثر على أكثر من مستوى”.

جيل الحركة الوطنية ونصاعة المحجوب

بالتركيز على المشهد السوداني هناك شبه إجماع على أن الرعيل الأول من جيل الحركة الوطنية كان الأعظم صلة بالأدب، وأن أغلب المشغولين بالسياسة لهم علاقات وطيدة بالإبداع.

ويضيف الدكتور الصديق عمر الصديق “حفلت الساحة السياسية أيام الحركة الوطنية بالأدباء، وكانت الجمعيات ومؤتمر الخريجين منابر للشعر مثلما هي منابر للفكر والسياسة”.

ويرجع الناقد عامر محمد أحمد الحسين أسباب هذا الارتباط القوي في ذلك الجيل إلى ظروف النشأة “من المهم تذكر أن الحركة الوطنية السودانية كانت ركائزها الأولى الجمعيات الأدبية، وخلايا وعيها تكونت من جماعات الأدب والقراءة”.

ويبقى اسم الشاعر محمد أحمد المحجوب الأهم بين الساسة المبدعين، والمحجوب شاعر ومهندس وقانوني، شغل منصب وزير خارجية، كما شغل منصب رئيس وزراء، وله دواوين شعرية وعدد من الأعمال السردية، وكان مهندس القمة العربية بالخرطوم (قمة اللاءات الثلاث).

ويقدم الدكتور الصديق عمر الصديق شهادة في المحجوب قائلا “مكانة المحجوب في الأدب السوداني معروفة، وإبداعه ناصع جلي، لما فيه من موهبة صقلها صاحبها بما يلزمها من ثقافة ودربة واهتمام”، هذه الموهبة التي تحدث عنها الدكتور الصديق هي التي سماها المحجوب ذاته في كتابه “نحو الغد” نواة الأدب، ومن فقد هذه النواة فلا داعي أن يتعب نفسه ويجهد عقله وينهك قواه في الكتابة بعد المران والاطلاع على مختلف الأساليب والآراء، لأن هذا الاطلاع لا يكسبه الروح الملتهبة ذات الشرر المتطاير التي تعلو فوق صاحبها وتأتي بالبراعات وجليل الإلهام”.

ويعلق عامر الحسين على مقالة المحجوب “هذه وصية أديب كبير وسياسي عظيم، وما أحوج الأدعياء لها! إنها طاقية تناسب رؤوس الكثيرين”.

ويعلق الأستاذ محجوب دياب على تميز الرعيل الأول واختلاف المشهد عما هو عليه “لا شك أن هناك اختلافا في عطاء الساسة المبدعين، لكن علينا أن ندرك أن هناك أسماء كثيرة حاولت الكتابة وسقطت بالتقادم، فالزمان ينتقي”.

أثر السياسة في الكتابة والتلقي

الساسة في الكتابة الإبداعية ليسوا سواء، فمنهم من يتخلص من قميص السياسي حين الكتابة الإبداعية، والتي يهرب إليها من ضيق السياسة إلى براحات الأدب، وهؤلاء غالبا ليسوا من المكثرين، وإنما تتحرك فيهم روح الإبداع لمشهد أو قصة، مثل وزير الثقافة الإعلام الأسبق فيصل محمد صالح وهو يكتب قصيدة تغنت بها فرقة عقد الجلاد “يلا يا أولاد المدارس”، أو وزير التربية والتعليم الأسبق عبد الباسط سبدرات في أغنيته التي تتغنى بها البلابل (مجموعة غنائية من 3 شقيقات) وغيرهما، لكن أحيانا تكون السياسة صارخة عند الكتابة إلى الحد الذي يفسد المتعة الأدبية.

وقد تجرف السياسة الكاتب عن النهر أو على أقل الفروض تستهلكه في معارك جانبية بحسب إفادة عامر الحسين “كاتب كبير، موهوب ومثقف (عبد الرحمن منيف) رغم موهبته العظيمة أفسدت السياسة ومحاربة الخصوم كثيرا من أعماله الكبيرة، فإذا لم ينج منيف فما بالك بمن هم دونه موهبة وثقافة”.

ويبقى الأصعب الانعتاق السلس في الكتابة من قيود الأيديولوجيا، ويرى الدكتور الصاوي ذلك معيقا كبيرا عند بعض المبدعين من أهل السياسة، إذ يقول “غالبا ما تكبل الأيديولوجيا السياسي المبدع فلا يرى أبعد من أنفه”.

في أمر التلقي يؤثر ما هو سياسي بنسب متفاوتة بحسب رأي محجوب دياب “لا ينبغي أن يؤثر عند المختصين، لكنه مؤثر عند عموم المتلقين”.

الدكتور صلاح عوض الله يجعل نوع المتلقي هو القضية المحورية “يختلف باختلاف نوع المتلقي، فالمتلقي الذي يتعصب لفكر معين يتلقى العمل من خلال الفكر الذي يحكمه، مثلا كيف ينظر الإسلاميون إلى إبداع محجوب شريف الشعري وإلى إبداع روضة الحاج؟”.

ويفصّل محجوب دياب في بعض التلقي “لا يسير الأمر بوتيرة واحدة، فوزن الكاتب سياسيا وقبوله بين الناس إضافة للحالة السياسية في البلاد وقوة إبداع المبدع التي قد تعصمه من الآراء السالبة لخصومه السياسيين”.

الناجح يعرف الطريق والفشل ينادي بعضه

والمتتبع للمشهد الثقافي السوداني يرى تمدد الأثر حتى عند النقاد والمهتمين في حال غلبت عليهم النظرة الأيديولوجية، كما أن تاريخ الثقافة السودانية يشهد أن بعض الأحزاب شكلت رافعة لمبدعيها.

ساسة كثر كتبوا أعمالا لم تحقق النجاح، فيما خلدت أعمال آخرين، يختم الدكتور مصطفى الصاوي إفادته بملحوظة “الذين حققوا نجاحا إبداعيا من أهل السياسة شهدت لهم الساحة السياسية أيضا بالنجاح “ويبدو أن العكس بالعكس، فالذي لا ينجح في حقله الرئيس حقيق به الفشل في سواه، وسرعان ما سينسى الناس أنهم اقتربوا من الأدب في يوم من الأيام”.

المصدر : الجزيرة –

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.