حرية … سلام وعدالة

.

إختلال القضاء والأجهزة العدلية السودانية منذ إنقلاب 25 أكتوبر 2021م


لماذا الإعتداء المتكرِّر على اتحاد المحامين السودانيين من فلول النظام السابق ؟
وقع عدوان سابق وقريب على مقر اتحاد المحامين السودانيين شارع 61 العمارات قبل فترة،
. المحاماة فى السودان مهنة مستقلة تديرها نقابة/ إتحاد المحامين السودانيين،
. والمحاماة مهنة مُهِمَّة أهم أهدافها حماية إستقلال القضاء، وسيادة حكم القانون،
. المحاماة هى مهنة الأصل للقانونيين وتشكل المدخل والمخرج للمشتغلين بالقانون،
. مهنة المحاماة هى ضلع أساس فى منظومة العدالة، وركن مكين من القضاء، فى معنى هيئة المحكمة، وعندما تنقعد المحكمة أول ما يقوم به القاضى/ة هو تسجيل حضور أطراف المحكمة، فتنعقد المحكمة كهيئة وشراكة بين أطراف ثلاثة، القاضى، هيئة الإتهام/ الإدعاء، وهيئة الدفاع .. والثلاثة أضلاع تشكِّل المحكمة،
. ثمَّ أنَّ المحامين يسجلون ويوثقون المعاملات والحقوق، ورئيس القضاء هو من يفوِّض سلطة توثيق المعاملات للمحامين الأساتذة وأكثر من 90% من سلطة التوثيق يقوم بها المحامين بكلِّ مسؤولية وأمانة، وسلطة توثيق المعاملات والحقوق تُجسِّد أطول آية فى القران الكريم هى الآية 282 من سورة البقرة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ 282 البقرة.
. وفى بداية كلِّ جلسة أو إجراء أمام محكمة، يسجل القاضى الحضور لتكتمل هيئة المحكمة، قبل بدء كل جلسة محكمة، فيسجل القاضى حضور ممثل الإتهام/ الإدعاء، ثم ممثل الدفاع، فتكتمل هيئة المحكمة، ثم تبدأ السير فى الإجراءات،
. القاضى الذى لا يعتبر المحامى جزءً مكمِّلاً للمحكمة، ولمهمَّةِ القضاء لا يفهم مهنة القضاء وغير مؤهَّل لممارستها، وأعلم أن هناك قضاة يضيقون بالمحامين، وبدون مهنة المحاماة لا قضاء ولا محاكم ولا عدالة تتحقق،
. المحامى يمارس مهنة المحاماة بإختصاص كامل غير متدرِّج، فى السودان المحامى المدرَّب جيداً يظهر ويترافع أمام كافة المحاكم، بينما القاضى يتدرج فى الإختصاص لحساسية مهنة القاضى الذى يتدرب من خلال الممارسة ويدون فى المحاضر بنفسه ويقيِّم البيِّنة، ويدير الجلسات، ويصدر الأحكام،
. المحاماة بالتالى، هى القضاء الواقف، والمحامى قاضٍ وافق، وهو صاحب المهنة الوحيدة التى تمثل الإدعاء والدفاع معاً، ويمثل الحق العام والخاص،
. وتُسمَّى المحاماة مهنة الفرسان، والفرسان شرفاء نُبلاء، وهم خصوم شرفاء،
. والمحامون يتصدَّون للدفاع مجاناً فى أخطر القضايا، قضايا الرأى العام،
. ومن أعظم المحامين السودانيين فى الزمن القريب، مولانا المرحوم على محمود حسنين من جيل العظماء فى هذه المهنة، وهو الذى أوَّل ما وَطأت أقدامه تراب الوطن قاد المحامين الوطنيين لفتح بلاغ إنقلاب 30 يونيو 89، ثم ما لبث أن إتنقل للرفيق الأعلى،
. الأنظمة الشمولية تضِيق بدور المحاماة وتُضيِّق عليهم، والنظام البائد دمَّر مهنة المحاماة وإحتكر نقابة المحامين لأتباعه طوال عمره، لأن نقابة المحامين المستقلة عن السلطة التنفيذية هى درع الوطن، وطليعة وطنية ثورية يقود عبرها المحامين الشعوب للتحرر والإنعتاق من الأنظمة الفاشية الشمولية الباطشة،
نذكر نماذج من محامين كتبوا أسماءهم بماءِ الذهب: مانديلا، المحجوب، زروق، أحمد خير، أبيل ألير، عبد الله الحسن النقيب، فاروق أبو عيسي، أمين مكى مدنى، على محمود حسنين، إسحق القاسم شداد، محمود شعرانى، غازى سليمان، كمال الجزولى، محمد الحافظ، فاطمة أبو القاسم، على قيلوب، محمد عبد الله الدومة.. ومن جيلنا: وجدى صالح، ساطع الحاج، مهدى بخيت حامد،… إلخ.
. المحامين هم طليعة متقدمة للدفاع عن إستقلال القضاء وفصل السلطات وسيادة حكم القانون، وبالمقابل يجب على السلطة القضائية حماية مهنة المحاماة من أى إعتداء وتغوُّل،
. عاد لمهنة المحاماة دورها الطليعى بعد ثورة ديسمبر 2018م وتعافت وتحررت بعد إختطاف ومصادرة إستمرت 33 سنة عجاف، فقام النقابة التسييرية الحالية،
. إسترد اتحاد المحامين الحالى الدور الطليعى للمحامين وأخيراً قدمت مسودة دستور للسودان نال إجماع وقبول ليس سببه كمَال المسوَدَّة، ولكن لأنها صدرت من جهة موثوقة من الشعب ويمكن البناء عليها، فالرضى عن الصانعٍ جَمَّل المصنوع،
. بعد مشروع دستور المحامين هاج وماج فلول النظام السابق بمن فيهم السلطة القضائية التى طفقت تتربص بأجهزة الإنتقال وتصدر أحكام قضائية شائهة تعيد بموجبها المشروعية لتشكيلات النظام البائد وتمنحها الشرعية فى إطار مشروع إعادة الفلول للحكم بعد إنقلاب 25 أكتوبر 2021م
. لغياب الدور الحقيقى والطبيعى للجهاز القضائى والأجهزة العدلية من نائب عام ومحاماة وشرطة وأجهزة أمن مستقلة تحمى مرافق الدولة واجهزتها، تُرك الحبل على الغارب للإنقلابيين ليعيدوا فلول النظام البائد إلى الحكم، وأوَّل عدوان وقع على اتحاد المحاميين داخل دارهم بـ العمارات شارع 61، مرتين،
. والسلطة القضائية بلا رئيس قضاء أو أجهزة عليا ممثلة فى مجلس قضاء عالى لم يتم تشكيله، وكل هذا التراخى مقصود من الإنقلابيين لإحداث فراغ ليملأه القضاة الموالين للنظام البائد الذين ترقوا فى الجهاز القضائى خلال 33 سنة الماضية،
. فى غياب دور الرقابة على عمل المحاكم وسلطة القضاء المستقل المحايد، بدأت المحاكم تصدر أحكام شائهة وغريبة على تاريخ القضاء السودانى العادل، أحكام بعودة الفلول الذين كانوا يشغلون الاتحادات التى حُلَّت بواسطة الحكومة الإنتقالية،
. ومثال ذلك، عودة (اتحاد المرأة السودانية) بحكم قضائى قبل أسبوع، والآن يسعون لإعادة اتحاد المحامين البائد، اتحاد كان قوامه طغمة من غُلاة الكيزان الذين يسبون العقيدة فى نهار رمضان من داخل محكمة قيادات النظام البائد، اتحاد ظل يقوده، حصرياً، هؤلاء المحامين الكيزان الذين يدافعون عن البشير وعلى عثمان غلاة النظام البائد فى محكمة انقلاب 30 يونيو 89، المحاكمة التى عطلها انقلاب 25 أكتوبر 21 ويكاد يفرج عن المتهمين ويطلق سراحهم، البشير، على عثمان، نافع، على الحاج، وإبراهيم السنوسى.. إلخ.
. ويعنى هذا عملياً عودة فلول النظام السابق وإسباغ الشرعية عليهم من جهاز القضاء السودانى، وهذه ردة فظيعة من جهاز القضائى، تخِرُّ له الجِبالُ هَدّا،
. ويعنى هذا عملياً، نكران القضاء السودانى للثورة الشعبية السودانية وحكومتها، رِدَّة مجلِجلة وتسييس للقضاء لخدمة هدف باطل هو إعادة النظام البائد للحُكم مرَّة أخرى،
. فيجب على الثورة السودانية حسم هذه الفوضى بشكل واضح وعاجل وحاسم، الثورة مستمرة والرِدَّة مستحيلة،
. والقضاة الكيزان مرصودين، ويجب أن يحالوا للتقاعد فوراً، أن يطردوا من الخدمة فقد فقدوا الإستقلال والحياد والنزاهة التى تؤهلهم للجلوس فى منصَّاتِ القضاء،
. ومنذ زمن بعيد، لا يوجد رئيس قضاء ولا مجلس قضاء عالى، ولا نائب عام، فمن ذا الذى يقرر هذه القرارات الخطيرة لإجهاض الثورة السودانية بتسييس الجهاز الأعظم والأعلى من أجهزةِ الدولة السودانية ؟،
. هذا، ومن أخطر جرائم أنه إنقلاب 25 أكتوبر 2025م هو أنه وضعَ الجهاز القضائى تحت تصرف القضاة الكيزان، فأفقدوا أهم جهاز فى الدولة الإستقلالية والحياد والمهنية التى تميِّزها، وبدون هذه السِمات لا يكون القضاء قضاء ولا الدولة دولة،
. الهدف الأول لإنقلاب 25 أكتوبر 2021م هو تدمير الدولة السودانية بإجهاض النظام القضائى السودانى وإفقاده إستقلاليته ومهنيته وحياده، ووضعه فى يدِ قضاة كيزان من فلولِ النظام البائد إستخدامهم ليصدروا أحكاماً شائهة يعيدون بها النظام البائد إلى الحكم والسلطة وجهاز الدولة.. وهذه محاولة يائسة من الإنقلاب لقمع الثورة السودانية وإعادة النظام البائد عبر السلطة القضائية، ذلك عندما فشلوا فى قهر وهزيمة الثورة السودانية عبر القمع والقتل والسحل بكل الوسائلِ الفاسدة،
. كان سير ونستون تشرشل ضابطاً فى الجيش الملكى البريطانى، ينحدِرُ من سلالات الدوقات الأرستقراطية بـ مارلبورو، من فروع عائلة سِبنسر الأشهر ببريطانيا، وهو قائد ذو شخصية كارزمية تولى منصب رئيس وزراء بريطانيا 1940- 24 يناير 1956م أثناء الحرب العالمية الثانية، ونال تشرسل جائزة نوبل فى الأدب (حاجة غريبة)، والولايات المتحدة الأمريكية منحته المواطنة الفخرية،
. دعا رئيس الوزراء تشرشل رؤساء تحرير الصحف ووكالات الأنباء البريطانية لإجتماع، لما طفح كيل الكُتَّاب أثناء الحرب العالمية الثانية وخراب بريطانيا على يد الألمان، وأن جهاز الدولة فى بريطانيا أصبح فاسداً وذهبوا بذلك بعيداً، فدعاهم تشرشل ووجه لهم سؤالاً واحداً: أكثرتم من القول أن بريطانيا قد فسدت، فهل القضاء البريطانى بخير؟ فأجابوه: نعم القضاء البريطانى بخير، فتهَلل وقال: “بريطانيا بخير لطالما القضاء بخير”
. والسودان اليوم ليس بخير، لأن القضاء السودانى وأجهزته العدلية ليست بخير،
. اتحاد المحامين المستقل الذى نشأ بعد الثورة السودانية هو الإتحاد الشرعى، وعلى الثورة السودانية حماية اتحاد المحامين من أى إعتداء أو مساس، فهو ضمانة لإستقلال القضاء، والسودان بخير لطالما القضاء بخير، والعكس الصحيح، فيجب أن نحمى القضاء السودانى المستقل ليكون دوماً بخير فيكون السودان بخير،
. ولن يكُنْ القضاء السودانى بخير حتى يكون اتحاد المحامين بخير، ولا يكون القضاء بخير وهو بيد قضاة كيزان منحازين للنظام البائد، فاسدين افقدوا قضاءنا المستقل العادل سِمته ووقاره وطُهره وإستقلاله وحياده.. ولن يعود الخير لقضاء السودان إلا بإرادة الشعب يحدد لمَنِ الشرعية، ويحميها بقوة بدلاً من الإنحياز للطغمة الظالمة التى سرقت ثورة الشعب السودانى ليلة 25 أكتوبر 2021م ؟
. السؤال موجه للجهاز القضائى السودانى الموقَّر: من هو رئيس القضاء الآن؟ ومن كلَّفه بالمهِمَّة ؟ وهل يوجد مجلس قضاء عالى إنتخبه ؟ لو كان القائم مقام رئيس القضاء الموقر قد عيَّنته سلطة الإنقلاب فهو شخص غير شرعى وقرار رئاسته القضاء جاء من قُرصان، وفاقد الشئ لا يعطيه، ويبطل كل أمر صدر منه ضد ثورة الشعب ومصلحته،
. وعليه، لو كانت سلطة الإنقلاب هى من عيَّنت رئيس القضاء الحالى ليتمكَّن من رقبةِ العدالة لَيَّاً وظُلماً، بلا إستقلال وحياد ومهنية، من قضاة بلا وِجدَانٍ سليم مَناط القاضى العادل، فعليهم وعلى القضاء السلام، والسودان ليس بخير، لأنَّ قضاءه ليس بخير.
. فيجب على الجهاز القضائى، وعلى قُضَاتهِ الموقّرين، الذين لم ولن يتسلَّلَ إليهم وإلى وجدانِهم السليم الشكَّ أبداً من هذا الشعبِ السودانى الواثق عبر التاريخ بنزاهَةِ قضَاءه العادل، وقُضاتِه العلماء الأجلَّاء الموقَّرِين، أن يحددوا موقفهم بشكل واضح لا لبس فيه، ويصدروا بياناً قاطعاً يبينوا فيه: لمن يتبع القضاء السودانى ورئيس القضاء الموقر؟ لجمهورية السودان وإرادة شعبه وثورته الباسلة التى تنشد الحرية والسلام والعدالة؟ أم أن القضاء والقضاة يستمدُّون شرعيتهم ويعملون وفقاً لتوجيهات قادة إنقلاب 25 أكتوبر 2021م وفلول النظام البائد؟ وهو الواقع الذى يراه النَّاس رأى العين، ماثلاً أمامهم.
. وما هو المرتكز والمرجع والدستورى والقانونى والشرعى الذى يقف عليه القضاء الآن فى إصدار أحكام قضائية بعودة فلول النظام البائد للواجهة ومنحهم الشرعية والحق فى العودة لقيادة أجهزة الدولة السودانية من جديد ؟،
. بإختصار شديد: رئاسة القضاء السودانى الآن، فى قمَّتِه، هل هى مع الثورة السودانية وأجهزتها وحكومتها الإنتقالية التى حلَّتها الإنقلاب؟ أو أنها مع الإنقلاب وفلول النظام البائد ؟،
لأن ذلك ضرورى لتحديد وضع القضاء السودانى الموقر كجهاز وسلطة دولة ضامنة للشرعية وحامية للحقِّ الدستورى- مكتوباً أو مضموناً فى حفظِ وصونِ الصدور- سلطة قضائية تضمن للسودان وشعبه حماية جهاز الدولة وحراسة فصل السلطات، والنهوض بتفسير نصوص الدستور والقانون وإستنباط الأحكام، وتطبيق القانون بإستقلال وحياد ومهنية، وقُضاة مستقلين ومحايدين ومهنيين، بوجدان سليم،
ويستحق السودان قضاء مستقل، وقُضاة عدول بوجدان سليم يصدرون أحكاماً من نور، فيقف لهم الخصوم والأطراف طاعة وتوقيراً، وتضج قاعات العدالة بصياح الحُجَّاب: محْكمة! فيقف الجميع طاعة وإجلالاً وتوقيراً، أحكاماً عادلة تحمى الناس والدولة والدستور والحقوق، فيلعب الأطفال كُرَة الماء مع التمساح فى النهر، ويَسْرَح الحمَلُ آمناً مع الذئب فى الفلوات، وتُسَرَّح الجيوش.
نريد السودان بلداً يسوده العدل والرشد فى الحكم كما فى عهدِ الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (لو عثرت بقرةً فى العراق لسألنى الله عنها، لِمَ لَمْ تعبِّد لها الطريق يا عمر؟!)،
. فإلى أىِّ الطرفين ينتمِى رئاسة القضاء السودانى اليوم ؟: إلى جمهورية السودان وثورتها الظافرة ونظامِها الدستورى وأجهزتها الشرعية التى قامت فى أبريل/ يونيو 2019م ؟ أم إلى إنقلاب 25 أكتوبر 2021م الذى إعتدى عليها وقوَّضتها تقويضاً؟.
. أنَّها لفضيحة كبرى أن ينحاز الجهاز القضائى الفدرالى السودانى، لا سمَحَ الله، لإنقلاب اللجنة الأمنية للنظام البائد وفلوله؟ ويفقد إستقلاليته وحياده ومهنيته ويختل ميزان الدولة السودانية. ويتوجب عندها أن تتدخل الثورة السودانية لإحداث إصلاحٍ وتقويم فورى على مستوى رئاسة القضاء لإعادة هذا الجهاز الحساس لجَادَّة الطريق لينعَدِل حال الدولة السودانية ويضمن عدم سقوطها وإنهيارها إذا إستمر إختلال ميزان العدالة، وسيكون السودان بخير عندما يكون القضاء بخير، وقضاء السودان الآن ليس بخير،
. والقضاء ليس كبقية أجهزة الدولة، القضاء جهاز وسلطة لا تحتمل الإنحياز لأى جهة أو توجه، والعاملين بها صفتهم الإستقلال والحياد والمهنية، ويميز القضاة الوجدان السليم، فيجب أن يكونَ قضاة السودان مستقلين ومهنيين وعدول كما كان سلفهم من قضاتنا الأجلاء رفاق مولانا محمد أحمد أبو رنات، مولانا عبد المجيد إمام، مولانا خلف الله الرشيد، مولانا هنرى رياض سكلا، مولانا عبد الرحمن عبده، مولانا صباحى، مولانا على إبراهيم الإمام.. وأرتال من القضاة الأجلاء العدول الذين زيَّنوا جيد قضائنا السودانى العادل المستقل بعقودِ العدلِ والنزاهة، والعلم والحياد،
. هذا، والقضاء المستقل، هو الجهاز الذى يوقره الجميع ويخضع ويمتثل لأحكامه كافة أجهزة الدولة وجميع الناس من الرئيس إلى الخفير، ويتعامل معه الجميع بثقة تامة وتسليم كامل، لأنها صادرة عن قُضاة علماء ومدربين، محايدين، مستقلين، وعدول.. فلا يحتمل القضاء خلاف الإستقلال والحياد والعدل وفق مهنية عالية، لذلك يخضع الجميع لأحكام القضاء وسُلطانِه، وإذا إختل أو غاب أى ركن من أركان العملية العدلية إنهارت كامل المنظومة،
. وإذا إختل القضاء وفقد إستقلاله وحياده ومهنتته مالت مهنة الحق والعدل ميلاً عظيماً ؟ وصار الظلم يمشى جهاراً بين الناس؟ إذا إختل القضاء وفقد مهمته وصفاته ومهامه وإستقلاله وحياده إختل النظام وعم الفساد وضاعت الدولة، والسودان اليوم مهدد بإنهيار جهاز القضاء فيه، وإذا انهار القضاء إنهارت الدولة،
. لذلك، يجب أن يكون موقف الثورة السودانية من خلل الجهاز القضائى وإستقلاله ومهنيته عاجلاً وصارماً وشاملاً وحاسماً، يجب عدم السماح بإختلال القضاء وفقدان حياده وهيبته وسمعته الحسنة، لا تفريط فى القضاء المستقل والعادل والناجز، ويجب أن ينمازَ جميع قضاة السودان بالمهنية المطلقة والحياد، يطبقون حكم القانون دون خوف أو وَجَل، هذا هو موقف الثورة السودانية من جهاز القضاء السودانى والأجهزة العدلية من نيابة عامة وشرطة جنائية،
. هناك غياب لدور رئيس قضاء ومجلس القضاء العالى الذى يُنتخِب رئيس القضاء والقيادة العليا للسلطة القضائية، وهناك تسلل واضح لعناصر النظام البائد لقِمَّة الجهاز القضائى، فبدأ القضاء يفقد إستقلاله ومهنيته وعدله، وحياده،
. والأن، لا يوجد دستور أو مرسوم دستورى يمنح الشرعية لأجهزة الدولة وتُستمُّد منها أحكام الحق والعدل، ويُمكِّن القضاء من إصدار أحكام لإجلاس الحقوق مقاعدها،
. فألى أى شرعية يرتكز القضاء السودانى اليوم فى إصدار أحكامه للحُكمِ بشرعنة الإنقلاب والإعتراف به وإصدار أحكام قضائية شائهة بعودة التشكيلات التى حلَّتها أجهزة الثورة السودانية وفق أحكام الوثيقة الدستورية التى عطَّلها الإنقلاب ولم يصدر لها بديل ؟ فأين المرتكز الدستورى الذى يقوم عليه أجهزة الدولة السودانية بعد إنقلاب 25 أكتوبر 2021م ؟ وإلى أى شرعية تستند المحاكم فى إصدار أحكامها بإعادة الفلول إلى الحكمِ وجهاز الدولة ؟!،
. ما هو القانون الأعلى (الدستور) الذى تستند إليه أجهزة القضاء والقانون فى إصدار أحكامها الصادرة بإعادة رموز ومؤسسات النظام البائد للحكم والسلطة ؟، أى دستور وأى قانون إستند إليه القضاء لإصدار هذه الأحكام التى تتسرَّب رويداً رويداً وتَظهرُ للسطح حاملة رموز العهد البائد وتشكيلاته للحُكم مجدداً؟،
. نفس الشئ يقال فى ديوانِ النائب العام: من هو النائب العام لجمهورية السودان بعد سيئ الذِكر تاج السر الحبر؟ وما هو المرتكز الدستورى لتعيينه ؟ ومن عينه وبأى مرجع ؟ من أين يستمد شرعيته الدستورية والقانونية ؟،
. ومعلوم أنَّ وكلاء النائب العام معظمهم من فلول النظام البائد، ويعملون لتعطيل العدالة ويظاهرون ويسندون حملة إعادة الفلول للحُكم ؟،
. فلا بُدَّ من إنشاء مجلس عالى للنيابة العامة يناط به إنتخاب نائب عام لجمهورية السودان فوراً لينهض بتطبيق القانون وحماية الحقوق وتقديم المجرمين للعدالة، فلا بُدَّ للعدلِ أن يسودَ، والنائب العام هو الركن الأساس لتحقيق العدل، وغيابه مقصود لهضم وتقويضِ الحق والعدل وإستباحته من ممثلى وحُماةِ النظام البائد،
. الذى يجرى الآن من فوضى سببه غياب دور النائب العام الذى يجب أن يسود فوراً،
. وكلاء النائب العام الذين فرَّطوا فى حمايةِ الحقوق بتطبيق القانون، الذين تراخوا فى عملهم لحماية الحقوق سوف يحاسبون، فلا أحد فوق القانون، ولا إفلات،
. وكيل النيابة موظف عام ذو طابع خاص وحساس، هو ليس خصماً لأحد، هو أداة مستقلة ومحايدة لتطبيق القانون نيابة عن الدولة والشعب، فلا يجمُل به أن يفقد هذا الوضع المتفَرِّد، ويجب عليه تمثيل المجتمع والدولة بحياد، دون ميلٍ أو انحياز،
. وكلاء النيابة الحاليين معظمهم فقد الحِياد والإستقلال، وفقدوا القوة التى تمنحها لهم القانون وصادروا من أدوات النظام البائد، يستغِلَّهم لإضاعةِ الحقوق،
. وفى الآخر نقول: تكون الكارثة محققة إذا تسيس الجهاز القضائى وفقد إستقلاله وخرج عن مهنيته، وتنكر لإرادة الثورة السودانية، ومال للنظام البائد، وإرتمى تحت “بوت” العسكر وإعترف بإنقلاب 25 أكتوبر2021م الذى خرج من الحكومة الشرعية الإنتقالية وغدر بها وخانتها، وإنقلب عليها، وتنكَّر لثورةِ الشعب السودانى.
. والآن، يتصدَّر فلول النظام البائد من قضاة ومستشارين ووكلاء نيابة المشهد فى قمَّةِ الجهاز القضائى والأجهزة العدلية، وعليهم الترجل فوراً، وإلا سوف تقتلعهم الثورة وتقذف بهم بعيدا عن هذه السلطة الحساسة التى يوقرها الجميع، ولكن قد طفح الكيل والكيزان شَرٌ لا يُبقى على أى شئ، ولا يذَر.
. وإذا دعت الضرورة: على الثورة السودانية تطهير القضاء السودانى والأجهزة العدلية من فلول النظام البائد، ونطالب الثورة بأن تسيير فوراً، مسيرات مليونية هادرة لتحرير السلطة القضائية السودانية وجميع الأجهزة العدلية من نيابة عامة ومحاماة وشرطة من قبضة الكيزان فلول النظام البائد، وتقرر إنشاء مجلس القضاء العالى فوراً لإختيار رئيس قضاء عادل ومهنى غير منحاز، لإنقاذ جهاز الدولة الأهم، وتنظيفه من فيروسات الكيزان والنظام البائد.. جهاز قضائى وعدلى مستقل ومحايد، مهنى وعادل، يقوم بواجبه فى إحقاق الحق والعدل بالقسط.
. وفى الختام:
نذكِّر الزملاء القضاة، ووكلاء النائب العام، والمحامين، بالمرافعة الذهبية التى رجمَ بها الشهيد الأستاذ محمود محمد طه، محكمة القاضى المهلاوى، ثُمَّ إلتحق بالرفيق الأعلى معزَّزاً مكرَّماً. تلك المرافقة التى دفع الأستاذ حياته ثمناً لها، لم تكن موجَّهة لمحكمة المهلاوى وحدها بل هى مرافعة تُعلَّق على باب كل قاضٍ ووكيلِ نيابة ومحامٍ وضابطِ شرطة، وكل من يعمل فى مهنة الحقِّ والعدل،
. قال الأستاذ محمود محمد طه فى مرافعته أمام محكمة المهلاوى يناير 1984م:
(أنا أعلنت رأيِّى مِرارَاً، فى قوانين سبتمبر 1983م،
من أنها مُخَالِفَة للشريعَةِ وللإسلامِ..
أكثر من ذلك:
فإنها شوَّهت الشريعة وشوَّهت الإسلام، ونفّرَت عنه..
يُضافُ إلى ذلك:
أنها وُضِعت، وأٌستُغِلت، لإرهابِ الشعب،
وسَوْقِه إلى الاستكانة،
عن طريق إذلاله..
ثم إنَّها هدَّدت وُحدَة البِلاد..
هذا من حيثُ التنظِير .
وأمَّا من حيثُ التطبيق،
فإنَّ القضاة الذين يتولّوُنَ المحاكمة تحتها،
غير مؤهلين فنيِّاً،
وضَعُفوا أخلاقِياً،
عن أن يمتنِعُوا،
عن أنْ يضعُوا أنفسَهُم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تسْتَعمِلهم لإضاعَةِ الحقوق، وإذلالِ الشعب،
وتشوِيِّهِ الإسلام،
وإهانة الفِكر والمُفكِرين،
وإذلال المُعارضِين السياسييِّن..
ومن أجلِ ذلك:
فإنِّى غير مُستعِد للتعاونِ، مع أىِّ مَحكمة، تنَكّرَت لِحُرمَةِ القضاءِ المُستَقِل، ورَضِيتْ أنْ تكوُنَ أداةً، من أدواتِ إذلالِ الشعب،
وإهانَة الفِكر الحُرّ، والتنكيل بالمُعَارضِين السياسيِّين).
الأستاذ/ محمود محمد طه 1984م محكمة القاضى المهلَّاوى*
. رُفِعت الأقلام وجَفَّت الصحف.

بقلم/ عبد العزيز عثمان سام
12 نوفمبر 2022م

مراجعات

  • مستوى التفاعل 0%
تقييم القراء 0.00% ( 0
شارك في التصويت )


مشابه

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.