حرية … سلام وعدالة

.

اثنا عشر عاما من العزلة.. السنوات الأخيرة للملا عمر


“إني جربتُ هذا الخراساني، وعرفت ظاهره وباطنه، فوجدتُه حجرَ الأرض”.

(زعيم الدعوة العباسية إبراهيم الإمام متحدثا عن قائدها العسكري أبي مسلم الخراساني)

كانت ليلةُ الرابع من ديسمبر/كانون الأول عام 2001 ليلة من ليالي قندهار الباردة. تقاطر الرجالُ الملتحون الملتفون في ملابسهم الفضفاضة وعمائمهم الضخمة السوداء، فدخل كلٌّ منهم بسلاحه واحتضنه، وجلسوا وسط الغرفة الواسعة المفروشة بالسجاد الملون. أسند كلٌّ منهم ظهره إلى الحائط منشغلا بتمشيط لحيته بيده، أو التحديق المتوتّر في الهواء انتظارا لدخول “أمير المؤمنين”.

بعد دقائق من الانتظار والترقُّب، دخل الرجل الصموت ذو الحضور المهيب، فتقدَّم -في سكينة- إلى وسط المجلس وجلس واضعا سلاحه في حضنه، ورفع وجهه في وجوه الحاضرين الذين يعرف جيدا ما يدور في أذهانهم. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام والولايات المتحدة تقصف أفغانستان ليل نهار، وقد بدأ نظام “الإمارة الإسلامية” ينهار، في حين تبدو المقاومة أمرا عدميا عند كثير من القادة. لكنَّ الرجال الحاضرين يعرفون صلابة زعيمهم وقدرته الخارقة على العمل الهادئ في أحلك لحظات التوتر. بدأ الملا عمر بحمد الله، ثم سأل أصحابه عمّا يرونه فلم يُجبه أحد.

ساد صمت بطيء مليء بالدلالات. كان كل واحد من الرجال الأشداء الحاضرين لا يعرف بمَ يجيب. فهذه الولايات المتحدة مزمجرة غاضبة آتية بكل سلاحها وجبروتها، ومن ورائها تحالف دولي مدجَّج بالسلاح والغضب، وهم قادةُ حركة ضعيفة محاصَرة منذ وصلت إلى الحكم. وقد تزلزلتْ قناعات كثيرة مع الزلازل اليومية التي تُحدثها قنابل التحالف الدولي الارتجاجيّة في أطراف البلاد، لكن قناعة واحدة لم تتأثر لدى معظم قادة الطالبان، وهي اعتقادهم الراسخ بثبات قائدهم، وما لديه من مدد روحي وصلابة أخلاقية تجعله لا يولي كبيرَ اهتمام للجانب المادي إذا وثِق من صواب موقفه أخلاقيا.

بعد لحظات كثيفة تجرَّأ الزعيم القبلي “الملا نقيب” وتحدَّث بعاطفة عن ضرورة الاستسلام لإنقاذ الأرواح، محتجا بأن الولايات المتحدة تقصف الناسَ صباح مساء، ولا قدرةَ لأحد على قتالها، ثم اقترح أن يتنازل زعماء طالبان عن السلطة لقادة جهاديين وزعماءَ قبليين لتجنيب البلاد مزيدا من الدمار.

الملا نقيب (رويترز)

يقول عدد ممن حضروا الجلسة إن كلمة “نقيب” بدت لهم طوقَ نجاةٍ قد أُلقي إليهم، كما كانت تعبيرا عن خواطر معظم الحاضرين(1)، فليس ثمَّة منطقٌ لرفع السلاح الآن. بدا الملا عمر هادئا كعادته رغم الحديث العاطفي القوي المطالب بالاستسلام، ثم علَّق بكلمات قليلة على رأي الاستسلام فدفنه، مقترِحا لزومَ طريق الجهاد، متأثما من الاستسلام للغزاة المغتصبين، ثم بيَّن أن على المجاهدين أن يخرجوا إلى الجبال والقرى والصحاري إذا تمكَّن الأميركيون من دخول قندهار. تحدَّث عمر دون أن يعطي فرصة لأي طريق غير النزال. توترت الجلسة، وزاد من توترها أن القصف لمكان المجتمعين مُحتمَل في أي لحظة، فالولايات المتحدة تواصل غاراتها، وتجمع المعلومات عن أي اجتماع قد يحضره قادة طالبان. وكان على الجميع اتخاذ قرار مصيري في وقت قياسي وجو متوتر، يُخيم عليه الخوف من الطائرات الأميركية.

بعد نقاش، اقترح عضو القيادة العسكرية لطالبان الملا عبد الرزاق راكتي وآخرون أن تسمح طالبان لبعض قادة القبائل المقربين منها بالعمل مع الأميركيين، ليكونوا سندا للحركة لاحقا أثناء الجهاد. لكن الملا عمر تدخَّل رافضا الفكرة، وقال: كيف نسمح لرجالنا بالعمل مع المحتلين المعتدين؟ على الأميركيين أن يُعيِّنوا رجالهم الذين سيحاربهم المجتمع بعدُ.

بعد أخذٍ ورد، تبيَّن للملا عمر أن معظم الحاضرين يرجِّحون الاستسلام. طلب ورقة وقلما وكتب تفويضا بنقل صلاحياته لوزير دفاعه الملا عبيد الله، ثم وقف والتفت -قبل خروجه من الباب- سائلا رفاقه إذا ما كانوا يفهمون دلالة قرارهم. هزَّ الرجال رؤوسَهم بالإجابة واضعين أيديهم على صدورهم، وخرج الملا محمد عمر إلى ظلام قندهار وهو يسمع أصداء القصف الذي لا يكاد يتوقف عن العاصمة الروحية لخلافته. خرج معه قادة قليلون ممن يرون رأيه في استمرار الجهاد، من أبرزهم الملا عبد الرازق نفيسي.

أحمد والي كرزاي يتحدث، وهو شقيق الرئيس الأفغاني حامد كرزاي (في الصورة على اللافتة) في قندهار.

ظل الملا عمر أياما في قندهار مشرفا على مقاتليه المشتبكين مع القوات البشتونية التي يقودها أحمد كرزاي وحامد كرزاي. لكنَّ الملا عبد الرازق نفيسي وآخرين قالوا للملا عمر إن الأميركيين سيبذلون قصارى جهدهم لاعتقاله، وإنه لا بقاء لروح الجهاد إذا اعتُقل “أمير المؤمنين” في هذه الظروف، فالحفاظ على حياته ضروري للحفاظ على جذوة الجهاد حية في الصدور.

وقد أخبرني مديرُ مكتبه يومَها سيد طيب آغا أنه ذهب إلى “أمير المؤمنين” حيث كان جالسا في المسجد لحظة قصف مطار قندهار، يقول: “جئتُه في المسجد بعد صلاة العشاء، وجلسنا نناقش ما علينا فعله لتأمينه. انصبَّ رأينا على أن يخرج للاختفاء، لكنه رفض، مقترِحا أن يظل في بيته مشرفا على الجهاد حتى الاستشهاد. وبعد أخذ ورد اقتنع بضرورة الخروج، لكنه اقترح أن يذهب إلى الجبال حيث توجد بيوت وأنفاق كنا قد أعددناها. اعترضنا أيضا على ذهابه للجبال لانكشافها أمام الأميركيين الذين يصورونها دوما، ثم اقترحنا أن يختفي في إحدى القرى، فوافق على ذلك وطلب من الجميع التفرق مثنى وفرادى”(2).

قبل سقوط قندهار بيوم واحد نهايةَ ديسمبر/كانون الأول 2001، خرج الملا عمر خفية مع مرافقَيْن واختفى عن أنظار العالم إلى الأبد، اختفى عن عيون الدنيا التي كانت تبحث عنه. فمنذ خروجه في سيارة تويوتا بيضاء صغيرة من الحواري الخلفية لقندهار؛ لم تلحظه عينُ مخبرٍ ولا التقطته عدسة قمرٍ اصطناعي.

الملا عمر

تحرَّكت التويوتا البيضاء حاملة في كرسيها الخلفي واحدا من أهمّ المطلوبين في التاريخ السياسي المعاصر. سافر الرجل، ذو الواحد والأربعين عاما يومئذٍ، الذي رصدت الولايات المتحدة عشرة ملايين دولار لمَن يُدلي عنه بمعلومات، بصحبة رفاقه يومين كاملين حتى وصلوا ولاية زابل؛ مئتيْ كيلومتر شمال شرق قندهار. كانت الطريق مخيفة لكثرة الوشايات، وانتشار المؤيدين لحامد كرزاي، الرئيس الأفغاني المؤقت، أو الباحثين عمن يُباع للقوات الأميركية. في هذه الظروف دخل الملا ورفيقاه إلى مدينة “قلعة خلجي” أو “قلاتي غيلجي”، غير أنهم ما إن وصلوا المدينة حتى تعطَّل أحدُ إطارات سيارتهم. نزلوا لإصلاح الإطار فبدأ الفضوليون يتجمعون كعادة أهل المدن الداخلية في أفغانستان.

أصلحوا الإطار عجِلين مخافةَ أن ترقبهم عينٌ أو تسمع بهم أذن، وانطلقوا بعد نصف ساعة قاصدين قرية بمنطقة سُورَيْ. كان المرافق الرئيسي للملا عمر شابا متصوفا -وفقا للمنهج الطالباني الديوبندي- يُدعى عبد الجبار عمري. وصلوا إلى إحدى القرى وبقوا أياما بمنزل رجل يُدعى شير علي، ثم تحولوا إلى بيت شقيقة الملا عمر بقرية “شنكي”، حيث بقوا أياما في ضيافتها هي وزوجها مولوي عبد الرحمن. كانت الخطة الأمنية في هذه الفترة تقتضي دوام تغيير المسكن حتى تتضح الأمور ويُرتَّب منزل مستقر للملا عمر.

بقي الملا عمر أياما في بيت أخته، ثم تحوَّل بعد ذلك إلى منزل مولوي أكرم داخل قرية شنكي. وبعد نحو أسبوع قرَّروا إخراجه من شنكي والتوجُّه إلى مدينة سوريْ، حيث استقبلهم عبد الكبير وأقاموا عنده نحو ثلاثة أسابيع. بعد ذلك كان الأخوان عبد الصمد وعبد الأحد ومعهما عبد الجبار عمري قد اختاروا المكان الذي سيتخذه الملا عمر سكنا دائما، والواقع في قرية تُدعى “خورا” داخل مقاطعة سوريْ(3).

وصل الملا عمر إلى منزل الأستاذ عبد الصمد في قرية “خورا” بمنطقة سوريْ. كان المنزل بيتا طينيا عاديا كغيره من بيوت المنطقة لا يتميز عنها بشيء. بيت ذو جدران عالية وفضاء واسع في الوسط، وحُجُرات مرصوصة في أطرافه، لكن ثمة غرفة ضيوف واسعة معزولة في طرف الحائط الشرقي بقُربها حمام خارجي للاستحمام كعادة القرى الأفغانية.

أغلق عبد الصمد الباب الرابط بين الحجرة وبقية المنزل، ثم بنى مختبأ صغيرا مُسامتا للحمام يتسع لشخصين. موَّه مدخلَ المخبأ بحيث جعله بقِصر نصف متر، ثم وضع على بابه لوحة ترويجية للعطور وأدوات الحلاقة، فإذا رآها شخصٌ ظنها لوحة دعائية في طرف الحمام توضع عليها أدوات الاستحمام التي يحتاج إليها الداخل إلى الحمام. بهذه الإجراءات البسيطة جُهِّزتْ هذه الغرفة الطينية لتكون إقامة لواحد من أشهر “المتوارين” في التاريخ(4)، ذلك الرجل الذي كان اسمه يتردد صباح مساء على وسائل الإعلام الدولية كافة باللغات كافة. ومن الموافقات الغريبة أن يتوارى الملا عمر بهذه المنطقة من مناطق سوريْ، التي تعني بالبشتونية “الظل”.

ربما اختار الملا عمر ولاية زابل لكونها تخضع واقعا لزعامات قبلية مُقرَّبة من طالبان، وإنْ كانت خاضعة رسميا للأميركيين وحكومة كابل، ثم إن لمرافقه عبد الجبار عمري صِلات قبلية قوية في المنطقة ستساعد في توفير غطاء أمني لهما عند الضرورة. وينحدر معظم سكان المدينة من فرع بشتوني يُدعى “هُتَكْ”، وهو الفرع الذي ينحدر منه الملا عمر، و”هُتَكْ” جزء من قبيلة غيلزايْ البشتونية المعروفة بشراستها وغيرتها على حوزتها الترابية وعلى حماية أبنائها من الغريب. وما زال التاريخ الحي يحفظ أن هذه القبيلة هي التي أبادت الجيش الإمبراطوري البريطاني كاملا.

ما إنْ وصل الملا عمر إلى مسكنه الجديد حتى دعا إلى اجتماع ببعض قادته الميدانيين الذين قرَّروا معه مواصلة النضال. وقد حدَّثني أمينه للشؤون العسكرية -عبد الأحد جهانغير والْ- أنه حضر هذا الاجتماع وكان في مكان غير سكن الملا عمر.

تحدَّث عمر إلى القادة طالبا منهم ألا يسلموا أسلحتهم أبدا، وإذا تحتَّم عليهم ذلك فعليهم تسليمها لرجال القبائل لا للأميركيين أو أتباعهم.

وصل القادة العسكريون للاجتماع فوجدوا عمر جالسا في طرف بيت واسع مفروش ببُسُط عادية، جلس وظهره إلى الحائط بينما كان مرافقاه يحملان أسلحة خفيفة. كان الجو باردا جدا، فظهر الملا عمر “في معطف أسود وعمامة رمادية على غير عادته، بل لعله لبسها للضرورة الأمنية، لأن عادته لبس العمامة السوداء مثل العلماء وطلاب العلم”، حسب عبد الأحد.

تحدَّث عمر إلى القادة طالبا منهم ألا يسلموا أسلحتهم أبدا، وإذا تحتَّم عليهم ذلك فعليهم تسليمها لرجال القبائل لا للأميركيين أو أتباعهم. واصل عمر حديثه وتنسيقه مع قادته بينما قُدِّمت للحاضرين كؤوس الشاي الأخضر، والمكسرات المختلفة، وبعض العصائر المحلية. وكان من بين الحضور عبد الرازق نفيسي، وكبير قادة طالبان في ولاية زابل الملا روزي خان، والملا محمد علي، وبدأ التخطيط معهم لشن هجمات على الأميركيين رغم عدد المقاتلين القليل. لم يكتفِ الملا عمر في هذه المرحلة بالتخطيط والتوجيه، بل انخرط شخصيا في مناجزة الأميركيين، غير أن القادة طلبوا منه لاحقا التوقفَ عن القتال خوفا عليه، وأقنعوه بأن غَناءَه جنديا لا يكافئ بلاءَه قائدا مُوجِّها وخزَّانا معنويا لأتباعه. نجحوا في حمله على البقاء في بيت عبد الصمد على ألا يخرج منه إلا للضرورة القصوى(5).

توارى الملا عمر داخل ذلك البيت الواقع قُرب مقر والي المدينة المعروف بعدائه لطالبان، ولم يخبر الأستاذ عبد الصمد أحدا من أسرته -غير زوجته- بهوية الضيف الذي يعيش بين أسوار منزلها، بل اكتفى بتحذير أسرته من أن هذا الضيف رجل مهم من طالبان، وأن عليهم كتمان أمره وعدم الحديث عن وجوده مع أيٍّ كان، ثم واصل عبد الصمد يومياته سائقا للأجرة في المنطقة، بينما تشابهت أيام الملا عمر وحارسه عبد الجبار.

كان عبد الصمد يغدو ويروح من منزله إلى القرى القريبة عاملا، وكان يسمع صخب العالم المتحدث عن الرجل الذي يعيش في منزله. أما عبد الجبار فكان لا يُفارق الملا عمر إلا نادرا، يتقاسمان الغرفة الواحدة وأحيانا لا يتحدثان يوما كاملا، فعمر رجلٌ صموت هادئ، دائم التفكير والصلاة والدعاء، “وهو ولي من أولياء الله”، كما يصفه عبد الجبار. كان يوزع وقته بين الصلاة والقراءة، والجلوس ساعات طويلة وظهره مُسْنَد إلى الجدار.

يحكي عبد الجبار أنه دخل عليه مرة فوجده ساكنا لا يتحرك ورأسه مسندٌ إلى الجدار وعيناه مغمضتان. ناداه فلم يُجبه، عندها خُيِّل لعبد الجبار أن مكروها أصابه، فأمسكه وهزه فاستيقظ وفتح عينيه ونهره. وبعد يوم جاء عمر إلى عبد الجبار معتذرا عن نهره إياه، مبينا أنه كان “غارقا في ملكوت الله”، متأملا السماوات والأراضين والأنجم والمجرات السابحات الدالات على قدرة الخالق، ما أفقده تركيزه ووعيه(6).

يقول عبد الجبار إنهما شعرا بأمان نسبي في هذه المنطقة خلال السنوات الثلاث الأولى من إقامتهما فيها بمنطقة “خورا” بضواحي سوري. فقد كان الحضور العسكري الغربي محدودا، ومقتصرا على كتائب تأتي من قندهار لتقوم بمهمات ليوم أو يومين ثم تعود. غير أن الوضع الأمني بدأ يتوتر ابتداء من عام 2004، حين نجحت طالبان في إعادة ترتيب صفوفها والقيام بعمليات نوعية ضد الأميركيين، وقال لي طيب آغا: “إن الهجوم الأميركي على العراق كان اللحظة التي تنفَّس فيها المجاهدون بسبب انشغال الأميركيين بالعراق. ولذا بدأت المقاومة تحتد ابتداء من عام 2003”. وعندما بدأت طالبان تنجز عمليات نوعية، بدأت المداهمات الأميركية تكثر في المنطقة حيث يتوارى عمر. ومن غرائب التاريخ أن الأميركيين اقتربوا من الملا عمر مرتين في هذه الفترة؛ إذ جاءوا مرة وفتشوا البيت تفتيشا تاما.

تروي زوجةُ عبد الصمد لزوجها أنها كانت جالسة ذات مساء تُنضج الخبز في الفرن، ففاجأها اقتحام الأميركيين للمنزل وهم يصرخون. وضعت الخبز الذي كان في يدها في الفرن وفقدت تركيزها خوفا من عثورهم على الملا عمر. تجاوزوها ودخلوا إلى البيت، ثم تجاوزوا الحجرات ودخلوا حجرته الشخصية. لكن الملا كان قد سمع أصواتهم فخرج من حجرته ودخل المُختبأ المُسامت للحمام وأغلقه عليه. أتم الجنود التفتيش ثم دفعوا الباب وخرجوا، بينما كان دخان الفرن يتصاعد بسبب نسيان زوجة عبد الصمد للخبز داخل الفرن -من شدة الفزع- حتى احترق(7).

لا أحد يعرف أكان هذا التفتيشُ بحثا عن الملا عمر، أم تفتيشا عاديا ضمن العمليات التي كان الأميركيون يقومون بها يوميا في أفغانستان. أما المرة الأخرى التي اقترب فيها الأميركيون من الملا عمر -أثناء اختفائه في هذا البيت- فقد كانت حين خرج هو وعبد الجبار من حجرتهما ليلا، فرأوا الجنود يقتربون، فركَضَا واختبآ وراء كومة حطب حتى مرَّ الجنود أمامهما. لكنَّ الأميركيين لم يكتفوا بالزيارات المتقطعة لسوريْ، بل وقع أمر مفاجئ جعل الملا عمر يفكر في تغيير موقع اختفائه.

ففي 2004، قرَّرت الولايات المتحدة بناء قاعدة عسكرية في المنطقة، فاستيقظ الملا عمر وعبد الجبار ذات يوم على أصوات المهندسين العسكريين المنشغلين بتشييد قاعدة على بُعد دقائق منهما. بعد ذلك بأيام خرج عمر ورفاقه باكرا ولسان حاله يُنشد قول بشار بن بُرْد (ت 167هـ/783م): “إذا أنكرتني بلدةٌ أو نكِرتُها * خرجتُ مع البازي عليَّ سوادُ”.

خرجوا بترتيب وتنسيق من الأستاذ عبد الصمد إلى قرية أخرى من قرى سوريْ. اختار عبد الصمد -هذه المرة- بيتا يبعد ستة كيلومترات عن الطريق الرئيسي الرابط بين قندهار وزابل، ويتألف البيت من منزل طيني كبير تسكنه أسرة، ويقع على ضفة نهر صغير، تتفرَّع منه قنوات للري التقليدي. بنى عبد الصمد خُصًّا وراء المنزل الطيني على ضفاف النهر ليكون مسكن أمير المؤمنين، لكن الملا عمر ما إنْ تعرَّف سكنَه الجديد حتى جاء الأميركيون أيضا وأسسوا قاعدة “وولفرين” على بُعد كيلومترات من خُصِّه.

تُفيد المعلومات المتوفرة عن القاعدة أنها كانت ضاجَّة بالحياة، مليئة بأصناف القوات الأميركية، كما كانت تقوم بعمليات بحثٍ وتمشيط وقتال في عدة مناطق من البلاد(8). كان جنود القاعدة ومخبروها يسافرون مئات الكيلومترات بحثا عن قائد طالباني، بينما ينام الزعيمُ الروحي لطالبان قريرَ العين قُرب قاعدتهم “ما يشي بفشل استخباراتي مُريع”(9).

بدأ الحضور الأميركي يتكثَّف في سوري عموما لارتفاع وتيرة العمليات الطالبانية، حتى إن القوات الأميركية قدَّرت يومها عددَ مقاتلي طالبان في المنطقة بألف وخمسمئة مقاتل(10)، لكن الملا عمر بقي في خُصه على ضفاف النهر. كان الأميركيون يقتربون في هذه المرحلة منه أحيانا حتى يسمع أصواتهم، ما اضطره في بعض الأحيان للنوم في قنوات الري المنتشرة على ضفاف النهر. وقد مرَّت عليه وعلى رفاقه أوقات “لا حاجز بينهم وبين الأميركيين إلا عَرْضُ طاولة”(11)، حسب تعبير مرافقه عبد الجبار.

سيد طيب آغا

روى لي عبد الأحد جهانغير والْ -نقلا عن عبد الصمد- أن الأميركيين فاجؤوهم مرة بدخول قنوات الري، فركضوا واختبؤوا في جوانب منها حتى سقطت عمامة عبد الصمد وجرفتها المياه. كان عبد الصمد آنذاك بصحبة بعض رفاقه ولم يكن بينهم الملا عمر، فأصابهم ذعر شديد خشية انتباه الأميركيين للعمامة التي جرفتها المياه، لأنها تشي بوجود رجال مختفين في القناة، لكن الأميركيين مروا دون أن يروهم أو يروا العمامة. ويروي عبد الصمد أنهم عندما أرادوا العودة من حيث أتوا -عبر القنوات التي تُشبه الأنفاق- وجدوا صعوبة في الخروج منها، حتى علَّق أحد رفاقه ضاحكا: “كأن وزننا قد زاد خلال الدقائق الماضية، أو إن الخوف خفَّف أوزاننا أثناء الهرب فلم ننتبه لضيق القنوات”.

ظلَّ الملا عمر طيلة اختفائه مشرفا على الحركة وموجِّها لها، ومتابعا للتفاصيل كافة رغم المخاطر الأمنية(12)، حسب مدير مكتبه سيد طيب آغا. يقول طيب في مقابلتي معه: “لقد كان الأمير أكثر الأمراء -الذين أتوا بعده- فعالية ومتابعة للتفاصيل حتى أثناء اختفائه، فلا تُرسل إليه رسالة إلا رد عليك. نعم، قد يتأخر الرد -بسبب الظروف الأمنية- لكنه سيرد لا محالة”. كانت صيغة التواصل بين عمر وأتباعه في هذه المرحلة بإحدى ثلاث طرق؛ فإما أن يكتب بيده ما يودّ إيصاله، أو يُسجِّل بصوته على شريط كاسيت يحمله ثقة، أو يكتفي أحايين برسالة شفهية.

في فترة اختفاء الملا هذه على ضفاف النهر الصغير، لم تتوقف الجهود الأميركية والأفغانية للبحث عنه. فقد وصلت تقارير استخباراتية إلى الرئيس الأفغاني حامد كرزاي تُجزم بوجود الملا عمر في منطقة زابل، فأخبر كرزاي الأميركيين طالبا منهم تكثيف البحث عنه في المنطقة، لكنهم لم يفعلوا لعدم ثقتهم في استخبارات كرزاي. وبعد رفض الأميركيين؛ بادر كرزاي بتوظيف أطباء وهميين للبحث عن عمر -بإشراف من أخيه أحمد والي كرزاي- لكن جهوده باءت بالفشل(13).

ولم تكن هذه حالة فريدة من توظيف الأطباء والممرضين الوهميين لجمع المعلومات الاستخباراتية عن الملا عمر وغيره من القادة الطالبانيين. فقد درج سكان المنطقة على الأسئلة الغريبة للفِرَق الطبية، ولحملات التطعيم، ما جعل الأهالي يأخذون منهم موقفا سلبيا معتبرين إياهم غطاء استخباراتيا، وقاد في النهاية إلى توقُّف معظم السكان عن تطعيم أطفالهم. وقد ذكر لي عضو المكتب السياسي لطالبان بالدوحة عبد الرحيم ثاقب أن الحكومة الأفغانية اتصلت بمكتب طالبان في قطر طالبة منهم حثَّ الأهالي على التطعيم، فردوا بأنهم سيفعلون ذلك شريطة أن تتوقف الطواقم الطبية عن الأسئلة الأمنية التحقيقية المستفزة(14). وما زال العالم يذكر أن هذه الفِرَق الطبية كانت الغطاء الذي استُخدم للوصول إلى أسامة بن لادن واغتياله في بوت آباد الباكستانية.

كان الملا عمر في فترة اختفائه يتابع إذاعة “بي بي سي” البشتونية يوميا، “وكثيرا ما يرسل رسائلَ وتوجيهاتٍ إلى الحركة بناء على خبر سمعه في الإذاعة”، حسب سيد طيب آغا. ورغم نشاطه ومتابعته للمقاومة وانخراطه في توجيه جهدها الحربي، فقد تميَّزت يومياته -في هذا الخُصّ المتواري في سوريْ- بالهدوء، حسب عبد الجبار. فقد كان كعادته صامتا أبدا إلا إذا كان يصلي أو يقرأ القرآن، ولم يستخدم طيلة هذه الفترة هاتفا، ولا اتصل على أي واحدة من زوجاته الأربع ولا أولاده الكثيرين، ولا حتى بأمه. وكان الهاتف الوحيد الذي معه هاتف نوكيا صغيرا، دون شريحة، يُسجِّل فيه القرآن بصوته ليستمع إليه أحيانا.

لا تزال الولايات المتحدة غير متأكدة من مكان وجود قائد زعيم طالبان الملا محمد عمر. (رويترز)

ولعل الحادثة التالية التي ذكرها عبد الجبار تنمُّ عن قدرة الملا على التحكم في مشاعره، إذْ يروي أنه كان جالسا معه صبيحةَ الثالث من مايو/أيار عام 2011، وكان يستمع لإذاعة “صوت أميركا” بالفارسية وهي تتحدث عن مقتل بن لادن، فسأله عمر الذي لا يُتقن الفارسية: “لِمَ يكررون اسمَ هذا الرجل؟”، فأخبره بأنهم يتحدثون عن قتله اليوم على أيدي الأميركيين في باكستان، لكن الملا عمر لم يُعلِّق بحرف واحد، بل ظل صامتا كأنه لم يسمع خبرا.

تُنبئ هذه الحادثة عن قدرة هائلة على التحكم في المشاعر وامتلاك النفس في لحظات التضعضع والتزلزل. ولعل العبارة التي وصف بها المؤرخون ثائرا آخر من ثوار خراسان تُذكِّر بمزاج الملا عمر وصلابته، فقد وُصف أبو مسلم الخراساني (مقيم دولة بني العباس) بأنه “كان لا يكاد يُقطِّب (يبتئس) في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحاتُ العظامُ فلا يظهر عليه السرورُ، وتنزل به الفادحةُ الشديدةُ فلا يُرى مكتئبا! وكان إذا غضب لم يستفزَّهُ الغضبُ”(15). ويبدو أن مزاج هذا الرجل الأفغاني الصلب كان صدى لذلك المزاج الخراساني القديم.

وهكذا تعاقبت الفصول على الملا عمر في هذا الخُصِّ المُطِل على ذلك النهر الصغير الهادئ، كما تعاقب عليه كذلك تغيّرُ أمزجة الأفغان ومواقفهم من الأميركيين وحكومة كرزاي. فابتداء من عام 2006، بدأ كثير من الأفغان يضيق ذرعا بما رآه من فساد حكومة كرزاي، ووحشية الأميركيين المُروعة بحق المدنيين. فشرع كثيرون في إعلان ولائهم لطالبان، وأمسى القرويون أكثرَ جرأة على حماية المقاتلين ودعمهم وإيوائهم وتقديم التموين لهم. وفي هذه الفترة لم يعد سرا لدى جيران الملا عمر وعبد الجبار أن ذلك البيت الطيني يسكنه أفراد مهمون من طالبان، مما جعل بعضهم يأتي بالطعام أحيانا إلى المنزل الذي يتواريان فيه(16).

تعاقبت ثماني سنوات على الرجل ذي الأنف المتوسط والشعر الكث، وهو لا يكاد يخرج من خُصه ذلك. كان عبد الجبار يسافر شهريا لزيارة عائلته ويترك الأمير رفقة عبد الصمد، أما هو فلم تلِنْ له قناة في اتباع الإجراءات الأمنية الصارمة. ولعل مواقفه الدينية من الصور والتصوير ساهمت في عدم انكشاف هويته، فلا يُستغرب أن يكون الناس العاديون رأوه مرارا دون أن يدور بخلد أيٍّ منهم أن هذا هو الرجل الذي يبحث عنه العالم.

لقد كان عمر مؤمنا بحرمة التصوير شرعا إلا للضرورة، ولذا لا توجد له إلا صور محدودة جدا، أشهرها تلك الصورة الملتقطة له أثناء تنصيبه أميرا للمؤمنين في قندهار، وقد قاطع الصحفيَّ الباكستاني الذي أخذها دون إذن منه. ويروي المبعوث الأممي السابق إلى أفغانستان الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي قصة ذات دلالة في هذا الإطار؛ فقد جاء إلى القنصلية الباكستانية في قندهار للاجتماع مع الملا قبل الغزو الأميركي لأفغانستان، لكنهما ما إن دخلا غرفة الاجتماع حتى خرج عمر بحجة وجود صورة مؤسس باكستان محمد علي جناح (ت 1948م) معلقة على الجدار. لكنَّ الباكستانيين رفضوا إزاحة الصورة لامتناع ذلك دبلوماسيا، واقترح الإبراهيمي تغطيتها بقماش فرضي الملا بذلك(17).

لا شك أن ليالي طوالا مرَّت على الملا عمر وهو غارق في تأمل سيرته ومسيرته على ضفاف ذلك النهر الهادئ داخل خُصّه الصغير، وأنه وجد خلاله الوقت الكافي لتأمل تفاصيل حياته وحياة رفاقه طيلة الأعوام الطويلة الماضية.

بدأ كل شيء في قندهار. ففي خريف عام 1994، وصل خبر فظيعٌ لأذنَيْ المُلّا محمد عمر، معلم الأطفال المغمور يومها. كان الخبر عينة من أخبار بدأت تنتشر في المدينة الأفغانية التي يتقاسمها زعماء المليشيات المتشظية من بقايا كتائب الجهاد ضد الروس. تدور القصة حول اختطاف زعيم مليشيا يُدعى “القائد صالح” لفتاتين واغتصابهما، دون أن يُثنيه أحد عن جريمته بسبب تسلُّط المليشيات وتحكُّمها في البلاد.

تحرَّكت غيرة الملا عمر فجمع 30 رجلا بحوزتهم 15 بندقية، وانطلقوا فاستخلصوا الفتاتين، وقتلوا القائد وعلَّقوا جثته على فوهة دبابة روسية مهملة في أحد شوارع المدينة. وبعد هذه الواقعة بأيام سقط مدنيون أثناء اشتباك بين قائدَيْ مليشيات متنازعَيْن على حيازة غلام لاستغلاله جنسيا. حرَّر الملا عمر ومجموعتُه أيضا الطفل وقتل مغتصبيه غيرة وديانة، لا استرزاقا وطمعا كما جرت العادة(18).

سيرتبط اسم طالبان في الإعلام الغربي لاحقا بالتضييق على النساء والضيق بهن في المجال العام، لكن التاريخ يحفظ للحركة أنها قامت في جذورها انتصارا لامرأة. وهكذا كانت هذه هي الشرارة التي أعطت طالبان سلطانا على قلوب الأهالي في منطقة قندهار التي مزَّقتها المليشيات المتشعبة من فصائل المجاهدين. بعد الحادثة بأيام، اجتمع الملا عمر وعشرات الرجال في المسجد الأحمر بسنجيسار خريف 1994(19) واتفقوا على إعلان الميلاد الرسمي لحركة طالبان.

وُلدت طالبان من رحم المجتمع البشتوني ولادة طبيعية باعتبارها إجابة عملية على الانفلات الأمني المخيف.

وُلدت طالبان من رحم المجتمع البشتوني ولادة طبيعية باعتبارها إجابة عملية على الانفلات الأمني المخيف، فلم تولد مشروعا سياسيا ذا رؤية فكرية أو سياسية متبصرة، ولا خَطَّط مؤسسوها لحكم البلاد وإخضاع بقية أفغانستان، بل كانت إجابة أمنية مجتمعية لا غير. فظهرت لتأمين الممتلكات والأرواح والشوارع والأسواق وحفظ الأعراض في مجتمع قبلي محافظ، ثم إنها نبتتْ في بيئة يحترمها الأفغان وهي بيئة المدارس الإسلامية، وحمل رسالتها شيوخُ المدارس في بلد “للعلماء فيه شأن عظيم”(20) كما يقول جمال الدين الأفغاني.

ولذا ما كادت بذرتها الأولى تظهر حتى بدأت الأحياء في قندهار تستدعيها وتُسلِّمها مفاتيحها تباعا. كان أول عمل ينتظر الحركة الوليدة هو محاولة السيطرة على بعض نقاط التفتيش المنتشرة في كل ركن، وكانت نقاط التفتيش هذه مكانا للرعب؛ حيث يبتز المسلحون المُشرِفون عليها المارة، أو يعتدون على أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم. فهاجمت الحركة عدة حواجز يسيطر عليها قادة مليشيات، وبدأت تغنم السلاح والعتاد بعد أن كان قادتها لأسابيع لا يملكون إلا دراجة نارية واحدة تبرَّع بها الملا عبد الستار أخوند، وكانوا يسمونها “دبابة الإسلام”(21).

أمَّنت الحركة في أسابيعها الأولى المناطق التي استولت عليها ولم تطلب مالا من أحد، وأصبح البشتون يأمنون على بناتهم أنْ يسرن في الشارع لأول مرة منذ فترة طويلة. وهكذا قاد هذا الأسلوب إلى احتضان شعبي هائل لحركة الملا عمر ورفاقه. ولعل القصة التالية التي يوردها عبد السلام ضعيف -أحد مؤسسي الحركة- دالة على عمق الترحيب الذي لاقته من مجتمعها، يقول: “ذات يوم وصل أحد الرجال إلى الحاجز يجر كيسا من المال خلفه. قدَّمه لنا ففتحناه وبدأنا نعد النقود. فاق المبلغ التسعين مليون أفغاني (عملة أفغانستان)، وهو مبلغ خيالي في تلك المرحلة لم نكن نحلم بالحصول عليه. أدهشنا سخاء الرجل، وعرضنا عليه وصلا بالأموال التي تبرع بها، والمعروف الذي أسدى لنا. رفض الرجل قائلا: تبرعتُ بهذا المال لوجه الله تعالى وحده، ولا أريد لأحد أن يعلم بما صنعت. لا حاجة لي بوصل، ولا أرغب في الإعلان عن اسمي”(22).

بعد فترة وجيزة من ظهور طالبان ونجاحاتها المفاجئة، بدأت باكستان تدخل على الخط مستثمرة فيها، وكانت إسلام آباد مسكونة سياسيا بهاجسَيْن أساسيين: تريد طريقا تجاريا مفتوحا لوسط آسيا، وهذا أمر مستحيل مع غياب الأمن داخل أفغانستان لكون الطريق المؤدي إلى وسط آسيا يمر كله عبر الأراضي الأفغانية. أما الهاجس الثاني فهو سعي باكستان لوجود حكومة بشتونية في كابل، تُعين على احتواء البشتون الباكستانيين. ولهذا السبب وحده ظلت طيلة الفترة الماضية تدعم الزعيم البشتوني قلب الدين حكمتيار الذي كان أحد كبار قادة الجهاد الأفغاني، لكنه فشل فشلا ذريعا في دخول كابل التي ظل يمطرها بالصواريخ دون فائدة عسكرية(23).

ما إنْ ظهرت طالبان قوة فتية حتى أصبحت مُنقذا لسياسة باكستان في جارتها الشمالية، فهي قوة يمكن التعامل معها بسبب الوجود البشتوني في باكستان المنعكس في كون نحو 20% من قوام الجيش الباكستاني من البشتون. وقد سهَّل مهمةَ التعاطي الباكستاني مع طالبان كون أعداد هائلة من مقاتلي الحركة أبناء للاجئين أفغان في باكستان. كما ساهم زعيم جمعية علماء الإسلام الباكستانية مولانا فضل الرحمن في ترطيب العلاقة بين الطرفين، إذ كان له صِلات ودية بقادة الحركة الذين درس كثير منهم في مدارسه المنتشرة شمالي وشرقي باكستان، حتى إن وزير الداخلية الباكستاني ظهر مفتخرا بعلاقات إسلام آباد بالحركة قائلا إن قادتها ما هم إلا “فتياننا”(24). غير أن قادة الحركة الوليدة ما فتئوا يُصِرّون على استقلالهم عن باكستان، مؤكدين -في كل طور- استقلال قرارهم السياسي والعسكري، وقد برهنوا على ذلك في جميع المنعرجات السياسية التي واجهتهم في آتي الأيام.

وهكذا راقب العالم مستغربا سرعةَ تقدُّم الحركة الوليدة التي استطاعت -خلال أسابيع من ظهورها- السيطرة على ثاني أكبر مدن البلاد، دون خسائر عسكرية ذات بال، ثم واصلت الزحف على المدن واحدة تلو أختها؛ بالصلح حينا والحروب أحايين. لكن الحركة وجدت نفسها في مأزق وهي على أعتاب كابل بداية 1996، فدخول العاصمة يعني تحوُّلها من حركة إلى دولة، ومن مبادرة لبسط الأمن إلى حكومة مسؤولة عن إدارة بلد كامل. وهذه حال تفرض على الحركة البتَّ في أسئلة إدارية لم يفكر فيها قادتها قط، ولا خطَّطوا للتعاطي معها يوما.

في نهايات مارس/آذار 1996، دعت الحركة 1200 فقيه إلى مؤتمر للعلماء في قندهار. تقاطر الرجال المعممون ذوو اللحى الطويلة -من شتى أرجاء البلاد- على هذه المدينة الباردة الجافة، لبحث مستقبل البلاد والبت في قرارات مصيرية. مرَّت أيام من المباحثات والنقاشات الطويلة التي حاول فيها المؤتمرون الإجابة عن أسئلة محورية: هل يحق للحركة إعلان الجهاد على حكومة كابل التي يقودها الزعيم الطاجيكي برهان الدين رباني (ت 2011)؟ وما الحكم في تعليم النساء والسماح لهن بالعمل؟

لم تنجح مباحثات هذا العدد الهائل من الشيوخ في التوصل إلى رأي موحد؛ فخطر للملا عمر أن يبحث عن أداة توحيد تساهم في جمع الكلمة على رأي واحد. وساعتها، تذكَّر خرقة محفوظة داخل صندوق ذهبي على بُعد عدة كيلومترات من مكان الاجتماع.

كان قاري شوالي جالسا على كرسيه عند مدخل المسجد القديم وسط قندهار، حارسا ذلك السر الذي ورث حراسته عن أجداده منذ أكثر من مئتين وخمسين عاما، وفجأة لاحظ دخول ضيف غريب إلى المسجد. تأمل قاري الرجل الطويل النحيف الذي يتقدَّم جهته. كان الرجل المُمَتَّعُ بإحدى عينيه(25) يمشي هادئا لا يكاد يطأ الثرى مهابة. ردد شوالي بصره في الرجل القادم ثم تأكد أنه -دون شك- زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر، فتلقاه مُرحِّبا. وقف الملا عمر، وصمت ثواني قبل أن يتكلم -على عادته المعروفة- بنبرة خافتة:

  • – لقد اغتسلتُ وتعطرت ولبست ملابس جديدة، فأتمنى أن تسمح لي برؤية العباءة النبوية الشريفة.
  • – امتقع لون شوالي، فهذه أول مرة يُطلب فيها إخراج البردة منذ ستين عاما. غمغم شوالي ثم قال:
  • – لكني ومساعدَيّ لم نغتسل ولم نتعطر، فهلا عدت وقتا آخر؟

اتفقا على موعد محدد لعودة الملا عمر. وبعد أيام عاد رفقة رجاله، وما إن وصل حتى بدأت إجراءات فتح المزار، فحافظُ المزار لا يفتح عن البردة إلا رفقة مساعدَيْه الاثنيْن، حسب الأصول المتفق عليها منذ قرنين ونصف قرن. كانت هذه العباءة النبوية -على ما يعتقده الأفغان- هدية من أمير بخاري للأمير الأفغاني أحمد شاه دوراني (ت 1772م)، ومنذ تلك اللحظة وهي تُتوارث باتفاقيات مجتمعية لا تنخرم أبدا.

يروي شوالي -فيما بعدُ- مشهد أخذ الملا عمر للعباءة في مقابلته مع نيويورك تايمز، فيقول: “عندما دخل الملا إلى المزار ووقعتْ عينه على البردة ارتعد! وعندما أراد الصلاة أخطأ القبلة -لشدة ارتباكه- فاتجه جنوبا، فأمسكته ووجهته جهة مكة”(26).

أخذ الملا عمر البردة ثم أعلن -عبر إذاعة “صوت الشريعة” التابعة لحركته- دعوة الناس لرؤية بردة النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا تقاطر الناس من عدة مدن آتين لرؤية العباءة التي لم تخرج طيلة المئتين والخمسين سنة الماضية إلا مرتيْن؛ يوم حاول الملك أمان الله خان (ت 1960م) حشد القبائل للقتال، ويوم انتشر الوباء في قندهار عام 1939(27).

وفي صباح الرابع من إبريل/نيسان 1996، أطلَّ الملا محمد عمر من فوق سقف بناية بينما كان العلماء المؤتمرون ينظرون إليه. وقف وبدأ يتحدث وهو ملتف بما دُعي عباءة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رفعها ليراها الناس، فارتفعت الأصوات، وسُمع النشيج في أطراف المكان، ورمى رجالٌ عمائمهم وطواقيهم في محاولة لملامسة بعض ملابسهم لملابس النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ارتفعت الأصوات صارخة: أمير المؤمنين! أمير المؤمنين!

ومنذ ذلك الصباح في ربيع عام 1996 سيُعرَف الملا عمر بلقب “أمير المؤمنين”. فمع أن بعض المقربين منه كانوا يدعونه به قبلُ، فإنه لم يُرسَّم إلا عندما هتفت به تلك الحناجر، وقد أشرف عليهم من المبنى وعلى كتفيه العباءة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

لم يكن هذا هو المشهد الوحيد الذي نجح فيه الملا عمر في توحيد حركته وتحديد بوصلتها. فلعل من أهم العناصر التي ساهمت في تماسك الحركة، ووضوح بوصلتها، وصلابة مواقفها في اللحظات الحرجة، ذلك الزعيم الذي قادها منذ النشأة. فمنذ ظهور الحركة كان ذلك الرجل الطويل النحيل عاملَ توحيدٍ وصلابةٍ طيلة فترة زعامته الممتدة تسعة عشر عاما.

لم يتميز الملا عمر بشيء تميُّزه بالصلابة الشديدة، والإيمان العميق الذي لا تؤثر فيه الأيام والأحداث، فمنذ عرفه رفاقه شابا متحمسا في التاسعة عشرة من عمره لم تفارقه خاصية من تلك الخصائص. فعندما غزا السوفييت أفغانستان في 25 ديسمبر/كانون الأول عام 1979، التحق الملا عمر بالجهاد ولمّا يُكْملْ عامه العشرين، فاشتهر بالبسالة الميدانية حتى إنه عندما فقد عينه في القتال سرتْ شائعة بين المجاهدين تقول إنه اقتلعها -غيرَ آبهٍ- لحظة إصابتها وواصل الجهاد.

هذه الخصائص النفسية هي التي رشَّحته للزعامة بين رفاقه؛ فما هو بعالِم، ولا بمُتحدِّث آسِر، ولا بمنحدر من أسرة حكم. فقد كان والده معلما بسيطا، توفي عنه صغيرا فربّاه عمه الذي تزوج أمه كما هي عادة البشتون. وقد سألتُ شخصياتٍ ممن احتكّوا بالملا عمر -في ظروف مختلفة وأزمانٍ متطاولة- عن أسباب زعامته وسر جاذبيته، فاتفقوا على صفات ردوا إليها أسباب تعلُّق مرؤوسيه به، فقد قال لي شير محمد عباس نائب رئيس المكتب السياسي لطالبان: “إن الأمير كان رجلا عاديا غيرَ مثقف ولا خطيب، لكنه كان تقيا زاهدا، ومجاهدا باسلا. كان يكره المظاهر الزائفة والأبهة، ولذا عاش أيام زعامته دون بروتوكول، كما كان يضيق بالألقاب، فكانت ميزته في إخلاصه وإيمانه وصدقه”(28). وقد وصفه أبو حفص الموريتاني بالصفات ذاتها في مقابلة لي معه(29).

تميَّز الملا عمر مع صلابته بالرفق واللين مع رفاقه، فقد قال لي عبد الأحد جهانغير والْ: “عملتُ معه ست سنوات ما رأيته يقسو فيها على أحد قط، ولا رأيته غاضبا لأمر شخصي. فما كان يغضب لنفسه أبدا، بل يقتصر غضبه على الأمور التي يراها مخالفة للدين والأخلاق”، ثم انفتحت أسارير عبد الأحد وقال: “لقد كان يأكل معنا ولا يتميز عنا بطعام ولا بمجلس، كنا نمزح معه ونلعب ونتشاتم بين يديه وهو لا يزيد على التبسم”. كان من الأسباب التي مهَّدت لزعامة الملا عمر أنه لم يتلوَّث بما تلوَّث به معظم قادة الجهاد بعد سقوط كابل وخروج الروس منها، فقد دخل زعماء المجاهدين إلى كابل وخاضوا -فيما بينهم- حربا ضروسا دمَّرت المدينةَ وحوَّلتها إلى ركام ابتداء من عام 1992. وفي هذه الفترة -التي تصارع خلالها المجاهدون على الغنائم والسلطة في كابل- وضع الملا عمر سلاحَه، وابتعد منشغلا بتدريس الأطفال في ضواحي قندهار. ولعل عدة مواقف في حياة عمر تبين خاصيتَيْ الإيمان والصلابة اللتين تميَّز بهما، ربما يكون أصعبها هو ذاك الذي واجهه نهايات 2001.

أعلنت الولايات المتحدة بُعيد هجمات 11 من سبتمبر/أيلول 2001 أن أسامة بن لادن يقف وراء استهداف أراضيها، وقدمتْ رسالة واضحة على لسان رئيسها جورج بوش الابن تُخيِّر كابل بين تسليم بن لادن ومواجهة حرب ماحقة. ويروي مسؤول الإعلام في حركة طالبان عبد الحي مطمئن أصداء الرسالة الأميركية داخل دوائر الحركة، فيذكر أن الملا عمر اتصل بأسامة بن لادن وطلب منه إدانة الهجمات في بيان، خاصة أن أسامة كان قد تعهَّد للملا عمر بعدم مهاجمة أي جهة خارجية انطلاقا من أراضي أفغانستان. أصدر أسامة بيانا يُدين فيه الهجمات لكنه يُعبِّر عن سعادته بها، وهو ما أزعج الملا عمر(30). دعا الملا -بعد ذلك- إلى اجتماع مع مستشاريه، طالبا سماعَ آرائهم، ثم كلَّف لجنة شرعية بدراسة المسألة وتقديم قرار فيها يتكئ على الشريعة الإسلامية.

وهكذا اجتمع العلماءُ في كابل يومين لمدارسة تسليم بن لادن، ثم خرجوا بقرار مؤلف من نقطتين: ستعرض طالبانُ على بن لادن الخروج طواعية إلى بلد ما، وإذا غزا الأميركيون البلاد وجب القتال. وما إن صدر القرار حتى بدأت الوفود المطالبةُ بتسليم بن لادن تتوافد على قندهار، لكن عمر ظل متشبِّثا بقرار الهيئة الاستشارية، مقتنعا بأن لا مسوغ أخلاقيا أو إسلاميا أو إنسانيا لتسليم لاجئ مسلم لقوة كافرة باغية(31).

بعد الحكم الشرعي في أمر بن لادن؛ حاول مقربون من الملا عمر إقناعه بتسليم الرجل حماية لبلده وحكومته، لكنه رفض ذلك رفضا باتا محتجا بأن المروءة والدين يمنعان إسلام (تسليم) اللاجئ، فقد قال في مقابلته مع صوت أميركا: “أنا لا أستطيع تسليم لاجئ؛ فالمسلم لا يسلِّم مَن لجأ إليه واحتمى به حتى لو كان كافرا. ولو احتمى بك عدوك فعليك حمايته كذلك(32)”.

لكن الجهود لم تتوقف، فبدأت الوفود تترى على قندهار محاوِلة إقناع “أمير المؤمنين” بتسليم بن لادن. ومن أشهر الوفود التي وصلت قندهار البعثة السعودية برئاسة رئيس المخابرات السعودية السابق الأمير تركي بن فيصل، فقد وصل الأمير إلى قندهار وجرى لقاء عاصف بينه وبين الملا عمر في مقر الولاية. وصل السعوديون وأخذوا مجالسهم منتظرين دخول الملا عمر، ثم تحلَّقوا هم ومضيفوهم الأفغان في أطراف المجلس المستطيل، بينما وُضع الشاي الأخضر والفواكه والمكسرات على سفرة وسط المجلس، وانشغل الرجال بتناول الشاي والمكسرات انتظارا لقدوم الملا عمر.

ما إن وصل الملا وتبادل التحية مع الأمير تركي حتى دخل رئيس المخابرات السعودية في الموضوع:

  • جئت لأتسلَّم منكم أسامة بن لادن، فهو إرهابي دولي، وقد دبَّر قبل أيام هجوما على سفيرنا لديكم أثناء عودته من كابل إلى بيشاور، ثم إنك وعدتني بتسليمه إليَّ في لقائنا الأول.

كان الملا عمر مائلا جهة الحائط مسندا رأسه قليلا، فقال:

  • أولا، أنا لم أعدك بتسليمه، وإنما قلت إنني أتوقع منكم تزويدي بأدلة ملموسة حتى أعرضها على القضاة والمختصين، فإن كانت الأدلة تُثبت ضلوعه قمنا بما يجب، وإن كانت غير ذلك عرفنا أن الأمر غير صحيح.

قبل إكمال الملا عمر لحديثه قال تركي:

  • أنت وعدتني بتسليم هذا الإرهابي، وعليك الوفاء بوعدك، فالمسلم لا ينقض عهده.

عاد الملا متحدثا بهدوء كعادته:

  • قلت إني لم أعدك بذلك، وهذا الرجل لاجئ عندنا، وهو رجل مسلم مصونُ الدم، ولا يجوز لنا تسليم لاجئ عندنا دون وجود أدلة دامغة تبرئنا أمام الله وأمام ضمائرنا.

قاطعه تركي الفيصل محتدا:

  • أنت وعدتني بتسليمه إليَّ، وعليك الوفاء بوعدك، أين الوفاء بالعهود؟

اعتدل الملا في جلسته، وصوَّب نظراته إلى عينَيْ تركي، قائلا بصوت مرتفع والغضبُ بادٍ عليه مع رعدة خفيةٍ في طرف شاربه لا يلاحظها إلا العارفون به:

  • قلت لك إني لم أعدك بتسليمه؛ فأنا رجل مسلم أفي بالوعد وأعرف معنى العهود. وهذا الرجل الذي تصفه بالإرهابي لا يعرفه الأفغان. فالأفغان يعرفون رجلا جاهد معهم بماله ودمه عندما جاءهم الغزاة السوفييت، فلعلي إن سلَّمتُ هذا الرجل سيثور عليّ الأفغان ويقولون: كيف تسلم رجلا مسلما جاهد معنا وشاركنا ماله ودمه إلى الأميركيين ليقتلوه؟

التقط الملا أنفاسه قليلا وسط وجوم الجميع وواصل:

  • ثم إني سائلُك: ألا تستحي من أن تأتي من أرض الحرمين محاولا تسلُّم مواطن من مواطنيك، مطارَدٍ لاجئٍ كيْ تسلمه إلى دولة أجنبية؟ أنت عربي! والصحابة العرب هم الذين أوصلوا الإسلام إلى أكناف العالم وهم حفاة عراة على ظهور خيولهم. وأنت الآن تأتي من بلادك تطلب تسليم هذا المسلم لتسلمه إلى الكفار! أنت لستَ ممن يستحق النسبة لأولئك العرب المغاوير الفرسان، كيف يسمح لي ضميري أن أربط يدَيْ أسامة وأيادي زوجاته وأطفاله وأسلمهم لك؟ هذا ما لا يرضاه ديني ولا إيماني ولا مروءتي ولا عادات قومي، أنتم ترتعدون خوفا من الأميركيين وليست عندكم نخوة! لستم أحفاد الصحابة قطعا.

ما إنْ نطق الملا عمر العبارة الأخيرة حتى وقف تركي:

  • لقد أهنتني وطعنت في نسبي وأهنت عائلتي!

ثم رفع يده مودعا وخرج(33).

لم تُفلح كل الوساطات اللاحقة في تسليم الملا عمر لضيفه رغم المخاطر المحدقة، وإخلالِ أسامة بن لادن بشروط الإقامة التي تعهَّد بها سابقا لطالبان. لقد كان عمر مقتنعا بوجوب حماية أسامة من منطلق الدين والفروسية، وكان راضيا بأن يفقد سلطانه وحكومته مقابل الوقوف عند ما يراه حقا وأخلاقا. ولم ينقل عنه أيٌّ ممن عايشوه -في سنوات اختبائه الطويلة- ندمَه على ذلك القرار حتى وافاه الأجل.

ربما كان من أسباب عدم الكشف عن مكان الملا عمر ثقةُ الاستخبارات الأميركية بفراره إلى باكستان، إذ كانت واشنطن مقتنعة بأن الرجل محمي في منزل تابع للاستخبارات الباكستانية، بل إن أحد كُتَّاب مجلة “نيويوركر” قام بتحقيق صحفي قبل عام واحد من وفاة الملا عمر، تحدَّث فيه مع اثني عشر مسؤولا أمنيا أميركيا فأجمعوا كلهم على أن الملا عمر “تحت ما يشبه الإقامة الجبرية في باكستان”(34)، بل إن القدرة الفائقة لطالبان في إخفاء زعيمها برزت في مواصلة الأميركيين الحديث عن وجوده في باكستان مدة عامين بعد وفاته. فعندما أعلنت الحكومة الأفغانية وفاته، صرَّح مدير وكالة الاستخبارات المركزية حينها ديفيد بترويس بأنه لا يشك في أن الملا توفي بباكستان، وأنه كان موجودا بمنطقة كراتشي، ويرجح أن يكون توفي بأحد مستشفياتها(35).

ومن الطريف أن الحركة لم تنجح فقط في إخفاء الملا عمر حيا عن أعدائه، بل نجحت كذلك في إخفاء وفاته عن أعدائه وأتباعه معا. فعندما توفي الرجل اجتمع القادة وناقشوا إعلان وفاته، ثم رأوا أن يبقوا الخبر سرا، مما تسبب في تململ داخلي قوي قاد إلى انشقاقات محدودة في قيادة الحركة(36).

لكن الحقيقة اليقينية اليوم -المتحصلة من مقابلات مع المقربين من الرجل، ومما أعلنته الحركة واقتنعت به واشنطن والحكومة الأفغانية السابقة- هي أن الرجل لم يطأ أرض باكستان طيلة فترة اختفائه، ولا قبِل التفكير في الذهاب إليها لحظة. فلم يكن يثق في باكستان، وكان حريصا -أيام سلطانه- على الابتعاد عنها، حساسا من تأثيرها على الشأن الأفغاني. وهكذا ظل ذلك الرجل لغزا لم تستطع واشنطن ولا عملاؤها حلَّه حتى بعد عامين من وفاته(37)، ناهيك أن يعلموا مكان وجوده إبان اختفائه الطويل(38).

في مطلع عام 2013، بدأت صحة الملا عمر تتدهور، فبدأ يكح كحة متواصلة، كما ظهرت بثور على أماكن مختلفة من جسده الذي بدأ يذوي من كثرة الجلوس داخل الأماكن المغلقة([6]). اقترح عبد الصمد وعبد الأحد وعبد الجبار مرارا على الملا أن يصحبوه إلى مستشفيات داخل باكستان، لكنه رفض رفضا قاطعا، ثم أسرَّ لعبد الجبار بأنه واثق من أن هذا هو مرض موته، وفي 25 من إبريل/نيسان 2013، ارتقى إلى جوار ربه.

قام عبد الجبار والأخوان عبد الصمد وعبد الأحد بدفنه ليلا في مقبرة قريبة من مكان وفاته دون إشعار أحد، ثم تحرَّك عبد الجبار مسرعا إلى مدينة كويتا ليخبر زعماء الحركة، حاملا نبأ رحيل واحد من أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ أفغانستان المعاصر. ففي ذلك المساء، وبعيدا عن أنظار العالم ووكالات الأنباء، هوى حَجرٌ آخر من أحجار أرض خراسان، اسمه الملا محمد عمر.

_____________________________________________

* للتوسُّع أكثر يمكن مراجعة كتاب “حجر الأرض: صراع الغزاة والحماة في أفغانستان” للكاتب.

  1. حضر هذه الجلسة كثيرون منهم الملالي: عبيد الله أخوند، وعبد الغني برادر، وعبد الرزاق نفيسي، وأمير خان حقاني، وأختر محمود منصور، وعبد الواحد رئيسي باغران، وملا نقيب. انظر تفاصيلها في: Abdul Hai Mutma’in, Taliban: A Critical History from Within, (Berlin: Alle Rechte vorbehalten, 2019) 206.
  2.  من مقابلتي مع أمين الشؤون العسكرية للملا عمر، عبد الأحد جهانغير والْ.
  3. Bette Dam, The Secret Life Of Mulla Omer, Zomia Center, n.p: n.d, 15.
  4. من غرائب الأقدار أنه يوجد في التراث الإسلامي كتاب بعنوان “كتاب المتوارين” يرصد حياة شخصيات اختفت وتورات هربا من السلطات. ومن المصادفات أن الفقيه الشهير -العصي على التطويع- سعيد بن جبير توارى نفس المدة التي تواراها الملا عمر. انظر: عبد الغني الأزْدي، كتاب المتوارين، (بيروت: دار القلم)، 1410ه.
  5. هذه التفاصيل رواها لي أمينُ الملا عمر للشؤون العسكرية عبد الأحد جهانغير والْ نقلا عن عبد الصمد. رواها لي يوم 05 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
  6. retrieved on 05 October, 2021, at 7 Am GMT.) infantry- mountain operation
  7. Bette Dam, The Secret Life Of Mulla Omer, 5.
  8. Brian F. Neumann and Colin J. Williams, The U.S. Army in Afghanistan Operation Enduring Freedom May 2005–January 2009, (WASHINGTON, D.C: CENTER OF MILITARY HISTORY
  9. UNITED STATES ARMY), 2020, 14.
  10.  Bette Dam, 10.
  11.  ذكرت الصحفية الهولندية بتي دام -نقلا عن عبد الجبار عمري- أن عمر “كان منعزلا عن العالم فترةَ اختفائه كلها، ولا صلة له بأي شيء إطلاقا، ولا دخل له في أي مقاومة أو توجيه. بل كان شغله الوحيد البقاء على قيد الحياة والصلاة وقراءة القرآن والحديث”. وهذا غير دقيق حتما كما تبينه مقابلاتنا مع المقربين منه، وكما يثبته الكتاب الذي ألفته حركة طالبان عن حياته.
  12. Bette Dam, 10.
  13. مقابلتي مع عبد الرحيم ثاقب يوم 05 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
  14. شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، (القاهرة: دار الحديث)، 1427هـ-2006م، 6، 220.
  15. من مقابلتي مع عبد الأحد جهانغير والْ السكرتير العسكري للملا عمر.
  16. أحمد زيدان، صيف أفغانستان الطويل: من الجهاد إلى الإمارة، (بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر)،2021، 365.
  17. Ahmed Rashid, Taliban, Militant Islam, oil and Fandamantalism in Central Asia, (Yale University Press), 2000, 25.
  18. عبد السلام ضعيف، حياتي مع طالبان، (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر)، دون تاريخ، 147.
  19. الأفغاني، تتمة البيان، 15.
  20. عبد السلام ضعيف، حياتي مع طالبان، 151.
  21. عبد السلام ضعيف، حياتي مع طالبان 152.
  22. Ahmed Rashid, Taliban, 26.
  23. Rashid, Taliban, 29.
  24. هذه هي العبارة المحببة في اللغة العربية لوصف من فقد إحدى عينيه، فهي تستخدم أدبا بدل كلمة “أعور”. أما العبارة المترجمة “ذي العين الواحدة” فتجنبناها لعجمتها.
  25. انظر المقابلة في نيويورك تايمز يوم 19 ديسمبر/كانون الأول، 2021.
  26. Rashid, Taliban, 20.
  27. من مقابلتي مع شير محمد عباس ستانكزاي يوم 27 سبتمبر/أيلول 2021.
  28. هو محفوظ ولد الوالد، المشهور بأبي حفص الموريتاني. كان مقربا من الملا عمر. وقد وضعت الولايات المتحدة 25 مليون دولار على رأسه بعد أحداث 11 من سبتمبر/أيلول، لكنها تراجعت عن ذلك بعد علمها أنه كان ضد هجمات 11 من سبمتمبر.
  29. Abdul Hai Mutma’in, Taliban: A Critical History from Within, (Berlin: Alle Rechte vorbehalten), 2019, 186-187.
  30. Abdul Hai Mutma’in, Taliban: A Critical History from Within, 187.
  31. The man who wouldn’t hand over bin Laden to the U.S. ( retrieved on 07 November, 2021).
  32. اعتدمت في هذه التفاصيل كلها على مقابلتي مع عبد الأحد جهانغير والْ الذي كان موجودا طيلة الجلسة. وقد أجريت معه المقابلة 05 أكتوبر/تشرين الأول، 2021. كما توجد بعض تفاصيل أخرى في كتاب عبد الحي مطمئن السابق ذكره. أما رواية تركي الفيصل للجلسة فموجودة على يوتيوب على هذا الرابط .
  33. Looking for Mullah Omar
  34. يمكن الاستماع لتصريح ديفيد بترويس على هذا الرابط (أخذ الرابط يوم 01 نوفمبر/تشرين الثاني 2021)
  35. من مقابلتي مع أحد زعماء الحركة فضل عدم نسبة الخبر إليه.
  36. Mullah Muhammad Omar, Enigmatic Leader of Afghan Taliban, Is Dead
  37. Mullah Muhammad Omar’s Life Ends With Little Clarity
  38.  البثور ذكرها لي سكرتيره العسكري جهانغير والْ نقلا عن عبد الصمد
المصدر : الجزيرة — أحمد فال الدين

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )



اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.